النصيحة بالتلميح ... حكاية الشقراني والشراب

سعد الحسن

24 يونيو 2026

84

النصيحة بالتلميح ... حكاية الشقراني والشراب

حكى رجل يُدعى الشّقْرَانِيِّ – وَهُوَ مِنْ أَحْفَادِ شَقْرَانَ مَوْلَى الرسول– قَالَ: خَرَجَ الْعَطَاءُ أَيَّامَ أَبِي جَعْفَرٍ (الْمَنْصُورِ) وَمَا لِي شَفِيعٌ، فَبَقِيتُ عَلَى الْبَابِ مُتَحَيِّراً، فَإِذَا أَنَا بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَنَا مَوْلَاكَ الشّقْرَانِيُّ، فَرَحَّبَ بِي وَذَكَرْتُ لَهُ حَاجَتِي، فَنَزَلَ وَدَخَلَ دَارَ أَبِي جَعْفَرٍ وَخَرَجَ وَعَطَائِي فِي كُمِّهِ، فَصَبَّهُ فِي كُمِّي، ثُمَّ قَالَ: يَا شقْرَانِيُّ، إِنَّ الْحَسَنَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَسَنٌ، وَإِنَّهُ مِنْكَ أَحْسَنُ لِمَكَانِكَ مِنَّا، وَإِنَّ الْقَبِيحَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قَبِيحٌ وَهُوَ مِنْكَ أَقْبَحُ لِمَكَانِكَ مِنَّا (عَرَّضَ لَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصِيبُ مِنَ الشَّرَابِ)، فَأَكْرَمَ فِي تَعْرِيضِهِ بَعْدَ إِحْسَانِهِ فِي الشَّفَاعَةِ وَتَنَجُّزِ حَاجَتِهِ.

بيان وفوائد:

تقديم الإحسان والمساعدة قبل النصح والإرشاد: فقضاء حوائج الناس يفتح قلوبهم للاستماع والنصيحة. جعفر بن محمد (الصادق) لم يبدأ بوعظ الشقراني أو توبيخه على شرب الخمر وهو واقف على الباب مكسور الخاطر، بل بادر أولاً إلى حل مشكلته، ودخل دار الخلافة، وأحضر له عطاءه (ماله). لذلك فإن نصيحة الجائع أو المحتاج وهو في حال كرب قد لا تُثمر؛ املأ يده أولاً وسدّ حاجته، لتملك قلبه ويتقبل منك.

أدب "التعريض" في النصيحة وعدم الفضيحة: لم يقل الإمام للشقراني علناً: "أنت تشرب الخمر وهذا معيب"، بل استخدم أسلوب **التعريض الكنائي** (القول العام الذي يُفهم منه الخاص). فالنصيحة في العلن فضيحة، والتعريض يترك للمخطئ خط العودة دون أن تُجرح كرامته أو يُكسر كبرياؤه.

مسؤولية المنتسبين لأهل الفضل والصلاح: ركّزت المقولة الخالدة: *(إنَّ الْحَسَنَ مِنْكَ أَحْسَنُ... وَالْقَبِيحَ مِنْكَ أَقْبَحُ لِمَكَانِكَ مِنَّا) على مفهوم "المسؤولية الاعتبارية". الشقراني ينتسب بالطاعة والولاء لبيت النبوة، والخطأ من المنتسب لبيوت العلم أو الفضل أو الدين يُحسب على المنظومة كلها ويسيء إليها. لذلك فمن كان في موضع قدوة، أو يُمثّل جهة محترمة، فعليه أن يكون أكثر حذراً في سلوكه؛ لأن زلّته مضاعفة الأثر.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة