الفقه الإسلامي في خدمة البيئة.. نحو اقتصاد أخضر في الخليج
في ظل التحديات البيئية العالمية مثل
التلوث، والتغير المناخي، واستنزاف الموارد الطبيعية، تبرز الحاجة إلى بحث
المسؤولية الفقهية عن الأضرار البيئية من منظور الشريعة الإسلامية، وربطها
بالجوانب الاقتصادية، فالإسلام لم يغفل عن تنظيم العلاقة بين الإنسان والبيئة، بل
وضع ضوابط شرعية تحفظ التوازن البيئي وتضمن الاستدامة.
وعليه، سيتم عرض الأحكام الفقهية
المتعلقة بحماية البيئة، وتحليل البعد الاقتصادي للمسؤولية البيئية في الإسلام، مع
الاستدلال بالنصوص الشرعية والتطبيقات المعاصرة، في المحاور التالية:
الأول: الأسس الشرعية
للمسؤولية البيئية في الإسلام:
تنطلق المسؤولية البيئية في الشريعة
الإسلامية من أصول شرعية راسخة، تُعلي من قيمة الحفاظ على الأرض ومكوناتها، وتربط
بين السلوك البشري ومآلاته البيئية، فقد جاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية
مؤكدة تحريم الإفساد في الأرض، ومقررة لمبدأ الاستخلاف الذي يحمّل الإنسان مسؤولية
العناية بالبيئة ضمن إطار من التوازن والعدل.
ويتأسس الالتزام البيئي في الفقه
الإسلامي على نصوص قطعية من القرآن الكريم والسُّنة النبوية، تُبرز وجوب المحافظة
على الأرض والنهي عن الإفساد فيها، ومنها:
- قال الله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف: 56)؛ وهو نص قطعي في النهي عن كل ما يؤدي
إلى إفساد النظام البيئي.
- وقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ
فِيهَا) (هود: 61)؛ يدل على أن عمارة الأرض واجب، والإضرار بها ينافي هذا
المقصد.
- وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا
ضرر ولا ضرار» (السيوطي، الجامع الصغير: 9880)، وهو أصل عام في منع الأذى البيئي
وغيره.
قواعد فقهية مؤسِّسَة
للمسؤولية البيئية
- قاعدة «الضرر يزال»: تُعد من القواعد
الفقهية الكبرى التي اتفق عليها الفقهاء، وتدل على أن إزالة الضرر واجب شرعي،
ويندرج تحتها عدد كبير من الأحكام المتعلقة بدفع الأذى والفساد، سواء أكان الضرر
ماديًا أو معنويًا، فرديًا كان أو جماعيًا.
- قاعدة الضمان: «من أتلف مال غيره فهو
ضامن»؛ وتشمل الأضرار البيئية التي تصيب الأفراد أو المجتمع، وقد قرر الحنفية
مثلاً أن «الإتلاف المعنوي» يدخل في الضمان إذا ثبت الضرر، حيث إن من أتلف مال
غيره بأي وجه كان، فهو ضامن، سواء كان الإتلاف مباشرًا أو بتسبب، عمدًا أو خطأً،
إذ إن الضمان لا يتوقف على القصد، بل على تحقق الضرر نفسه.
- مبدأ التعزير المالي: أقره المالكية
والحنابلة، وذكره ابن القيم في «الطرق الحكمية» كوسيلة للردع في الجرائم غير
المقدَّرة، وهو أصل معاصر لفكرة الغرامات البيئية.
- قاعدة «الغرم بالغنم»: الغُرم هو ما يتحمله الإنسان من التكاليف أو الالتزامات في مقابل الغُنْم، وهو ما يحصل عليه من منافع أو مكاسب ترتبط بذلك الشيء؛ بمعني أن من يستفيد من نشاط أو مورد اقتصادي، عليه أن يتحمل تبعاته البيئية أو غيرها عند حدوث الضرر، وقد طبقها الفقهاء في مسائل متعلقة بالجوار؛ كالأضرار الناجمة عن الصناعات والروائح والأدخنة؛ ما يوجب على صاحب المنفعة تحمل التبعات البيئية لنشاطه؛ وعليه، فإن هذه القاعدة تُعد أساسًا فقهيًا لتحميل الملوث تكلفة الضرر، حيث تنص على أن التكاليف والخسائر المرتبطة بالنشاط تقع على المستفيد منه، لا على الجهة المتضررة.
الثاني: الأبعاد الاقتصادية للمسؤولية البيئية:
لا تقتصر حماية البيئة في الإسلام على
الجانب الأخلاقي أو الفقهي، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية تنعكس على السياسات
العامة والأنشطة الفردية.
التكاليف الاقتصادية
للتلوث
- الخسائر المباشرة: تدهور الأراضي، نفوق
الكائنات البحرية، تكاليف علاج الأمراض الناتجة عن التلوث.
- الخسائر غير المباشرة: تشمل انخفاض
الإنتاجية الزراعية والصناعية، والتكاليف الاقتصادية المرتبطة بتغير المناخ، مثل
الفيضانات والجفاف، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التدهور البيئي يكلف دول
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خسائر اقتصادية معتبرة سنويًا، وتتزايد هذه الخسائر في
الحالات الشديدة من التلوث البيئي والتغير المناخي.
