نصيحة من والد الأمير إلى مؤدبه
قال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك ولدي إصلاحك لنفسك، فإن عينيه معقودتان بعينيك؛ فالحسن عنده ما استحسنت والقبح عنده ما استقبحت. علِمه كتاب الله ولا تُكرِهه عليه فيملّه ولا تتركه عنه فيهجره - ثم زوّده من الشعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفه. ولا تُخرِجه من علم إلى غيره حتى يُحكِمه؛ فإن ازدحام الكلام بالسمع فضله للفهم. وعلّمه سِير الحكماء وأخلاق الأنبياء.
بيان وفوائد:
تبدأ الوصية بوضع حجر الأساس لأي عملية تعليمية ناجحة: "التربية بالقدوة". حين يقول عتبة: «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك ولدي إصلاحك لنفسك». فهو يلغي المسافة بين التنظير والتطبيق. الطفل كائن يراقب بذكاء، وعيناه معقودتان بسلوك معلّمه؛ لذا فإن اتساق أفعال المربي مع أقواله هو ما يمنح القيم مصداقيتها، فالتعليم بالمحاكاة أعمق أثراً من التلقين الجاف.
ويضع عتبة قاعدة ذهبية تحذر من طرفي نقيض: الإكراه المسبب للملل، والإهمال المؤدي للجفاء. هذه الموازنة تراعي النشاط النفسي للطفل، وتضمن تدفق المعرفة إلى عقله بشغف وحب، لا بالقهر والضغط الذي يورث النفور.
واهتم كذلك بالتنوع المعرفي التأسيسي للمتعلم في مرحلة الطفولة وذلك بتعليمه نخبة من نصوص الأدب والحديث، ويختم هذه الوصية بـتغذية روحية وفكرية عبر ربط الناشئ بسير الحكماء وأخلاق الأنبياء. وهي غاية التعليم الكبرى: ألا يتحول الطفل إلى وعاء لحفظ المعلومات، بل إلى إنسان يستلهم الحكمة في مواقفه، ويتمثل الأخلاق العالية في سلوكه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً