مصيدة التواصل والفخ الرقمي!
لم تعد وسائل
التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل الأخبار أو التعبير عن الرأي، بل تحولت إلى
بيئة نفسية معقدة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبنفسه وبالآخرين في آن واحد.
داخل هذا الفضاء
المتسارع، تتكاثر القصص الإنسانية المشحونة بالعاطفة؛ حكايات عن ظلم، ومعاناة،
وخسارات، وانكسارات شخصية تُقدَّم في شكل يومي متكرر، حتى يصبح المتلقي محاصرًا
بسيل لا ينقطع من الانفعالات الجاهزة للاستهلاك.
من هنا تتشكل
ظاهرة يمكن وصفها بـ«مصيدة التعاطف»، حيث يتحول التعاطف الطبيعي من استجابة
إنسانية صحية إلى اندماج عاطفي مُرهق يجعل الفرد يعيش مآسي الآخرين وكأنها جزء من
سيرته الذاتية.
يميل الإنسان
بطبيعته إلى البحث عن التعاطف والتأييد، حتى عندما يكون مخطئًا أو متورطًا في موقف
يثير الجدل، ولذلك لا تغيب عن المشهد الرقمي أصوات تلجأ إلى مواقع التواصل لتقديم
روايات عن ظلمٍ تعرضت له، بهدف استدرار التعاطف الجماعي وإعادة صياغة صورتها أمام
الجمهور.
هذه الروايات قد
تحمل قدرًا من الحقيقة، لكنها في كثير من الأحيان تُقدَّم بشكل انتقائي أو مضخّم،
بحيث تتشكل نسخة عاطفية من الواقع أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها، ومع الوقت، يصبح
الجمهور أمام سرديات متنافسة، لا تُحسم فيها الحقيقة بقدر ما تُحسم فيها القدرة
على التأثير الوجداني.
في هذا السياق،
تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء لا يكتفي بنقل المشاعر، بل يعيد إنتاجها وتكثيفها،
ويضع المستخدم داخل دائرة مستمرة من التفاعل العاطفي الذي يصعب الخروج منه دون أثر
نفسي.
آليات المصيدة داخل الفضاء الرقمي
تعمل «مصيدة
التعاطف» عبر بنية مركبة من الآليات النفسية والسلوكية التي تتكرر بأشكال مختلفة
داخل الفضاء الرقمي، لكنها تلتقي جميعًا عند نقطة واحدة؛ تحويل الألم الإنساني إلى
مادة قابلة للاستهلاك والتفاعل.
تبدأ هذه
الآليات بما يمكن تسميته استعراض الضعف، حيث يلجأ بعض المستخدمين إلى نشر تفاصيل
شخصية شديدة الخصوصية، تشمل أزمات حياتية أو أمراضًا نفسية أو جسدية، قد تكون
حقيقية أو تم تضخيمها بشكل مقصود، الهدف هنا ليس فقط طلب الدعم، بل خلق حالة من
التماهي الوجداني السريع مع الجمهور، بحيث يتحول التعاطف إلى استجابة فورية تُقاس
بعدد الإعجابات والمشاركات والتعليقات، في هذا المستوى، لا يعود الألم تجربة
داخلية، بل يصبح عرضًا رقميًا مفتوحًا أمام الجميع.
ثم تأتي آلية
أكثر حدة يمكن وصفها بـ«التسول الرقمي»، حيث يتعمد بعض صناع المحتوى -خصوصًا عبر
البث المباشر- إظهار حالات حزن شديد أو روايات مأساوية متكررة، بهدف استدرار عطف
المتابعين بصورة مباشرة، وصولًا إلى طلب تبرعات مالية أو هدايا رقمية، في هذه
الحالة، يتحول الانفعال العاطفي إلى اقتصاد قائم بذاته، حيث تُستثمر مشاعر الجمهور
كوسيلة للربح، ويصبح التعاطف نفسه جزءًا من منظومة تبادل مادي غير مباشر.
أما الآلية
الثالثة، فهي تحويل الخصوصية إلى «ترند»، وهي ربما الأكثر خطورة من الناحية
الاجتماعية، ففيها يتم نقل تفاصيل الحياة العائلية أو الشخصية الحساسة إلى المجال
العام، تحت شعارات مثل مشاركة التجربة أو طلب الدعم، لكن النتيجة الفعلية هي
انهيار الحدود بين الخاص والعام، وتحول الحياة اليومية إلى مادة استهلاكية مفتوحة،
تُعرض وتُناقش وتُقيّم أمام جمهور واسع، دون اعتبار كافٍ لتبعات هذا الانكشاف
المستمر.
شبكة من الاحتياجات المتبادلة
هذه الآليات لا
تعمل بمعزل عن دوافع نفسية واجتماعية أعمق، بل تستند إلى شبكة من الاحتياجات
المتبادلة بين الناشر والمتلقي، فمن جهة الناشر، هناك بحث مستمر عن التقدير الذاتي
والثقة بالنفس عبر مؤشرات رقمية مثل الإعجابات والتعليقات، إضافة إلى الرغبة في
الشهرة السريعة وصناعة «الترند»، وأحيانًا تحقيق مكاسب مادية مباشرة.
ومن جهة
المتلقي، توجد رغبة فطرية في المساعدة، واستعداد وجداني للتأثر بالقصص الدرامية،
وانجذاب تلقائي نحو روايات الألم التي تبدو أكثر صدقًا وإنسانية من المحتوى
العادي.
وفي هذا الإطار،
تشير د. سوسن فايد، أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي المصري للدراسات
الاجتماعية والجنائية، إلى أن الإفراط في الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن
أن يكون مؤشرًا لمشكلة نفسية لدى البعض، حيث يستخدم الشخص وسائل التواصل لتفريغ
شحنات من السلوكيات غير المقبولة داخله، التي تتجلى من خلال منشوراته وإفراطه في
التواجد حتى لو كان ذلك بشكل سلبي.
وتضيف لـ«المجتمع»
أن الشعور بالرفض والعزلة وانعدام الثقة بالنفس يعد من الأسباب الرئيسة التي تدفع
بعض الأشخاص إلى كثرة الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الشعور
بالإهمال والرغبة في لفت الانتباه.
وتوضح كذلك أن الإفراط
في التواجد الرقمي يحمل أخطاراً متعددة، من بينها فقدان الخصوصية، وتحول حياة
الفرد إلى مساحة مكشوفة بلا أي حدود، فضلًا عن المساهمة في تضخيم السلبيات داخل
المجتمع بصورة غير متوازنة، مشيرة إلى أن عرض التفاصيل الحساسة أو المهنية على
المنصات بهدف المشاهدات يمثل إخلالًا بالمعايير المهنية والأخلاقية.
زيادة مشاعر القلق والاكتئاب والعزلة
وتتفق مع هذا
الطرح د. سلمى أبو اليزيد، استشارية الصحة النفسية، التي ترى أن الإفراط في
استخدام وسائل التواصل قد يؤدي إلى زيادة مشاعر الإدمان والقلق والاكتئاب والعزلة،
إضافة إلى الخوف من تفويت الفرص.
كما تشير خلال
حديثها لـ«المجتمع» إلى أن هوس الشهرة لم يعد مقتصرًا على فئة بعينها، بل أصبح
ظاهرة عامة تشمل مختلف الفئات، حيث يسعى كثيرون للظهور حتى عبر محتوى سلبي أو مثير
للجدل بهدف جذب الانتباه والمشاهدات.
وتضيف أن بعض
السلوكيات الرقمية أصبحت تُستخدم كوسيلة مباشرة لتحقيق الانتشار، حتى لو كانت على
حساب القيم المهنية أو الأخلاقية.
ومن خلال هذه
الشهادات، يتضح أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيط محايد لنقل المحتوى، بل أصبح
بيئة تُنتج سلوكيات جديدة تقوم على إعادة تشكيل المشاعر وتحويلها إلى أدوات تأثير
وتفاعل.
القصص الرقمية والانجراف العاطفي
على المستوى
النفسي، لا يقف المتلقي عند حدود المشاهدة، بل يدخل تدريجيًا في حالة من الانجراف
العاطفي، حيث تتداخل القصص الرقمية مع خبراته الشخصية، خاصة إذا كانت هناك تجارب
مشابهة من الألم أو الظلم أو الخسارة، هذا التشابه يخلق حالة من التقمص الوجداني،
تجعل الفرد يعيش معاناة الآخرين وكأنها امتداد مباشر لمعاناته الخاصة.
ومع تكرار هذا
النمط من التفاعل، يبدأ ما يمكن تسميته بـ«الإرهاق الوجداني»؛ وهو حالة من
الاستنزاف النفسي الناتج عن التعرض المستمر لمحتوى عاطفي مكثف، لا يشعر الفرد بهذا
الاستنزاف بشكل مباشر، لكنه يظهر تدريجيًا في شكل قلق عام، وتوتر داخلي، ونظرة
أكثر تشاؤمًا للعالم، حتى دون وجود أسباب شخصية واضحة تبرر ذلك.
وتزداد خطورة
هذه الحالة حين تتحول وسائل التواصل إلى المصدر الرئيس للمحتوى الإنساني، بحيث
يصبح الألم اللغة الأكثر حضورًا، والمعاناة هي السردية الأكثر انتشارًا، والتعاطف
هو العملة الأكثر تداولًا، في هذه البيئة، يفقد التعاطف توازنه الطبيعي، ويتحول من
قيمة إنسانية إلى عبء نفسي متكرر.
وتكشف هذه
الديناميكية عن مفارقة أساسية؛ أنه كلما ازداد التعاطف الرقمي دون وعي؛ ازداد معه
الاستنزاف النفسي، وكلما توسعت دوائر المشاركة العاطفية؛ تقلصت المسافة الآمنة بين
الفرد ومشاعره.
وفي النهاية،
يتضح أن مصيدة التعاطف ليست مجرد ظاهرة سلوكية عابرة داخل الفضاء الرقمي، بل هي
بنية نفسية واجتماعية معقدة تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعلومة والمشاعر.
وبين من يصنع
المحتوى ومن يستهلكه، تتشكل دائرة مغلقة من الانفعال المتبادل، يصبح الخروج منها
مرهونًا بقدرة الفرد على إعادة بناء وعيه النقدي، والتمييز بين التعاطف الحقيقي،
والتورط العاطفي الذي يتحول تدريجيًا إلى استنزاف صامت لا يُرى، لكنه يُستشعر في
العمق.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً