; مصر: تقرير للكونجرس يطالب بـ: إغلاق مصنع الدبابات الأمريكية في مصر | مجلة المجتمع

العنوان مصر: تقرير للكونجرس يطالب بـ: إغلاق مصنع الدبابات الأمريكية في مصر

الكاتب محمد دلبح

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 90

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-أبريل-1994

قال تقرير أعده مكتب المحاسبة العام التابع للكونجرس الأمريكي: إنه كان يمكن توفير سنوات من العمل، وأكثر من مليار دولار لو أن الولايات المتحدة أنتجت دبابات لمصر في أمريكا بدلًا من تمويل مشروع لإنتاج تلك الدبابات في مصر.

وأضاف التقرير الذي صدر مؤخرًا أن «المصنع الضخم قرب القاهرة كان يستخدم بشكل غير سليم، وأن نفقاته كانت ضخمة جدًّا» حيث إن المصنع الذي كان بدأ العمل به عام 1984م، ولم يبدأ الإنتاج سوى عام 1991م قد أنتج فقط 75 دبابة من طراز M1A1 لصالح الجيش المصري من أصل 524 دبابة كان طلبها.

وينظر في مصر إلى المشروع العسكري الذي يطلق عليه اسم «مصنع 200» على أنه أحد الأمثلة الساطعة على فشل الأولويات الاقتصادية وتحويل المشاريع إلى مجرد إرضاء لشراهة القوات المسلحة المصرية على حساب مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويقع المشروع المخصص لتجميع قطع الدبابة الأمريكية من طراز M1A1 في منطقة صحراوية شمالي القاهرة، ويحظر الاقتراب منه دون تصريح، ويشكل المجمع الصناعي العسكري هذا أكبر محطة إنتاج عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ويحظى بدعم مالي أمريكي يصل إلى 2.5 مليار دولار علاوة على دعم من الحكومة المصرية يصل إلى 450 مليون دولار.

ويقول تقرير الكونجرس: إن وزارة الخارجية الأمريكية وافقت بشكل رئيسي ولأسباب سياسية على السماح بإنتاج الدبابات الأمريكية في مصر التي تعتبر «حليفًا مهمًّا» للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويضيف التقرير أن مسؤولين أمريكيين «كانوا مقتنعين بأن مصر لن تقبل دبابات ذات صناعة أمريكية بالكامل كتعويض، لذلك فإنهم لم يعتبروا أبدًا أن ذلك خيار جدي».

ويقوم المصنع الذي بدأ تمويله عام 1984م بعقد مع شركة جنرال ديناميكس بقيمة 150 مليون دولار لتصميم وتزويد الأسس الأخرى لمصنع الدبابات لتجميع قطع الدبابات الأمريكية من طراز أبرامز M1A1 وفق اتفاقية مشتركة مع جنرال ديناميكس المنتج الأصلي لهذا الطراز من الدبابات.

ويقول مهندس عسكري أمريكي ساهم في إقامة ذلك المشروع بأنه: «تولد عند المصريين قناعة مفادها أن نجاح المشروع سيؤدي إلى وضع مصر في مصاف المصدرين للدبابات الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالرغم من الرفض الأمريكي القديم السماح لمصر بتصدير هذا النوع من الدبابات فإن المصريين استمروا في قناعتهم تلك».

وكان المسؤولون الأمريكيون أعربوا مرارًا عن شكوكهم في الجدوى الاقتصادية لذلك المشروع، لكنهم وافقوا على مضض، لا سيما وأن الحكومة المصرية وافقت كنوع من التعويض على إنهاء دورها في برنامج لتطوير وإنتاج الأسلحة الصاروخية مع كل من العراق والأرجنتين.

ولدى تدشين «مصنع 200» عام 1991م تم إنتاج 75 دبابة من مجموع 524 كان طلبها الجيش المصري، كما لا يوجد لدى المصنع أي عقد لإنتاج وتصدير ما كان تطمح إليه وزارة الدفاع المصرية وهو ألف دبابة، وفي الوقت نفسه فإن تكاليف إنتاج الدبابة الواحدة في مصر يصل إلى نحو ضعف تكاليف إنتاجها في المصانع الأمريكية والتي تصل إلى نحو مليوني دولار.

وحسب تقرير مكتب المحاسبة العام فإن تكلفة إقامة المصنع الأمريكي وشحن الأجزاء الداخلية لـ 524 دبابة تصل إلى 1.88 مليار دولار «مليار وثمانمائة وثمانين مليون دولار» بينما تزيد التكاليف الإجمالية للإنتاج في مصنع القاهرة الذي يبلغ حجمه «حجم ستة ملاعب كرة قدم أمريكية» بنسبة 5.68 بالمئة أو ما يعادل 3.15 مليار دولار «ثلاثة مليارات و150 مليون دولار».

ومن الجدير بالذكر أن المصانع الأمريكية أوقفت إنتاج هذا الطراز من الدبابات في الوقت الراهن مما يعني ارتفاعًا في أسعار قطع الغيار الضرورية لمصنع 200، ويعلق أحد المصرفيين المصريين الذين تعاقدوا مع الحكومة المصرية لدراسة المشروع والخروج باقتراحات عملية للحل بأنه تسود أوساط المسؤولين المصريين قناعة بأن المشروع أصبح باهظ التكاليف، وقليل المردود واصفًا إياه بمشروع «الفيل الأبيض»، أما خارج الأوساط الحكومية والعسكرية المصرية فإن موجة الانتقادات أعنف من مثيلاتها، ويقول أحد رجال الأعمال المصريين: «نحن بحاجة ماسة إلى القطارات وليس الدبابات».

ويقدر تقرير الكونجرس الأمريكي برنامج إنتاج دبابات أبرامز M1A1 «إم 1 أي 1» في مصر بأنه يمكن أن يزود سوق العمل المصري بـ 2195 ساعة عمل، الأمر الذي يدفع أوساط الكونجرس الأمريكي إلى وصفه بأنه «برنامج وظائف أمريكي لمصر».

ويشكل «مصنع 200» أحد الأمثلة على استشراء الفساد وسوء الإدارة التي تعاني منها الحكومة المصرية، والتي ساهمت في دفع الأوضاع في مصر إلى شفير الهاوية، وتشير إحصائيات أصدرها معهد الدراسات الاستراتيجية الدولي في لندن بأن مصر تنفق نحو 3.5 مليار دولار سنويًّا على الشؤون العسكرية؛ أي ما يعادل 11 بالمئة من مجمل الناتج القومي العام، إذا ما تم احتساب المساعدات الأمريكية، وهو معدل مذهل لدولة نامية يصل معدل الدخل الفردي السنوي إلى نحو 550 دولارًا، فيما تعتبر دولة مثل باكستان والتي تعد فقيرة مثل مصر، ولكنها تواجه خطرًا عسكريًّا على حدودها فإنها تنفق نحو 7 بالمئة من مجمل إنتاجها القومي العام على الشؤون العسكرية.

وتجري مصر محادثات مستمرة مع الولايات المتحدة بشأن توفير أنواع مختلفة من المعدات العسكرية الفائضة عن احتياجات القوات الأمريكية وتعويض النقص المنتظر في المساعدات الأمريكية لمصر، وهو ما برز على السطح إثر مراجعة الاتفاقات العسكرية المشتركة بين البلدين، وتسعى مصر إلى استبدال المعدات سوفيتية الصنع القديمة التي بحوزة القوات المصرية منذ عقود ماضية، والتي لا تزال تشكل أكثر من نصف المعدات العسكرية التي تملكها القوات المصرية، وقد استكملت المراجعة للاتفاقات العسكرية المشتركة بين مصر والولايات المتحدة التي تناولت سبعة خيارات متنوعة تبلغ كلفتها بين 10- 17 مليار دولار.

ومن الجدير بالذكر أن مصر وإسرائيل تتصدران قائمة الدول التي تتلقى مساعدات أمريكية، حيث تصل حصة إسرائيل 3 مليارات دولار سنويًّا، بينما تصل حصة مصر للعام الحالي 2.115 مليار دولار «مليارين و115 مليون دولار» من المساعدات العسكرية والاقتصادية.

ومنذ توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979م قدمت الولايات المتحدة إلى مصر نحو ثلاثين مليار دولار كمساعدات عسكرية واقتصادية، فيما بلغ نصيب إسرائيل لذات الفترة نحو أربعين مليار دولار، حيث كانت واشنطن تراهن على أن تشكل تلك المساعدات الأمريكية المخصصة لمصر وسيلة لتحديث القوات المصرية، كما أنها ساهمت في تمهيد الطريق للدور المصري في خدمة أهداف سياسة الولايات المتحدة في مناطق مثل: الصومال والعراق وإيران، غير أن برنامج المساعدات لم يسفر عن استقرار الأوضاع في مصر؛ حيث ازدادت حوادث العنف وإلقاء القنابل في مصر، ويتزايد الجدل في واشنطن والقاهرة حول أحقية وأولويات الولايات المتحدة من وراء تخصيص الدعم السنوي لمصر، وقد تعهدت الولايات المتحدة مؤخرًا باستمرار تلك المساعدة على نفس المستوى حتى عام 1995م، ويوفر تنفيذ الخيارات العسكرية المصرية المطروحة نسبة أعلى من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر حتى عام 1995م التي تبلغ 6.5 مليار دولار.

ويقارن تقرير مكتب المحاسبة العام مشروع إنتاج الدبابات المصري مع المشروع الإسرائيلي لإنتاج طائرة «لافي» المقاتلة الذي أطلق عليه منتقدوه اسم «برنامج وظائف أمريكي لإسرائيل»، وكانت الولايات المتحدة أسهمت فيه بما قيمته 1.3 مليار دولار قبل وقفه.

 

الرابط المختصر :