الاقتصاد الإسلامي والبيئة
- الزكاة والاستثمار الأخضر: وفقًا لقرار
مجمع الفقه الإسلامي الدولي، يُجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع
استثمارية، شريطة ضمان رأس المال وتلبية الحاجات الفورية للمستحقين، وتحت إشراف
جهة شرعية مسؤولة، وتُعد المشاريع البيئية المستدامة إذا تحققت فيها الشروط من
المصالح العامة التي يجوز دعمها من أموال الزكاة.
- الغرامات المالية (الديات البيئية):
استنادًا إلى مبدأ التعزير المالي، يمكن إلزام الشركات الملوثة بدفع تعويضات، كما
تفعل بعض الدول الإسلامية (مثل ماليزيا التي تفرض ضرائب كربونية وفق رؤية إسلامية
للتنمية).
- الوقف البيئي: كما في المملكة العربية
السعودية؛ حيث أُطلق «وقف البيئة» لحماية التنوع البيولوجي، وكان من الأوقاف
التقليدية أيضًا وقف الغابات، والمراعي، والمياه.
الموازنة بين التنمية
وحماية البيئة
- الاستدامة في الموارد: إن دعوة الإسلام
إلى التوازن في الاستهلاك وعدم الإسراف أساس مهم في تحقيق الاستدامة البيئية، كما
في قوله تعالى: (يَٰبَنِيٓ
ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا
تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ) (الأعراف: 31)،
فهو أصل في الاستدامة.
- تشجيع الاقتصاد الدائري: من خلال إعادة
التدوير وتقليل الهدر، استناداً إلى مبدأ «عدم التبذير» الذي أقره القرآن، ويعكسه
التوجه الفقهي نحو ترشيد الاستهلاك، مثل إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة في
الزراعة.
الثالث: تطبيقات معاصرة
للمسؤولية الفقهية البيئية:
مع تطور التحديات البيئية المعاصرة، بات
من الضروري تفعيل المفاهيم الفقهية البيئية في الواقع العملي، سواء على مستوى
السياسات العامة أو الممارسات الفردية، ويمكن ترجمة هذه المسؤولية إلى إجراءات
قانونية، ومبادرات اقتصادية، ومعايير إنتاج واستهلاك، تلتزم بالقيم الإسلامية
وتسهم في الحد من الضرر البيئي.
على مستوى السياسات
الحكومية
- فرض ضرائب بيئية على المصانع الملوثة؛
تماشيًا مع قاعدة «الغرم بالغنم».
- دعم مشاريع الطاقة النظيفة كالطاقة
الشمسية وطاقة الرياح.
- في الكويت، أقرت الهيئة العامة للبيئة
سياسات رقابية على الشركات الصناعية، وتدعم مبادرات إعادة التدوير، كما أن هناك
مشاريع تعاون مع الأوقاف لتوجيه جزء من العوائد نحو حماية البيئة.
على مستوى الأفراد
والشركات
- المسؤولية الاجتماعية للشركات: بتبني
معايير الحلال الأخضر (Green Halal) في الإنتاج والتوزيع.
- ترشيد الاستهلاك: عبر تقليل النفايات
وهدر الغذاء، اقتداءً بالحديث النبوي: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسبِ
ابنِ آدمَ أكلاتٍ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كان لا محالةَ؛ فثلُث لطعامِه، وثُلُثٌ
لشرابِه وثُلُثٌ لنفَسِه» (سنن الترمذي: 2380).
إننا اليوم بأمسّ الحاجة إلى تشريعات
بيئية إسلامية معاصرة، تجمع بين النصوص الشرعية، والرؤية الاقتصادية، والتطبيق
العملي، لتأصيل دور الإسلام في مواجهة تحديات البيئة العالمية، ودفع المجتمعات
الإسلامية نحو اقتصاد أخضر مستدام.
إن الإسلام قد سبق النظم الحديثة في
إرساء مبادئ المسؤولية البيئية، من خلال منظومة متكاملة من النصوص الشرعية
والقواعد الفقهية التي تحظر الإفساد، وتُلزم بإزالة الضرر، وتربط بين التنمية
والعدل البيئي، كما أن البعد الاقتصادي في الشريعة لا يغفل عن انعكاسات السلوك
البيئي، بل يؤسس لسياسات مالية، كالغرامات والتعويضات والوقف البيئي، تضمن استدامة
الموارد وعدالة توزيعها.
وفي ضوء التحديات البيئية المعاصرة، فإن
الحاجة ملحة لتفعيل هذه الأصول في صيغ تشريعية ومؤسسية، وتوسيع نطاق الفتاوى
المعاصرة لتشمل مستجدات البيئة، إلى جانب توجيه الاستثمار الإسلامي نحو الاقتصاد
الأخضر، وتعزيز الشراكة بين الهيئات الفقهية والجهات البيئية لوضع سياسات متوازنة
تراعي البُعد الشرعي والتنموي في آنٍ معًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً