رأي «المجتمع»..

«جيل زد».. حين يلتقي الوعي بالفعل

«جيل زد».. حين يلتقي الوعي بالفعل

كثيراً ما يُنظر إلى «جيل زد» بوصفه جيل الشاشات السريعة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والاهتمامات المتغيرة، حتى غلبت بعض الصور النمطية على الحديث عنه، فصُوِّر أحياناً بأنه أقل ارتباطاً بقضايا أمته ومجتمعه، وأكثر انشغالاً بعالمه الرقمي الخاص، غير أن الوقائع المتتابعة خلال السنوات الأخيرة كشفت جانباً آخر أكثر عمقاً وإشراقاً، يتمثل في قدرة هذا الجيل على التفاعل الإيجابي المدهش مع القضايا العادلة متى ما وصلت إليه بوضوح، وفهم أبعادها الإنسانية والأخلاقية والحضارية.

لقد أثبت شباب هذا الجيل أنهم ليسوا بعيدين عن هموم أمتهم كما يُشاع، وأنهم يمتلكون حساً عالياً بالعدالة، وسرعة في التقاط القضايا الإنسانية، واستعداداً للمشاركة والتأثير متى ما وجدوا خطاباً صادقاً ولغة يفهمونها، وقد رأينا كيف تحولت المنصات الرقمية التي وُصفت يوماً بأنها أدوات للترفيه فقط إلى ساحات للتوعية، ونشر الحقائق، وكسر الاحتكار الإعلامي، وحشد الدعم المعنوي والإنساني للقضايا العادلة.

ومن أبرز ما يميز «جيل زد» قدرته اللافتة على التنظيم والإبداع، فهو لا يكتفي بالتعاطف أو التعبير العاطفي، لكنه يسعى إلى تحويل اهتمامه إلى مبادرات عملية وحملات مؤثرة ومحتوى هادف يصل إلى ملايين المتابعين حول العالم، كما يمتلك مهارات رقمية متقدمة مكّنته من توظيف التكنولوجيا لخدمة الأفكار والمبادئ، وإيصال الرسائل بلغة عصرية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

إن هذا الواقع يدعونا إلى مراجعة الكثير من الأحكام المسبقة التي أُطلقت على الشباب، فالمشكلة ليست في ضعف اهتمامهم بالقضايا الكبرى، بقدر ما هي أحياناً في طريقة تقديم تلك القضايا لهم، وحين يجدون من يحاورهم بعقول منفتحة، ويشرح لهم الحقائق بلغة واضحة، ويمنحهم مساحة للمشاركة والإبداع، فإنهم يثبتون أنهم شركاء فاعلون في حمل الرسالة وخدمة المجتمع والدفاع عن القيم.

ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات التربوية والدعوية والإعلامية تتجاوز مجرد مخاطبة الشباب إلى تمكينهم، والاستفادة من طاقاتهم، وإشراكهم في صناعة المبادرات والبرامج والمشروعات التي تخدم الأمة، فجيل اليوم ليس مجرد مستقبل ينتظر دوره، بل هو حاضر يصنع أثره بالفعل.

إن «جيل زد» يقدم لنا رسالة مهمة مفادها أن الوعي حين يقترن بالإيمان بالقضية، وأن الحماسة حين تُوجَّه توجيهاً صحيحاً، يمكن أن تصنع نماذج ملهمة من العطاء والبذل والإبداع، وما أحوج أمتنا إلى احتضان هذه الطاقات الواعدة، والثقة بها، وتوجيهها؛ لتكون لبنة راسخة في نهضة الأمة وتجديد رسالتها في عالم سريع التحول والتغير.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة