العنوان أرض الميعاد ..... أسطورة ابتدعها اليهود
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 3
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
كثيراً ما
يدور التساؤل لمعرفة طبيعة الصراع بين
المسلمين واليهود وعن خلفياته التاريخية
وبداياته الحقيقية، وهل أن لنا كافة أن
يوضع حد فاصل لهذا الصراع المتجدد عبر
القرون على مدار عصور التاريخ المليء
بشتى صور الغدر والخيانة من قبل اليهود،
والحقيقة التي لا يمكن تغافلها أن المشكلة
بيننا وبين اليهود ليست مجرد قطعة أرض،
بل هي مشكلة عقائدية تاريخية، امتدت عبر
أجيال عديدة، فقد عادى اليهود جميع
الأنبياء كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا
جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى
أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
(البقرة: 87).
بل
لقد ثبت في آيات كثيرة وأحاديث عديدة أن
البهت والكذب من طبيعة اليهود وأن عداءهم
للرسل والرسالات نابع من طبيعتهم الخبيثة
المجبولة على الدسائس والمؤامرات مع ألمع
وأوفى من مشى على الأرض، فكيف بمن جاء
بعده؟
والخطأ
الأكبر الذي وقعنا فيه أنه في الوقت الذي
يعادينا اليهود لأجل معتقداتهم وانطلاقاً
من منظور عقدي نحت فإن المسلمين لا ينظرون
إلى العداء من نفس منطق اليهود، بل غاية
الأمر لدى الكثيرين أن القضية ما هي إلا
اغتصاب أرض، فاليهود ليسوا في نظر البعض
إلا مغتصبين، وهذه نظرة قاصرة عقائدياً
وتاريخياً والأحداث أثبتت ذلك.
ولا
يخفى على العاقل اليوم أن نكستنا الحالية
مع اليهود، وضياع أرض الإسراء، هي حلقة
في سلسلة من الأحداث التي حواها تاريخنا
الحافل الذي حاول الكثيرون التشويش عليه
وطمس حقائقه واستغلال فترات الضعف التي
انتابته نتيجة غفلة المسلمين، بيد أن
التاريخ الحديث قد بين بجلاء كيف استطاع
المسلمون أن يهزموا اليهود تحت صيحات
«الله أكبر» في العبور العظيم في العاشر
من رمضان 1393هـ - 6 أكتوبر 1973م لخط بارليف،
وكانت صيحة بعد ليل طويل أرعبت اليهود
جعلتهم يحسبون ألف حساب للإسلام، من
جديد.
وبين
أيدينا الآن موسوعة الدكتور سعد المرصفي
- الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت،
والمكونة من عشرة أجزاء، فصلت الكلام عن
اليهود تفصيلاً قل أن يوجد في غيرها، جاءت
في مجموعها لتشكل بحثاً جديداً متكاملاً
يخدم جيل الصحوة، وقد رأينا والحال كذلك
أن نقتبس من مضمون هذه الدراسة بسلسلة من
الحلقات تكشف دخائل اليهود وتتحدث عن أهم
ما يتعلق بهم في دراسة موجزة نسأل الله
أن يجزي مؤلف كتبها وقرأها خير الجزاء.
اليهود
يتهربون من مواجهة الحقيقة
لقد
واجه النبي ﷺ اليهود بحقيقتهم وأقام
عليهم الحجج والبراهين الدامغة الكافية،
فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله
عنه في قصة إسلام عبدالله بن سلام رضي
الله عنه وكان من أحبار اليهود، وفيه قال
«أي عبدالله»: يا رسول الله! إن اليهود
قوم بهت وإنم إن علموا بإسلامي بهتوني
فأرسل إليهم فسلهم عني، فأرسل إليهم فقال:
«أي رجل ابن سلام فيكم؟» قالوا: حبرنا
وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال:
«أرأيتم إن أسلم تُسلمون؟»، قالوا: أعياده
الله من ذلك، قال: فخرج عبدالله فقال: أشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،
فقالوا: شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن
جاهلنا، فقال: يا رسول الله ألم أخبرك
أنهم قوم بهت؟، واليهود قد علموا حقيقة
الرسالة وأنه النبي الذي بشر به أنبياؤهم
من قبل، وحوته كتبهم بأوصافه وأوصاف
أتباعه.
وبالرغم
من طبيعة اليهود إلا أن القرآن الكريم قد
أرشدنا إلى أسلوبحكيم لدعوتهم، حيث قال
تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي
أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ
وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:
46).
كيف
جاء اليهود إلى أرض الجزيرة؟
هناك
خلاف طويل بين المؤرخين في الوقت الذي
هاجر فيه اليهود إلى الجزيرة العربية،
«فبعضهم يرى أن هجرتهم إليها كانت في عهد
داود عليه السلام وبعضهم يرى أن نزوحهم
إليها كان في عهد حزقيال الذي حكم بلاد
يهوذا من سنة 717 إلى سنة 690 ق.م، إلا أن هذين
الرأيين ليس لهما سند ثابت من التاريخ،
ولذا لم يعتمد عليهما المحققون من المؤرخين»
(كتاب «أسطورة الوطن اليهودي» للدكتور
سعد المرصفي، ص 119).
وأما
قبل ذلك فقد كانوا في أرض مصر التي فروا
منها نتيجة بطش فرعون، ونجاهم الله منه
على يد موسى عليه السلام فتوجهوا إلى أرض
الشام، ولا تخفى القبائح التي قاموا بها
أثناء هجرتهم من مصر إلى الشام برفقة موسى
عليه السلام، وعندما استوطن اليهود أرض
الجزيرة وساكنوا العرب فيها مهروا في
التجارة، وخصوصاً الصياغة، وقد كان أبو
رافع أحد زعمائهم يلقب بتاجر الحجاز،
وكانت معظم معاملاتهم تقوم على الربا،
كما قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا
وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾
(النساء: 161).
وقد
كان يهود بني النضير حلفاء الخزرج فيما
كان يهود بني قريظة حلفاء الأوس، وكانت
تنشب بين هذين الحيين من العرب - أعني
الأوس والخزرج - معارك طاحنة وكان كثير
منها يشترك فيه اليهود مع حلفائهم كما
كانوا يلعبون دوراً كبيراً في تأجيج نار
العداوة بين عرب المدينة، وقد حصل ذلك
فعلاً والنبي ﷺ بين أظهرهم، حيث مرت طائفة
من اليهود بقوم من الأوس والخزرج جلوساً
يتحدثون وقد ألف بينهم الإسلام فهال
اليهود مما رأوه من الفة ومودة، فأخذوا
يتذاكرون بحرب بعاث - وهي آخر حرب بين
الأوس والخزرج قبل الهجرة - فكادت أن تدور
رحى الحرب من جديد بين الصحابة رضي الله
عنهم لولا أن خفضهم النبي ﷺ وأنكر ذلك
عليهم قائلاً: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين
أظهركم؟»، فهدأت ثائرة الجميع وأقبلوا
يتعانقون ويستغفرون الله وعلموا أنها
زلة شيطان بفعل اليهود، فكانت بنك على
اليهود فرصة كانوا يقتنصونها لولا ستر
الله عز وجل.
لقد
كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن
الإسلام وإبائهم الدخول فيه أن عندهم
الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون
في شريعتهم وصاياهم، ونسي هؤلاء بل تناسوا
أن شريعتهم تأمرهم بالإيمان بالنبي ﷺ،
ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة
وكما تعطيه ظواهر الألفاظ، غير أنهم لم
يلبسوها مفصلة تفصيلاً ولم يفقهوا حكمها
وأسرارها فلم يكن لها سلطان على قلوبهم،
ولم تكن هي المحركة لإرادتهم، وإنما كان
الذي يحرك نفوسهم هو الهوى والصد عن سبيل
الله، فالإيمان عندهم لا يعدو أن يكون
قولاً باللسان ليس له في الجنان مكان وهذا
لا قيمة له عند الله تعالى، ولذلك حذر
القرآن من موالاتهم والركون إليهم لخبث
طويتهم: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا
آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفرِ
وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾
(المائدة: 61).
والناظر
لسياق الآيات الكثيرة التي تتحدث عن بني
إسرائيل أنجدها ذات وحدة موضوعية عجيبة
وسياق نفسي واحد، تتفق جميعها على اختلاف
مواضعها وتعدد مناسبات نزولها على وصف
اليهود بما يناسب حالهم بشكل دقيق، ولولا
عظم فتنتهم وثشدة تربصهم بالإسلام وأهله
لما عني القرآن الكريم بذكرهم هذه العناية،
والقرآن إنما نزل بلغة العرب الذين كانوا
يكثرون من ذكر الشيء إذا عظم عندهم،
ويعددون له الأسماء، ولذلك اهتم القرآن
بذكر بني إسرائيل بالتفصيل، ولكن ليس
لعلو شأنهم وإنما للتحذير من مؤامراتهم
ودسائسهم.■
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل