; آلة الدعاية الأمريكية.. الوجه الآخر لمشاريع الإرهاب والحروب والحصار | مجلة المجتمع

العنوان آلة الدعاية الأمريكية.. الوجه الآخر لمشاريع الإرهاب والحروب والحصار

الكاتب محمد السانحي

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2003

مشاهدات 91

نشر في العدد 1572

نشر في الصفحة 34

السبت 11-أكتوبر-2003

شركات الإعلام المسيطرة وشركات الإعلان الممولة والأجهزة الرسمية الصانعة للخبر تشكل شبكة تتبادل المصالح والأهداف

الدعاية الإعلامية الأمريكية عريقة في التضليل والبلبلة ابتداء من حملات بث الذعر أثناء حكم الرئيس ترومان والتي سميت بالمد الأحمر

من شناعة ذلك الإعلام المتحيز أنه لا يسأل لماذا تحصل الأشياء ولا عن سبب حصولها.. إنه يدين الفلسطينيين ولا يسأل لماذا يقاومون؟

شعارات التحرير والديمقراطية التي ترفع على الدبابات الأمريكية كانت بمثابة وسائل دعائية كبرى لعمليات الإرهاب والحروب والانقلابات والتغاضي عن الاستبداد الذي تمارسه الدكتاتوريات المدعومة أمريكيًا

شهد الإعلام بمختلف مشاربه تكتلات تركزت في أيدي 5 شركات عملاقة تسيطر على كل وسائله وإنتاجه من صناعةالخبر إلى الأفلام الوثائقية

باكديكيان: الاستحواذ بهذا التكتل العملاقي سيؤدى إلى توحيد قيم الثقافة والسياسة.. الأمر الذي يزيد من التساؤل عن دور الفرد داخل الديمقراطية الأمريكية

كان الزعيم النازي أدولف هتلر أكثر الدكتاتوريين صراحة وامتنانًا للدعاية الإعلامية التي مكنته من تنفيذ مشروعه الحربي، عندما قال: «لقد منحتنا الدعاية الحكم، ومكنتنا من البقاء في السلطة، ومنحتنا سبل غزو العالم....».

في شهر يونيو الماضي صوتت اللجنة الفيدرالية الأمريكية للاتصالات التي يترأسها مايكل باول، الابن الأكبر لوزير الخارجية الحالي كولين باول، على إحداث تغييرات مهمة على بنود قانون الاتصالات التي كانت تحد من سيطرة الشركات الإعلامية العملاقة على نطاق البث والتملك اللا محدود لوسائل الإعلام في الولايات المتحدة.

murafrif@hotmail.com

وبالرغم من أن هذا الحدث مر دون الإشارة إلى أبعاده وتداعياته من قبل وسائل الإعلام المهيمنة والمستفيد الوحيد منه، فإنه يعتبر تحديًا كبيرًا وخطرًا داهمًا على الشعب الأمريكي والعالم ، عندما يزداد توسعه ويتمركز الإعلام ووسائله وإنتاجه في أيدي مجموعة من المتشددين صناع الحروب والإرهاب والمآسي في العالم، وجاء التعديل الجديد ليلغي الحدود التي وضعت للحد نوعًا ما من الهيمنة الإعلامية الكاملة، والتي كانت تسمح بمساحة للرأي المعارض في المنافسة، وإيصال صوته والتعبير عن رأيه، من خلال تغيير البند الذي كان يمنع امتلاك شركة إعلامية في مدينة واحدة لجريدة وقناة تلفزيونية أو محطة إذاعية في نفس الوقت، كما تم زيادة عدد المدن التي تستطيع فيها شركة إعلام واحدة امتلاك محطتين تلفازيتين أو أكثر، أما التعديل الآخر فهو السماح لشركة واحدة بامتلاك محطات تلفازية يصل مداها إلى 45% من المشاهدين على مستوى البلاد، زيادة على الـ 35% المعمول بها حاليًا، وتعتبر هذه التعديلات كارثية على توجيه الرأي العام الأمريكي الذي يحصل - حسب إحصاءات على لجنة الاتصالات الفيدرالية- على 56% من مصادر المعلومة من التلفاز و23% من الجرائد الكبرى، وتعد الشركات الخمس الكبرى في خضم هذه السوق حارسة البوابة المعلوماتية وصانعة القرار بالنسبة للبرامج والمواد الإعلامية التي يجب أن تسوق للشعب الأمريكي خاصة والعالم عامة... وفي وسط ذلك التكتل الإعلامي يتزايد نفوذ الجناح اليميني، إذ يمكن لشبكة فوكس نيوز الصهيونية التابعة للإمبراطور الإعلامي روبرت مردوخ الهيمنة على كل ما يُسمع ويُرى ويقرأ بعد تلك التعديلات إذا ما نجحت مساعيها في السيطرة على Direct TV أكبر شركات الخدمات الفضائية في الولايات المتحدة، وربما كان تعبير مردوخ مؤخرًا بقوله «الاحتكار شيء فظيع... حتى يكون في قبضتك»، مؤشرًا واضحًا على ما ذكرنا، وسيكون مآل شركات الإعلام الصغيرة الابتلاع أو التلاشي وسط تنافس العمالقة بعد إنهاء المساحة الضيقة التي كانت تتحرك فيها... ولم يخف أساطنة الإعلام أنفسهم - أمثال مؤسس «سي إن إن» تيد تورنر وباري ديلر رئيس مؤسسة America Interactive - تخوفهم من آثار تلك التغيرات على حرية الرأي والمنافسة، فقد قال تورنر في الواشنطن بوست: إن تلك التعديلات «ستخنق الحوار، وتكبت أي أفكار جديدة، وتؤدي إلى إقفال المؤسسات الإعلامية الصغيرة التي تحاول المنافسة».

إن قضية التعديلات الجديدة لقانون الاتصالات بالولايات المتحدة التي مرت ولم يعرها الإعلام أي اهتمام على الرغم من أبعادها وتداعياتها الدولية السيئة، حيث ستمكن الفئة الساعية لإشعال الحروب- من تمرير مشاريعها بسهولة لدى الرأي العام الأمريكي - تدعونا إلى أن نعود مرة أخرى للنظر في مسيرة التكتل الإعلامي الأمريكي، والوقوف عند الكثير من محطاته وميكانزمات عمله، بعد أن أضحى يتمتع بسلطة لا حدود لها داخل الولايات المتحدة وخارجها، محاولين تلمس دوره في تهميش الرأي الآخر، وكبته وتورطه في مشاريع الإرهاب والتدخل والغزو والمقاطعة والحصار التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وتضررت منها - ولاتزال - شعوب كثيرة في العالم..

لقد كانت الدعاية الإعلامية الأمريكية – ولا تزال - تلعب دور المسوق لتلك المشاريع لدى الرأي العام ، ليأتي بعد ذلك دور العسكر في تحريك الجيوش نحو دول منهارة أو فقيرة أو محاصرة باسم الحرية والحضارة والديمقراطية... فمن خلال التعديلات الأخيرة ستحاصر هذه المؤسسات العملاقة مصادر المعلومة تمامًا، وتكبت أي منافسة أو رأي مخالف، فتزداد الحملات الدعائية المضللة مستقبلًا، ويتسع نطاقها وتزداد مشاريع الإرهاب والحصار والحروب لشعوب أنهكها الاستبداد الداخلي والغزو الخارجي.

لم تعد تعني حرية الإعلام والتعبير وتعدد الآراء في الولايات المتحدة في الواقع سوى إعلام تجاري ممول بالمعلومة من قبل الأجهزة الرسمية ، وعلى رأسها البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية ومدعوم ماليًا من قبل إعلانات الشركات التجارية التي يتجاوز عددها ٥٠٠ شركة، ومن ثم فإن شركات الإعلام المسيطرة، وشركات الإعلان الممولة، والأجهزة الرسمية الصانعة للخبر تشكل شبكة مغلقة صعبة الاختراق متبادلة المصالح والأهداف، وهي التي تحدد وفقًا لأهدافها ومصالحها ما يجب أن يُقال وما يجب ألا يقال، وهي التي تصنع المفكرين، والمختصين الذين يلعبون دور المفسر، والمعلق على الأحداث وتحليلها، وبيانمدلولاتها.

ومن مهام تلك الشبكة وضع المبادئ الرئيسة والعقائد الأيديولوجية المرحلية المائعة والمبهمة مثل: الغزو الشيوعي والمد الأحمر والإرهاب والدرع الصاروخي وأسلحة الدمار الشامل... التي تستعمل كأدوات لتمرير مشاريع تلك المنظومة التي تكون في كثير من الأحيان مشاريع تسلح وتوسع تجاري وغزو وإرهاب وحروب وانقلابات... كان العالم الثالث - ولا يزال - مسرحًا لها، الأمر الذي جعل كثيرًا من المختصين يعتبرون الآلة الإعلامية ليست أكثر من جهد من الجهود الحربية للإدارات الأمريكية.

وفي خضم ذلك، يظل أكثر الأمريكيين لا يفهمون تأثير وسائل الإعلام والصحافة على آرائهم وفهمهم لأحداث العالم، إذ يقول الكاتب والناقد مايكل بارانتي: «إن الهوة هائلة بين ما يفعله القادة الأمريكان في العالم وما يعتقده الشعب عن تلك الأفعال، وتعتبر هذه واحدة من أعظم إنجازات دعاية الميثولوجيا السياسية المهيمنة».

وقد أظهرت بعض الدراسات ضآلة اهتمام المواطن الأمريكي بالقضايا الدولية، بسبب أحادية المصدر وتجمعه لدى شركات كبرى تسيطر عليها فئة من الأثرياء التي تعكس وجهة نظر الإدارة الحاكمة والجناح اليميني من منظور مفبرك لتضليل الرأي العام وتحويله إلى دعم سياسةتلك الإدارة.

 تجار الأزمات والحروب

اعتبر القانون الذي وضعه المشرعون الأمريكيون عقب محكمة نورميرج الخاصة بجرائم الحرب العالمية الثانية رادعًا للدعاية الإعلامية التي تتحول إلى مجهود حربي عدواني. ومما جاء فيه «أن تخطيط الإعلاميين لتلك الحرب عبر المجهود الدعائي جعلهم لا يختلفون في المسؤولية عن واضعي الخطط العسكرية أو الذين يضعون الذخائر في البنادق»، وقد حوكم هانز فريتز - وهو أحد المسؤولين الأوائل عن الحملة الدعائية لهتلر وفكره النازي- في تلك المحكمة باعتباره من الأدوات الرئيسة التي مهدت الطريق للنازيين في ارتكاب جرائمهم الشنعاء، وغزوهم لجيرانهم تحت ذرائع ملفقة ضللت الشعب الألماني، وجعلته يتقبلها ويدعمها بشكل منقطع النظير، ولم تكد الحرب تضع أوزارها وتجف دماؤها حتى بدأت الدعاية الإعلامية الأمريكية تمارس نفس الدور طيلة نصف قرن من الحروب والإرهاب والحصار والانقلابات التي راح ضحيتها الملايين في أمريكا الجنوبية وآسيا والشرق الأوسط ، واستمرت الدعاية الممهدة للحروب والحصار إلى اليوم، دون أن تقام محاكم لمجرمي الحرب ودعاياتهم الإعلامية على مآسيهم في هيروشيما، وناجازاكي، وفيتنام، وكوريا، وأمريكا الجنوبية، وآسيا، والشرق الأوسط، ربما لأن معظم ضحاياها كانوا من العالم الثالث، وأن حملاتها كانت حملات إنسانية تحريري، حسبزعمهم!

إن الأيديولوجيات التي استعملتها دعاية فريتز وتركزت حول أمن الشعب الألماني والدفاع عن أراضي أجداده والتهديد الخارجي... وأدت إلى ارتكاب أبشع المجازر، واحتلت وشردت شعوبًا، وأزالت دولًا من الوجود... تشبه تمامًا الدعاية التي تفبركها وسائل الإعلام الأمريكية في إقناع الشعب الأمريكي وجعله مسؤولًا عن معاناة وآلام شعوب أخرى في فيتنام، وأفغانستان والبوسنة والهرسك، والعراق، وفلسطين، وآسيا، وأمريكا الجنوبية... دون أدلة واضحة أو مبررات مشروعة.

والدعاية الإعلامية الأمريكية ليست جديدة في التضليل والبلبلة، بل هي عريقة امتدت إلى مطلع القرن الماضي، ابتداء من حملات بث الذعر والتخويف أثناء حكم الرئيس ترومان في 1919 و1920م، والتي سميت بالمد الأحمر، وكان هدفها مقاومة تكتل القطاعات الصناعية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وتداخلت شعارات تلك الحملة الدعائية المضللة ما بين تنامي المد السوفييتي وقضية كمبوديا، وإضعاف الفيتنام، أما نتيجتها فكانت بناء ترسانة عسكرية ضخمة ثم سياسة خارجية بشعة.

التمهيد لعداوة السوفييت: وشنت وسائل الإعلام حملات تخويف وترهيب واسعة ضد المد الشيوعي والزحف الأحمر، تمهيدًا لعقيدة جديدة عرفت بمبدأ الاحتواء وإنهاء السلام مع الصديق السوفييتي، وتحويله إلى عدو مباشر يهدد الولايات المتحدة، ويستعد لغزو العالم، مما جعل أمريكا تعتبر نفسها في حالة دفاع لاحتوائه طيلة تلك الحقبة التي سميت بالحرب الباردة، ونجحت تلك الحملات في تمرير مشاريع تسلح أمريكية مهولة توجت بالتسلح النووي الذي جربت طلائع قنابله على ناجازاكي وهيروشيما، وتحت ستار نفس الحملة الدعائية المستمرة عن المد الشيوعي، حفلت السياسة الخارجية الأمريكية بحملات تغيير أنظمة وتوسع اقتصادي ونفوذ عسكري، وحروب وإرهاب دولي، كان العالم الثالث مسرحًا لمعظمه، ونالت أمريكا الوسطى قسطًا كبيرًا منه، ففي جواتيمالا، وعندما قام رئيسها المنتخب ديمقراطيًا بإنهاء هيمنة شركة الفواكه الأمريكية المتحدة مع دفع التعويض انتفضت الولايات المتحدة لتلك الخطوة، واعتبرتها تهديدًا لأمنها واتهمتها بالعمالة للاتحاد السوفييتي، بيد أن الكثير من المختصين يرون أن دول أمريكا الوسطى لم يكن لها حتى علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي، ولم تحظ باهتمام كبير من جانبه.

 نيكاراجوا: وفي ثمانينيات القرن الماضي اعتبرت إدارة ريجان الحكومة الديمقراطية في نيكاراجوا، التي جاءت على أنقاض نظام دكتاتوري، حكومة إرهاب، ونظامها نظامًا مارقًا يشكل تهديدًا لأمريكا، ولعبت الدعاية الإعلامية في تلك الأزمة الدور الريادي في تأكيد هذه الادعاءات عبر حملة بلبلة، وتلفيقات وشعارات جوفاء، بيد أن ذلك الإعلام ظل صامتًا عن فظائع النظام الدكتاتوري السابق في نيكاراجوا الذي دام ٤٥ عامًا. من جهة أخرى شهدت تلك الفترة إضافة جديدة من الأيديولوجيات في قاموس الإعلام الأمريكي الدعائي مثل: قضية ليبيا في الثمانينيات، وأبو نضال، وجواتيمالا، وميلوسوفيتش، ثم الإرهاب، وأفغانستان، وصدام حسين، وإيران، وأسلحة الدمار الشامل، استعملتها الآلة الإعلامية وطنطنت بها في مهرجاناتها المضللة للرأي العام المسعرة للحروبإلى يومنا هذا.

ومن شناعة ذلك الإعلام، أنه لا يسأل لماذا تحصل الأشياء ولا عن أسباب حصولها فضلًا عن استعمالهسياسة انتقاء الأحداث بقدر ما تخدم مصالح منظومته كما حصل عام ۱۹۸۳م، عندما أسقط السوفييت طائرة KAL007 الكورية الجنوبية، وما تلاه من انتفاضة إعلامية واسعة ومادة إخبارية احتلت المواقع الأولى حتى استطاعت إدارة ريجان تمرير ميزانية زيادة التسلح، لكن حدثًا آخر مشابهًا تمثل في إسقاط طائرة ليبيبة مدنية عام ۱۹۷۳م من قبل الإسرائيليين تنكرت له وسائل الإعلام ولم يجد من يبكي عليه في الغرب!

تضخيم قوة العراق: عندما كان الإعداد للحرب على العراق جاريًا على قدم وساق، وضع موظفو الإدارة الأمريكية وأجهزة الإعلام انطباعًا دعائيًا مفاده أن العراق قوة ضخمة وتمثل تحديًا كبيرًا يهدد الولايات المتحدة وحلفاءها، في الوقت الذي كان فيه العراق دولة من دول العالم الثالث تحت نظام فاسد لم يكد جيشه يلفظ أنفاسه من حربه مع إيران حتى جره إلى عدوان آخر على دولة الكويت، ولم تذكر الدعاية الإعلامية الحرة تهديدات الولايات المتحدة وإرهابها للمنطقة بتشجيع صدام حسين ضد جيرانه واستعمالها لليورانيوم المنضب والقنابل الطنية والاستفراغية والعنقودية عندما غزت العراق وأفغانستان، وعن دعمها لأنظمة مستبدة في المنطقة، وقبل كل ذلك عن دعمها اللامحدود وتشجيعها المستمر للإرهاب الصهيوني في فلسطين؟

لقد كانت شعارات التحرير والديمقراطية والإصلاحات التي ترفع على الدبابات الأمريكية وسائل دعائية كبرى لعمليات الإرهاب والحروب والتحريض على الانقلابات والتغاضي عن الاستبداد الذي تمارسه الدكتاتوريات المنصبة أو المدعومة أمريكيًا، كما أصبح هذا الإعلام العملاق الذي يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لا يختلف في أدائه عن إعلام الأنظمة الدكتاتورية في العالم الثالث، فهو شكل مزخرف من أشكالها، وقد عبر الجنرال وليام ويستمورلند عن ذلك بوضوح عندما قال: «بدون رقابة فإن الأشياء يمكن أن تكون مشوشة بشكل فظيع في ذهن المواطنين»، وإضافة إلى تلك الدعاية الخارجية الفظيعة تمارس الآلة الإعلامية الأمريكية مهرجانات دعائية تهريجية عن الإنجازات الحضارية للرئيس وإدارته قبل وبعد انتخابه وإعادة ترشيحه، ويتم تصوير سياسته الخارجية وما تمارسه آلته العسكرية من تخريب وحصار وغزو ودمار لمجتمعات ودول فقيرة ومنهارة مثل: أفغانستان وأمريكا الجنوبية والصومال والسودان والعراق، على أنها مجهودات تحرير وإصلاح وإعادة تعمير، لكن المتتبع لتلك الأعمال «الحضارية»! على أرض الواقع يجد أن البقاع التي مرت عليها الآلة العسكرية الأمريكية ترکت أطلالًا يعشش فيها الفقر، وينتشر فيها الفساد، ويتجذر فيها الكبت والاستبداد والحرمان والتمزق، فلم تعمر البوسنة من قبل ولا يوغسلافيا ولا أفغانستان ولا العراق ولم تنعم شعوب العالم الثالث بالحرية أو الديمقراطية في ظل أنظمة دكتاتورية مستبدة نصبتها أمريكا أو نالت رضاها ودعمها.

الخمس الكبار

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شهد الإعلام بمختلف مشاربه وأنواعه تكتلًا تدريجيًا في أيدي أشخاص معظمهم - إن لم نقل كلهم- يهود، كما وصفهم تقرير لجنة حرية الصحافة حسب ما ذكره الكاتب ميشيل بارنتي في كتابه «ديمقراطية للقلة» وروبرت سيرينو في كتابه «لا تلم الشعب» وجاء فيه: «إن اليهود- ملاكًا ومدراء للإعلام - هم الذين يحددون أي شخص، وأي حقائق، وأي قصة من تلك الحقائق، وأي أفكار يجب أن تصل الشعب»، واستمر توسع وتكتل شركات الإعلام من ٥٠ شركة إلى أن تمركز الإعلام كله في خمس شركات عملاقة تهيمن على كل ما يرى ويسمع ويقرأ. ولا تعكس تلك الشركات وتوجهها اليميني وآراءها المتطرفة إلا نفسها والقلة القليلة المقتنعة بنهجها المتشدد كما قالت محللة الإعلام «سوزان دوغلاس»: «إن ما تسمعه ونراه رأي طبقة عليا من البيض تمثل حوالي 5% من الشعب».

ويقول بن باكديكيان - الذي تتبع ذلك التحول- : في عام ۱۹۸۳م كانت هناك ٥٠ شركة كبيرة تسيطر على معظم وسائل الإعلام، وبعد 7 سنوات فقط، تقلص ذلك العدد ليصل عام ١٩٩٠م إلى ٢٣ شركة، ومع نهاية العقد الأخير من القرن الماضي، وبعد التكتلات التي حدثت بين شركات الإعلام الكبرى تجمع الإعلام ووسائله في أيدي 9  شركات عملاقة، ثم زاد التمركز والتكتل حتى وصل مع بداية القرن الجديد إلى خمس شركات عملاقة تسيطر على كل وسائل الإعلام وإنتاجه من صناعة الخبر إلى إنتاج الأفلام والكتب والمجلات والجرائد وبرامج التليفزيون والموسيقى والفيديو والألعاب والتقارير والتحقيقات والأفلام الوثائقية في العالم برمته ووصف باكديكيان هذا التحول بقوله: «إن الاستحواذ على القوى بهذا التكتل العملاقي سيؤدي إلى توحيد قيم السياسة والثقافة الأمر الذي يزيد من التساؤل عن دور الفرد داخل الديمقراطية الأمريكية..»

فما هذه الشركات الخمس التي تحدد لمعظم شعوب العالم نمط المعلومة والأفكار والثقافة والمستقبل..؟

أمريكا اون لاين تايم ورنر AOL Time Warner هي العملاق الأكبر، إذ بلغت وارداتها عام ٢٠٠٢م ٤٠٠٩ مليار دولار، ووصفها أحد المعلقين بأنها القوى الرئيسة فعليًا في أي وسط وفي أي قارة، ويتضمن نشاطها خدمة الإنترنت AOL وشبكة سي إن إن، وتايم، ورنر كابل، وشركة العرض السينمائي وارنر براذرز، ومحطات تي بي إس TBS وإتش بي أو HBO، ومجموعة الموسيقى Electra وAtlantic وتمتلك من المجلات Time وFortune وMoney.

  • أما العملاق الثاني فهو جنرال إليكتريك General Electric التي بلغت أرباحها لعام ٢٠٠٢م ۲۱,۷ مليار، وتمتلك شبكة إن بي سي NBC و۲۲۰ محطة تابعة، وتضم 4 شبكات من الكابل والساتيلايت حول العالم، وتمتلك شبكة تيليموندو Telemundo أحد أكبر الشبكات للناطقين بالإسبانية.

  • أما القوة الإعلامية الثالثة فهي والت ديزني Walt Disney التي بلغت عائداتها عام ٢٠٠٢م ٢٥.٣ مليار دولار وتتضمن شبكة إيه بي سيABC التي تتبعها ٢٢٦ محطة، ومحطة إي بي سي الإذاعية التي تغذي ٤٦٠٠ محطة إذاعية أخرى، وكذلك شبكة إيه إس بي إن ESPN التي تتبعها أكثر من ۷۰۰ محطة أخرى، وشبكة ديزني التي تتضمن ۱۰ محطات مرئية و٤٤ محطةإذاعية.

  • والعملاق الرابع هو فياكوم VIACOM التي بلغت عائداتها عام ٢٠٠٢م ٦ ٢٤ مليار دولار، وتمتلك ٢٩ محطة مرئية، و۱۸۱ محطة راديو وشبكات الكابل بما فيها قنوات إم تي في MTV وNickelodeon الكرتونية وبيت BET وCBS وشركة العرض السينيمائي بارامونت Paramount Pictures وتمتلك 80% من شركة تأجير الفيديو الدولية العملاقة بلاكبوستر

Blackbuster.

  • أما العملاق الخامس، فهو نيو کورپوریشنNew Corporation التي بلغت عائداتها لعام ۲۰۰۲م ۱۷ مليار دولار، وتمتلك 80.6% من مجموعة فوكس التي تتضمن ٦٠ محطة مرئية، و۱۸۸ أخرى تابعة لها، وشبكة للعرض السينمائيFox 20th century هذا بالإضافة إلى شبكات الكابل. وتعتبر هذه الشركة الأولى في العالم التي تصدر الصحف الناطقة بالإنجليزية.

 وتتشابك مصالح هذه التكتلات العملاقة فيما بينها ما بين تعاون في المشاريع الإعلامية المشتركة، وتبادل الأسهم، وتقاسم ارباح البرامج التلفزيونية والسينمائية، وشبكات الكابل الأكثر انتشارًا.

 وقد وصف الكاتب «ما كيزني نيكولاس» Machesney Nicholas هذه الشركات المهولة في كتابه «إنه الإعلام الوقح». بقوله «إنها تشكل مجتمعًا محكم العقد من المالكين يسيطر عليه بعض من أغنى أغنياء العالم، إنهم ١٣ من ۱۰۰ اغنى شخص في العالم...».

ولا يقتصر نفوذ تلك الشركات على ما ذكر، بل يمتد إلى المراكز والمعاهد المختصة، فعلى سبيل المثال تمول شركة جنرال إلكتريك العديد من مؤسسات صنع القرار مثل مجموعة ماكلوكلين McLaughlin التي يسيطر عليها الجناح اليميني من أصحاب الأعمدة والمعلقين المشهورين في وسائل الإعلام العامة ، وتدعم بالتعاون مع شركات أخرى مؤسسات صناعة القرار اليمينية مثل معهد إنتربرايز، ومركز جورج تاون للدراسات الإستراتيجية والدولية ومؤسسة هيريتاج ومؤسسة هوفر، والكثير من معاهد التوجيه الإيديولوجي الأخرى التي تدعم بدورها وتلمع المختصين المنتقين.

 وقبل أن يستفحل هذا الإعلام وبهذا الشكل كان جون سوينتون John Swinton رئيس مجلس إدارة النيويورك تايمز قد وصفه في كلمة بنادي الصحافة بنيويورك عام ١٩٥٣م عندما قال: «لم تر شيئًا مثل هذا في التاريخ، لقد أصبح عمل الصحفيين في أمريكا حيث حرية الصحافة، محو الحقيقة والكذب بصراحة والتضليل والتحريض والتودد عند اقدام الثري الجشع....، لقد صرنا أدوات وخدماً لأناس وراء المسرح إن مواهبنا وإمكاناتنا وحياتنا كلها ملك لأناس آخرين.

انتقاء الصفوة لخدمة الصفوة 

يشكل الصحفيون وأصحاب الرأي من المحللين والمعلقين أحد الأسس المهمة في میکانیزمات الدعاية الإعلامية الأمريكية الأمر الذي جعل الكثير من الشخصيات التلفازية الإخبارية يتحولون تدريجيًا إلى مندوبي مبيعات للتكتلات العملاقة، فهم يكتبون ويحررون نيابة عن الدوائر التي تكبح كل مادة تضر بمصالحها، فهذه الفئة إذن هي التي تبيع المنتج وتكسب السوق للجهات العاملة في الخفاء، إنهم تجار في التحليل الأخير، وهم جزء مهم وأساسي مثلهم مثل الجهاز الذي يضع الخطط في تلك الشبكة، وبالرغم من عدم مشاركتهم في وضع الاستراتيجيات الكبرى، إلا أنهم يجعلون من تنفيذها أمرًا ممكنًا مما أهلهم للتعلم بأهمية كبرى وتحت رعاية خاصة منذ الانتقاء الدقيق لهم والتدريب الخاص على أعين أساطنة ذلك الإعلام، إلى الرواتب العالية والتألق والشهرة، فهم الذين يصنعون الصورة ويؤدون المهمة ويسوقون المشروع للرأي العام دون تجاوز الخطوط الحمر، لمصالح أرباب الإعلام، كما قال روبيرت ماكزني الكاتب والصحفي: «إن مقولة أن الصحافة تستطيع من حين لآخر أن تصدر إنتاجًا يخرق المصالح الأساسية لملاك الإعلام وأرباب الشركات الإعلانية تصور غير معقول».

وتركز الدعاية الإعلامية على المصادر في حواراتها ومناقشاتها لإكمال تلك الصورة، بحيث تشكل الجهات الرسمية أهمها، ويشكل الباقي مصادر محلية موالية لها.

وفي إحصاء لمؤسسة مراقبة أداء الإعلام FAIR حول مصادر برامج الحوار الليلية التي دارت في الفترة الممتدة من ٣٠ يناير إلى ١٣ فبراير ۲۰۰۳م على الشبكات المرئية NBC، ABC، CBS، PBC، حول أزمة العراق قبل الغزو الأخير، كانت النتيجة الموزعة على ۳۹٣ مصدرًا: المصادر الرسمية۲۹۷ أي 67% المصادر غير الرسمية ٩٦ أي 24%، مصادر أمريكية ٢٦٧ أي 68% وأخرى غير أمريكية ١٢٦ أي 33%، مع العلم بأن معظم المصادر غير الرسمية هي لموظفين سابقين أو متقاعدين مؤيدين لليمين المتشدد، ويفسح مجالًا ضيقًا من حين لآخر للنخب المعارضة، مما يعكس زيف مصداقية ذلك الإعلام الذي نشأ في أجواء الحرية وانحرف عنها.

ويجهل الشعب الأمريكي الوجوه الإعلامية المحللة للخير والمفسرة للحدث، ففي ديسمبر عام ۲۰۰۰م عندما شاهد ملايين الأمريكيين تحمس وتهليل مراسل شبكة إن بي سي NBC لدى المحكة العليا بيتي وليامز Pete William، في تحليله وتعليقه على قرار المحكمة العليا التي منحت الفوز لبوش الابن، لم يكونوا يعرفون شيئًا عن خلفية ذلك الصحفي لتحديد مدى حيادية تحليله، لذلك كانت الصورة ستصبح أكمل لو أن القناة ذكرت لمشاهديها المتابعين لتلك الأحداث أن وليامز كان قد انضم إلى فريق عمل ديك تشيني بالكونجرس كسكرتير إعلامي عام ١٩٨٦م ومساعد في الأمور التشريعية، وعندما عين تشيني مساعدًا لوزير الدفاع أثناء فترة حكم بوش الأب عام ۱۹۸۹م، تم تعيين وليامز سكرتيرًا مساعدًا للمسائل العمومية بوزارة الدفاع.

وتوظف شبكة فوكس نيوز FOX NEWS التي يمتلكها الإمبراطور الإعلامي ميردوخ، العديد من المعلقين والمحللين الذين لهم ارتباط مباشر باليمين المتشدد، ومن هؤلاء «بريت هوم» Brit Hum صاحب الآراء المحافظة ببرنامج «تقرير خاص والمحرر في الأسبوعية اليمينية المتشددة» «ويكلي ستاندارد Weekly Standard التابعة لنفس الشبكة، وتوني سناو Tony Snow مضيف بالفوكس نيوز صنداي وأحد أقطاب الجناح اليميني المتشدد، وقد عمل عام ۱۹۹۱ نائبًا مساعدًا للرئيس بوش ومديرًا لمكتب تحرير خطبه، وكذلك ديفيد اسمان David Asman المضيف بشبكة فوكس نيوز في البرنامج اليومي في العمق، والكاتب في صحيفة وول ستريت جورنال، وجون بنكرتون John Pinkerton الذي اشتغل لدى شبكة فوكس نيوز منذ انطلاقها، وعمل في البيت الأبيض بإدارتي ريجان وبوش، وفي حملات الحزب الجمهوري الماضية، وروجر أيلز Roger Ailes رئيس مجلس إدارة فوكس نيوز الذي عمل مستشارًا لكل من الرؤساء نيكسون وريجان وبوش الأب وكذلك تيد كوبل -Ted Kop pel الذي وصفه جيف كوهين Jeff Cohen في تقرير منظمة غير FAIR لمراقبة أداء الإعلام بأنه «كان طوال مهنته الصحفية ناطقًا رسميًا لوزارة الخارجية الأمريكية».

وتحظى تللك الصفوة المختارة من الصحفيين والمحللين وأصحاب الرأي برعاية خاصة ومرتبات خيالية مقابل ما تقوم به من مهام نيابة عن المخطط وواضع الاستراتيجيات القابع في الظلام، فمثلًا يحصل تيد كويل Ted Koppel صاحب برنامج «خط الليل» الترفيهي بـ ABC على 4 ملايين دولار في السنة وتتسلم ديان ساویرDiane Sawyer صاحبة برنامج «صباح الخير أمريكا» بنفس القناة ملايين دولار في السنة، أما لاري كينج صاحب برنامج العرض الترفيهي، بشبكة CNN فيحصل على 7 ملايين دولار في السنة، ويصل راتب المراسلة المشهورة كريتسي أمانبور إلى ٢ مليون دولار في السنة، ويتسلم المحرر التنفيذي جوزيف لايلاند بصحيفة نيويورك تايمز من ٤٠٠٠٠ إلى ٦۰۰۰۰۰۰ دولار في أما توم شالز الناقد التلفزيوني بصحيفة واشنطن بوست فيحصل على ۲۰۰,۰۰۰ دولار في السنة، وتعتبر هذه رواتب أساسية خارج المداخيل الأخرى التي تأتي من الحوارات والظهور الشخصي وغيرها، فحسب ما قاله هوارد کورتز Howard Kurtz في مقال بالواشنطن بوست بعنوان «التحدث من أجل الدولارات»، عام ١٩٩٥، ذكر فيه أن دونالسون من شبكة ABC يتقاضى ۳۰۰۰۰ دولار عن كل حوار، ويحصل وليام سافير علی ۲۰۰۰۰ دولار عن كل حوار السنة.

وفي مقابل هذه الإغراءات تقف طبقة دنيا ليس لها من ذلك الحظ في إعلام الترف، فعلى سبيل المثال يتسلم مساعد إنتاج بشبكة CBS ۲۲۰۰۰ دولار في السنة ويحصل مدير أخبار بقناة «KXGN بمونتانا» على ۲۲۰۰۰ دولار في السنة أما مراسل قناة KTEN بتكساس فيحصل على ۱۵۰۰۰ دولار في السنة، وتجلب هذه الإغراءات الضخمة الكثير من الصحفيين، للعمل في إطار الحدود التي يضعها سوق الإعلام المهيمن مضطرين من أجل فرص النجاح والتألق في عالم الإعلام.

وقد أدى هذا الترف الفاحش إلى تراجع أخلاقيات المهنة ومصداقية الخبر، حيث أصبح الكثير من التقارير المضللة يجد مكانه الترويجي في ذلك الإعلام بغض النظر عن مصداقية مصادره، كما حصل مع ادعاءات الصحفية «كلير ستيرلينج» حول تورط الكي جي بي البلغارية في محاولة اغتيال بابا الفاتيكان، وتقارير «إليوت أبارام» حول نيكاراجوا، وجيسون بلير وجوديث ميلر حول مصير أسلحة الدمار الشامل العراقية، لكن أصوات معارضة تتمتع بسمعة عالمية مثل نعوم شومسكي والكسندر کوکرن وجین هنتر وولد ليس لها حظ في ذلك الإسلام الذي تهيمن عليه شبكة مغلقة وصفها إدوارد إس هيرمان Edward S. Herman في كتابه «وراء النفاق» بأنها دائرة ذات ثراء وسيطرة مغلقة على غيرها، بينما لا يبقى للمعارضين أي مصادر للخبر المباشر، عندما تقف أمامهم تلك الحواجز في عالم حرية التعبير.

 إن مهمة هذه الوسائل الدعائية المهولة لم تعد إعلام الناس وتثقيفهم والمساهمة في تنمية المجتمعات، لقد تحولت إلى أدوات تجهيل وتمييع هستيرية، وقمع وعرقلة للديمقراطية، وأصبحت جهداً من جهود الحرب والإرهاب الدولي، هدفها الأول إشباع رغبة أربابها البوهيمية البشعة الذين يسعون لتحويل الشعوب التي فرضوا عليها إعلامهم إلى شعوب بهيمية مطيعة، كما عبر عن ذلك الفيلسوف والكاتب المعروف نعوم تشومسكي Naom Chomesky في كتابه «الدعاية والرأي العام» بقوله على لسان أرباب الإعلام:« لا تفكر في الأشياء لا تتعرف عن الأشياء... افعل ما يقال لك، واهتم بشيء آخر وضاعف استهلاكك».

لقد طرحت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق دون أي سند شرعي تساؤلات كثيرة حول دور وسائل الإعلام في ما يعرف بالعالم المتحضر، فلقد لعب الإعلام الأمريكي دورًا مسعرًا للحرب ومؤججًا للصراع عبر التأويلات والتحليلات وأنصاف الحقيقة والاستطلاعات التي تفتقر إلى المصداقية وفي سياق ذلك كان يعمل على إلغاء كل الآراء الناقدة بما فيها تصوير المظاهرات الصاخبة التي عكست رفض شعوب العالم لتلك الحرب التي تقودها فئة لا تمثل إلا نفسها وشركاتها.

وللتخفيف من الفضيحة الإنسانية التي تورط فيها النظام الأمريكي في العراق توج الإعلاميون والعسكر نهاية عملياتهم هناك بمسرحية هزلية تمثلت في فبركة مشهد إسقاط تمثال صدام بعد أن استوردت له كوكبة من العراقيين، وبعد استعصاء التمثال على السقوط بأيدي العراقيين الغاضبين تدخل البلدوزر الأمريكي لإنقاذ الموقف، وتم تحطيم تمثال من تماثيل النظم الدكتاتورية بعد أن جف عوده وكلح وجهه، وبعد أن باركت تنصيبه بالأمس، وحصل ذلك كله في مشهد هوليوودي كان الهدف منه إنقاذ إدارة بوش وحفظ ماء وجهها وتحقيق نصر مزيف لها، لم تنعم به لا في غزوهالأفغانستان ولا في العراق ولا في الصومال من قبل، وفي الأخير لتنقذها من وابل الأسئلة التي ستلاحقها حول الهدف من هذه الحروب والغاية من هذا العنف.

(*) كاتب وباحث في الشؤون الدولية - برمنجهام

الرابط المختصر :