أشراط الساعة (3)

الحكمة من إخفاء وقت وقوع الساعة

الحكمة من إخفاء وقت وقوع الساعة

قد يتساءل البشر قائلين: ما الحكمة من وراء إخفاء الوقت الذي تحل فيه الساعة، وتقوم فيه القيامة؟ والجواب أن إخفاءها له تعلق بصلاح النفس الإنسانية، فوقوعها غيب، والأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه، ولكنه لا يدري متى يفجؤه، ويحل فيه بساحه - يجعل المرء مترقباً له باستمرار.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: "والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بدَّ من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفاً لهم، وهم بهذه الفطرة -لوقف نشاطهم- وأسنت حياتهم، فوراء المجهول يجرون، فيحذرون، ويأملون، ويجربون، ويتعلمون. ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم، وعلى استعداد دائم، ذلك لمن صحت فطرته واستقام، فأما من فسدت فطرته واتبع هواه ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى(1).

لا يجوز الاشتغال في تحديد وقتها

تساءل الناس عن وقت الساعة كثيراً، ووجهوا أسئلتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء الجواب من منزل الكتاب، إن الساعة غيب، ومعرفة الزمن الذي تقع فيه من خصائص علم الله، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) (الأحزاب: 63)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا {42} فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا {43} إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا {44} إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) (النازعات).

إن هذا العلم لم يطلع الله عليه ملكاً مقربا ً، ولا نبياً مرسلاً، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل حينما سأله عن الساعة «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».

فالبحث في هذا الأمر، والزعم أن الساعة ستقع في عام بعينه تَقَوُّل على الله بغير علم، والخائضون في ذلك مخالفون للمنهج القرآني النبوي الذي وجه الناس إلى ترك البحث في هذا الموضوع، ودعاهم إلى الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح.

والذين يبحثون في هذا المجال يظنون أنه يمكنهم أن يعلموا ما لم يعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، وكفى بذلك واعظاً ورادعاً لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ونحن نقول لهم: ينبغي أن يسعكم ما وسع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة هذه الأمة على مدار التاريخ.

ولو كان في معرفة الوقت صلاح وخير للبشر، لأخبر الله به البشر، ولكنه حجب ذلك عنهم، وفي ذلك صلاحهم.

وينبغي للاحقين أن يتعظوا بحال السابقين، فبعض السابقين خاض في هذا الأمر، وحدد للساعة أو بعض أشراطها القريبة من وقوعها أجلاً، وجاء الأجل الذي ضربه، ولم يحدث شيء من ذلك، لا الساعة ولا أشراطها المحددة، فمن هؤلاء الطبري رحمه الله وغفر له، فإنه استظهر من بعض النصوص أن فناء الدنيا يكون بعد خمسمائة عام من البعثة المحمدية(2).

وها هو قد مرّ أكثر من تسعمائة عام على الأجل الذي ضربه، ولم يصدق ظنه.

ومن هؤلاء العلامة السيوطي عفا الله عنه، فإنه استظهر في جزء سماه "الكشف" أن الساعة ستقوم على رأس المائة الخامسة بعد الألف من البعثة النبوية(3)، وعلى ذلك فإنه بقي على قيام الساعة بضع عشرات من السنين، مع أن كثيراً من الآيات الصغرى لم يقع بعد، أما الكبرى فلم يقع منها شيء.

وجمع السهيلي الحروف المقطعة في أوائل السور، وحذف المكرر منها، وأخذ عددها بحسب الجمل، وحدد بناء على ذلك أجلاً لا يبلغ بضع مئات من السنين(4).

وقد تَقَوَّل كثير من الناس في هذا وخبطوا خبطاً لا دليل عليه، وإنما هي ظنون وتخرصات، وأخر ما اطلعت عليه في ذلك ما كتبه دكتور بهائي مدعياً أن الساعة ستقع في عام 1710م، وقد زعم أنه استقى ذلك من الأرقام العددية للحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن، ونحن نقول: إن هذا النهج قد ثبت خطؤه، وقد اعتمد بعض من سبق على هذا النهج، وحددوا أجلاً غير أجله، فوافقوه في النهج، وخالفوه في تحديد الأجل، وثبت كذب ما ذهبوا إليه.

وقد تعرض الشيخ العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأجزل له المثوبة للذين بحثوا في هذا الأمر وخاضوا فيه، وحددوا في ذلك أجلاً، فقال: "ومن تكلم في وقتها المعين مثل الذي صنف كتاباً" سماه "" الدر المنظم في معرفة الأعظم "وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من حروف المعجم، والذي تكلم في «عنقاء مُغْرب»(5)، وأمثال هؤلاء، فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند اتباعهم، فغالبهم كاذبون مفترون(6)، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم، وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (الأعراف: 33)(7)، ولا شك أن دعوى معرفة وقتها المحدد قول بلا علم.

الهوامش
  • 1 اليوم الآخر في ظلال القرآن، جمع وإعداد أحمد فائز، ص 98.
  • 2 المقدمة لابن خلدون، ص 590
  • 3 لوامع الأنوار البهية (2/ 66).
  • 4 المقدمة لابن خلدون، ص 591.
  • 5 هو ابن عربي القائل بوحدة الوجود.
  • 6 قال الشيخ: «غالبهم» لأن بعض الذي بحثوا في ذلك أخطؤوا، ولم يقصدوا التضليل، أمثال الطبري والسيوطي رحمهما الله.
  • 7 مجموع فتاوى شيخ الإسلام (4/ 342).
  • 8 المصدر: عمر سليمان الأشقر، كتاب القيامة الصغرى وعلامات القيامة الكبري، دار النفائس – الأردن، مكتبة الفلاح –الكويت، 1991،
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة