أشراط الساعة (2)
وقت قيام الساعة
أولا: الساعة آتية لا ريب فيها
الإيمان بيوم القيامة أصل من الأصول، لا يتم الإيمان إلا به: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧] ، (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٦٢] .
وقد ساق القرآن ضروباً متنوعة من الأساليب البيانية الراقية كي يؤكد وقوعها في نفوس العباد: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) [الرعد: ٢] . ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبراً مجرداً (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الروم: ١١] (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) [النور: ٦٤] .
ومرة يؤكد وقوعها (بأن) كقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ) [طه: ١٥] ، ومرة (بإن) واللام (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: ٨٥] . (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: ٥] . وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [غافر: ٥٩] .
وفي بعض الآيات يقسم الحق على أنها آتية واقعة، مرة بنفسه، ومرة بمخلوقاته العظيمة، فمن إقسامه بنفسه (اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [النساء: ٨٧] ، ومن إقسامه بالعظيم من مخلوقاته قوله: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا - فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا - فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا - فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا - إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ - وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) [الذاريات: ١-٦] ، وقوله: (وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ - فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ - وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ - وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ - وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ - إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ - مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) [الطور: ١-٨] .
وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال
الحِجَاج والخصام بالإقسام بربه مؤكداً وقوعها (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [يونس: ٥٣] ،
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي
لَتَأْتِيَنَّكُمْ) [سبأ: ٣] وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [لقمان: ٣٣]
ومن تتبع طريقة القرآن في تأكيد
الإخبار بها تحصل عنده أنواع كثيرة، وقد ذكرنا طائفة منها
قد يجتمع في الآية أكثر من مؤكد، وإذا
تأملت النصوص التي سقناها ظهر لك هذا وتبين.
الساعة قريبة
أعلن رب العزة لعباده في كتابه المنزل منذ أربعة عشر قرناً أن الساعة قد اقتربت، وآن أوان وقوعها (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: ١] ، وانشقاق القمر إحدى الأمارات الدالة على قرب وقوعها، ولما كانت الساعة قد اقتربت قرباً عظيماً فإن القرآن يصور أنها أتت وحضرت (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١] .
ولو كان البشر يوقنون بما أنزل الله بقلب مبصر، وعقل حاضر مدرك لَهَاَلهُم الأمر، وملك عليهم نفوسهم، ولذلك كان حالهم عجباً، الخطر قريب قريب، ومع ذلك فإنهم غافلون عن الهول الذي يكاد يطبق عليهم، ويحيط بهم (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ - مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء: ١-٣] ، ولذا فإنه قد كثر في القرآن تحذير العباد من الساعة، والأمر بالاستعداد لها، وعبر عنها بالغد، وهو اليوم التالي لليوم الذي تعيش فيه (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: ١٨] .
قد يقال: كيف يكون قريباً ما مضى على
الإخبار بقرب وقوعه ألف وأربعمائة عام؟ والجواب أنه قريب في علم الله وتقديره، وإن
كانت المقاييس البشرية تراه بعيداً (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ
قَرِيبًا) [المعارج: ٦-٧] .
والأمر الذي ينبغي أن ينتبه إليه أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى منها، فإنك إذا وضعت لمن لك عليه دين أجلاً طويلاً، كأن توجله خمسين عاماً مثلاً، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون، فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب.
والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بيناها هنا، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس " وفي لفظ: " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ".
إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر، فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة.
وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما "، ورواه مسلم عن سهل بلفظ: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول: " بعثت أنا والساعة هكذا " (١) . والمعنى أننا لو قدرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى، فإن ما بقي منه عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً، لأن إدراكهم محدود، ونظرتهم قاصرة، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١] ، (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل: ٧٧] .
وروى الإمام أحمد عن عتبة بن غزوان
قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
" أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة
كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا
منها بخير ما يحضرنكم ... " انفرد به مسلم (١) .
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً