العنوان طبيعة اليهود معاداة كل الرسالة سماوية
الكاتب علي تني العجمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
المجتمع التربوي
لقد ناصب اليهود العداء للدعوة منذ ظهور تباشير الفجر المحمدي الذي حمل النور للبشرية، وقد كان اليهود يظنون أن النبي الخاتم سيظهر فيهم، لذلك كانوا كثيرًا ما يستفتحون على الكفار متوعدين بظهور نبي جديد يتبعونه فيقتلونهم معه قتل عاد وإرم.. ولكن عندما ظهر هذا النبي في أرض الجزيرة -على خلاف ما يشتهون- بدؤوا يناصبونه العداء، وقد سبق ظهور النبي ﷺ بعض الإرهاصات التي كانت عبارة عن الأدلة والبشارات التي تبشر بانقشاع الظلام وأفول عبادة الأصنام، وبداية عهد جديد للبشرية مع نور الإسلام.
في الوقت الذي كانت فيه دعوة التوحيد لموسى عليه السلام تعلو على غيرها لم تخل اليهودية من اعتقاد التعدد، فقد كانوا يؤمنون بآلهة الشعوب الأخرى وأخذوا بفكرة البنوة لله من المسيحية، ومن کرشنا، وبوذا، وباخوس، فزعم اليهود أن «عزرا» الذي ذكره القرآن باسم «عزير» هو ابن الله! وقد كذبهم الله في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة: ۳۰).
وفي قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه عندما وصل إلى آخر راهب في رحلته الطويلة باحثًا عن الحق أرشده هذا الراهب -كان يهوديًّا- إلى أوان ظهور نبي جديد يظهر في قرية -يقصد مكة- مهاجره يكون إلى أرض ذات نخل -يقصد المدينة- فكان ذلك سببًا في قدوم سلمان إلى المدينة وإسلامه في قصة مشهورة تداولتها كثير من كتب السيرة والمراجع التاريخية، بل إن صفة عمر رضي الله عنه قد ذكرت في كتب اليهود، وأنه هو الذي تسلم مفاتيح بيت المقدس، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾ (الفتح: ۲۹)، ويصدق ذلك قول النبي ﷺ: «أنا دعوة إبراهيم، وكان آخر من بشّر بي عيسى ابن مریم» (رواه ابن عساكر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه) (في صحيح الجامع الصغير للألباني، حديث رقم ١٤٦٣).
اعتراف يهودي بحقيقة الرسالة
لقد كان أهل الكتاب يعلمون يقينًا مدى صدق النبي ﷺ وهذا كان معلومًا لدى كبرائهم وسادتهم، غير أن الحسد قد أعمى قلوبهم فأنكروا نبوة محمد ﷺ وتقاعسوا عن اتباعه، ولذلك لما اشتد الحصار على يهود بني قريظة دعاهم زعيمهم كعب بن أسد إلى ثلاث خصال: إما أن يسلموا، ويدخلوا مع محمد ﷺ في دينه فيأمنوا على دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم، وقد قال لهم: «والله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم» (الرحيق المختوم للمباركفوري ص ۳۷۲)، وهذا هو موضع الشاهد، وإما أن يقتلوا نساءهم وأبناءهم ثم يخرجوا للقتال غير مخلفين وراءهم أحدًا يخافون عليه، وإما أن يهجموا على النبي ﷺ يوم السبت، فرفضوا جميع هذه الحلول بقبحهم وسفاهة عقولهم.
على الرغم من كثرة أنبياء بني إسرائيل الذين ساقهم الله إليهم بكرمه ومنّه إلا أن بني إسرائيل قابلوا هذه المكرمة بالإساءة، فقد قال النبي ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، وقد بالغ بنو إسرائيل في الإساءة إلى أنبيائهم، بل تفننوا في ذلك أيما تفنن حتى نسبوهم إلى القبائح، فقد زعمت التوراة- كما جاء في الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين -أن لوطًا زنى بابنتيه- وحاشاه ذلك- وأما ابنة يعقوب فقد زعموا أنها زنت مع شكيم بن حمور، وأن ابن يعقوب المسمى «راوبين» فقد زنى بسرية أبيه المسماة «بلهة»، ولولا أننا أردنا من ذلك مجرد ذكر الأمثلة على هذه القبائح لأعرضنا صفحًا عن ذكرها؛ لأن العقل بل من كان لديه مسحة من عقل أو ذرة من إدراك يستحيل عليه أن يصدق مثل هذا الهراء الذي يستقيه اليهود من كتبهم التي ادّعوا لها صفة القداسة، ويبقى القول أن الأمة الإسلامية- فضلاً عن تلقيها القرآن بالتواتر لفظًا ومعنى طيلة نزوله إلى يومنا هذا- تتوقف في قبول أي خبر عن النبي ﷺ دون أن تتحقق من صحة إسناده بقواعد وضعها الجهابذة والنقاد، حتى نقوا التراث الإسلامي من أي شائبة أو شبهة.
لقد دأب اليهود على تحريف كل كتاب سماوي تطاله أيديهم، إما بالتبديل أو التحريف أو التغيير، شأنهم شأن الرافض للحق المعرض عنه، الصاد لكل من يدعو إليه، وقد بلغوا في ذلك مبلغًا عظيمًا، مما جعل هذا الأمر سمة تميزهم عن غيرهم من الكفار، ولذلك لم يؤمن منهم إلا القليل، قال تعالى ضاربًا مثلاً بتعنت اليهود: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ * فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ﴾ (البقرة: ٥٨- ٥٩).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاهم فبدّلوا وقالوا حنطة حبة في شعرة» (متفق عليه).
انظر إليهم وقد أمرهم الله بذبح بقرة كيف تعاملوا مع هذا الأمر المطلق؟ لقد أخذوا يتساءلون في تبجح لم يسبقوا إليه عن شكلها ولونها وحجمها حتى شدد الله عليهم بعد التيسير، ثم يأتي أحدهم إلى النبي ﷺ ويسأله في تعنت: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ ثم يسأله عن أول الناس إجازة للجسر، وعن غذاء أهل الجنة وشرابهم، وعن الولد كيف يكون إلى أبيه وأمه، ثم يقر بالنبوة وينصرف دون أن يؤمن (الطبيعة اليهودية، للدكتور سعد المرصفي، ص 20- 21).
ونختم بمشهد عجيب لم تصل إليه الطبائع البشرية حتى في أقصى صور زورها وبهتانها، وهذا الأمر يخالف كل فطرة صحيحة ويدل على أن صاحبه ذو فطرة منكوسة وعقلية معكوسة لا ترى الحق إلا باطلاً، ولا ترى الباطل إلا حقًّا، لقد سألوا موسى أن يريهم الله جهرة بعد ماذا؟ بعد أن نجاهم من فرعون وبطشه، وكأن هذه الآية وتلك النعمة ليست كافية ليؤمن مثل هؤلاء.. ومع ذلك بعد كل هذه المشاهد التي تملأ القلب روعة وإجلالاً وإيمانًا بالواحد القهار، حتى أن فرعون نفسه الذي ادّعى الألوهية قال وهو يشاهد ذلك ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.
أول من نقض العهد من اليهود مع النبي ﷺ
لما أصاب النبي ﷺ قريشًا يوم بدر، جمع اليهود في سوق بني قينقاع قائلاً: «يا يهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر»، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلتنا لعرفت أنا الرجال، فأنزل الله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (آل عمران: ۱۲)، ثم تكشف الوجه القبيح لهؤلاء حين جاءت امرأة من العرب يجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ منهم فجعلوا يراودونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فوقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع، فسار إليهم النبي ﷺ بعد أن استخلف أبا لبابة بن عبد المنذر فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فأجلاهم رسول الله ﷺ إلى أذرعات بالشام، وقد كان لإجلائهم وقع في نفوس اليهود حيث امتنعوا في أعقاب ذلك عن المجادلة الدينية وانفسح المجال أكثر أمام النبي ﷺ لنشر دعوته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل