لماذا فشلت «علمانيون» وانتفض الناس ضد «برشامة»؟
في أسبوع واحد،
جاءنا حدثان من عالمين مختلفين، لكنهما يقولان حقيقة واحدة، الأول: أعلنت حركة «علمانيون»
توقف نشاطها بعد 15 عاماً من المحاولة، لا لأن أحداً هزمها في معركة فكرية، بل
لأنها لم تجد عضوين يدفعان الإيجار.
15 عاماً من
الندوات والصالونات والأمسيات، وفي النهاية سقطت لا بسيف خصم، بل بصمت مجتمع.
والثاني: فيلم «برشامة»
الذي كان يعرض في دور السينما، محققاً في بداياته إيرادات متميزة بمعايير السوق،
لكنه ما لبث أن تعرض لحملة شديدة من الهجوم عليه، لاحتوائه على بعض العبارات التي
مسّت الدين باستخفاف، فانتفض الناس انتفاضة أدت إلى سحبه من دور العرض.
الغريب في هذه
الحملة أنها لم تكن نخبوية، من العلماء مثلاً، ولا من الدعاة على المنابر، ولا
الهيئات الدينية الرسمية، بل كانت من الناس العاديين الذين لا تعرف هل يصلون أم
لا، هل يصومون كاملاً أم لا، هل يحفظون آية أم لا، انتفضوا لأن شيئاً فيهم أُهين،
شيئاً لا يسمى بسهولة لكنه أعمق من أي التزام شكلي.
الحدثان يبدوان
متفرقين، لكنهما في الحقيقة وجهان لسؤال واحد: من يحمي الدين في هذا المجتمع؟ ومن
يحاول إضعافه؟ ومن يدعي حمايته وهو ينخر فيه من الداخل؟
«برشامة».. حين انتفض من لا يصلي
ثمة مشهد لافت
في قضية «برشامة» لا ينبغي أن يمر دون تأمل، وهو أن منصات التواصل التي كانت ساحة
الانتفاضة الجماهيرية أثبتت أن المنتفضين على الفيلم لم يكونوا في غالبيتهم من
حملة الراية الدينية الرسمية، لم يكن على رأسهم العلماء والمشايخ والمؤسسات، كانوا
شباباً عاديين، كانوا أمهات في مجموعات «واتساب»، كانوا آباء لم يسمع منهم أحد
خطبة دينية طوال حياتهم، لكنهم انتفضوا.. فلماذا؟
يجيب د. جهاد
سليمان، اختصاصي علم الاجتماع، في حديثه لـ«المجتمع»، بأن الدين في الوجدان الشعبي
ليس مجموعة التزامات شكلية يحاسب عليها المرء في محكمة اجتماعية، بل هو هوية، هو
الاسم الذي يحمله، والدعاء الذي تقوله أمه، والآية التي تذكره بأن ثمة معنى لهذا
الألم، والله الذي يلجأ إليه حين تضيق الأرض بما رحبت.
ويتابع: حين مس
الفيلم هذا الجانب الهوياتي، لم يمس عقيدة منظمة في كتب الفقه، لكنه مس شيئاً
أعمق، مس الإنسان في جذره، وحين يمس الجذر تهتز الشجرة التي بدت هادئة وتتأثر، وفق
تعبيره.
ويرى د. سليمان
أن هذه هي المناعة الشعبية التي لا تدرس ولا تنظم ولا تشترى، لكنها بحسب قوله: تسكن
في الوجدان كما يسكن الهواء في الرئة، لا تشعر به إلا حين يسرق منك.
«علمانيون».. سقوط بلا معركة
وفي الطرف الآخر
من المشهد، سقطت «علمانيون» بهدوء يعادل ضجيجها حين كانت قائمة فلم يشعر بها أحد.
15 عاماً، و860
فعالية، وأسماء أكاديمية داعمة، وخطاب يقدم نفسه تنويراً ونهضة وعقلانية، وفي
النهاية عضوان لا يستطيعان دفع الإيجار.
لكن السؤال
الملح الآن ليس لماذا أغلقت؟ وإنما لماذا لم تفتح لها القلوب طيلة هذه المدة (15
عاماً)؟!
الجواب وفق د. عوض
إسماعيل، العميد السابق لكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر، أن هذا
المشروع كغيره من مشاريع مماثلة وقع في خطأ التشخيص قبل خطأ الحل، حيث ظن أن الدين
في المجتمع العربي مجرد موروث ثقافي قابل للاستبدال، وأن العقل حين يتم تنويره
يتخلى عن الخرافة ليحتضن العلم، فجاء الخطاب ليقنع الناس بالتخلي عما يعتبرونه
أغلى ما يملكون.
ويرى أن المجتمع
لم يرفض العقل، بل رفض أن يقال له: إن دينه نقيض العقل، وهذا الرفض لم يكن حاجزاً
تعليمياً ولا تخلفاً حضارياً، بل كان، حسب تعبيره، وعياً فطرياً بأن ما يقدم ليس
تنويراً، بل استبدالاً.
ويضيف د. إسماعيل
لـ«المجتمع» أن إغلاق «علمانيون»، ومن قبلها «تكوين»، يؤكد أنها «سبوبة»، وليس هناك انتماء لها أو استعداد
للتضحية من أجلها بدليل أن أعضاء كثيرين فيها من الأثرياء جداً، ولكنهم يعرفون أن
قضيتهم خاسرة، ولهذا لا ينفقون من أموالهم، وإنما يكتفون بما يتلقونه من الخارج
الذي لاحظ عدم وجود أي تأثير لهذه الحركات العلمانية والإلحادية، ولهذا نفض يده
منه.
المناعة الحضارية
ما الذي يجعل
المجتمع يرفض «علمانيون» صمتاً 15 عاماً، ويلفظ قبلها مركز «تكوين» بمجرد الإعلان
عنه، وينتفض على «برشامة» صخباً في أسابيع؟
الإجابة، وفقاً
للدكتور جهاد سليمان، ليس الفقه، وليس الالتزام الشكلي، وليس الخطاب الديني الرسمي
الذي غالباً ما يصل متأخراً أو لا يصل، لكنه ما يمكن تسميته بـ«المناعة الحضارية»،
وهي ذلك الرصيد العميق المتراكم في الوجدان الجمعي عبر قرون من العيش مع الإسلام
لا فوقه، الإسلام الذي تشربه الناس في أسماء أبنائهم، وفي أغانيهم، وفي مناسباتهم،
وفي طريقة تعاملهم مع الموت والميلاد والفرح والحزن.
ويتابع: هذه
المناعة لا تحتاج عالماً ليفعلها، لكنها تفعل وحدها حين يمس ما تحميه، تفعل كما
تفعل أجهزة الجسم حين يدخله ما يهدده، ولا تسأل عن فلسفة المعتدي، بل ترفضه.
الأمر نفسه
يؤكده د. محمود الصاوي، الأستاذ بجامعة الأزهر، في حديثه لـ«المجتمع»، مشدداً على
أن مؤسسة «علمانيون»، ومركز «تكوين»، ومن على شاكلتهما في مختلف الدول العربية
والإسلامية، ما هي إلا محاولات لتشتيت الذهن وإشغال العقل العربي والإسلامي وهو في
خط المواجهة مع العدو الصهيوني بهذه الحوارات الجانبية.
وتابع: هذه
المحاولات تم نقضها والرد عليها عشرات المرات قبل ذلك، وتم لفظها من جانب المجتمع
بهذه المناعة الحضارية، ولهذا ظلت تدور في فلك الصدى الأكاديمي دون أن تحدث أثراً
في الشارع الحقيقي؛ لأن الشارع الحقيقي لا يقرأ في صالونات المثقفين، بل يقرأ في
ردود فعل الناس حين يمس ما يقدسون.
وفي النهاية، يبقى
شيء واحد مبهج وسط كل هذا الضجيج، وهو أن المجتمع يثبت دائماً أنه أذكى من خصومه،
حيث رفض «علمانيون» بصمت دون حاجة إلى بيان، وانتفض على «برشامة» بصخب دون الحاجة
إلى إذن، ولم يكن في الحالين يتبع أحداً، لا المؤسسة الدينية الرسمية التي أحياناً
ما تصل متأخرة، ولا المثقفين الذين يتحدثون باسمه دون أن يسألوه، بل كان يتبع شيئاً
أعمق، يتبع ذلك الصوت الذي يعرف المجتمع متى يسكت عنده ومتى يصرخ.
الصوت الذي لا
تصنعه المؤسسات ولا تميته المشاريع، الصوت الذي يقول لكل من يريد أن يحدد علاقة
الإنسان بدينه سواء كان خصماً أم صديقاً: هذا ليس من شأنك، وذاك هو أعمق تعريف لما
سماه ضيوفنا «المناعة الحضارية».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً