السينما في قفص الاتهام..
فيلم «برشامة» نموذجاً لاغتيال المقدس!
لم يكن خروجي مع
ابنتي وحفيدتي جويرية لمشاهدة فيلم «برشامة» في إحدى دور عرض السينما إلا نزولاً
على رغبة الصغيرة التي طاردتها إعلاناته هنا وهناك، قلت لنفسي: لم لا، إنها كذلك
فرصة لمتابعة الحركة السينمائية ومشاهدة ما يتم تقديمه هنا.
بمجرد أن بدأت
أحداث الفيلم وجدت نفسي في مواجهة صادمة مع حجم السخف والتردي الذي أراه، ولم أكن
وحدي، كنت أجلس في قاعة العرض، وعيناي تتنقلان بين الشاشة التي تضخ سمومها، ووجه
حفيدتي التي تضحك كلما ضحك الجمهور، لتتحول التجربة من مشاهدة فيلم إلى حوار فكري
وعقلي مع ابنتي عقب خروجنا مباشرة؛ حوار أعدنا فيه معاً تفكيك ما رأيناه، وكان
بمثابة محاولة لتحصين وعي طفلتنا النابهة من الانحراف الذي حاول الفيلم تطبيعه تحت
مسمى الكوميديا -الرديئة- التي سعت لتجسيد ثقافة البرشمة المتغلغلة في مفاصل
المجتمع؛ التي جعلت من الاستسهال منهجاً، والغش في الامتحانات استعارة لغش الوعي
الجماعي بالإضافة إلى نقله من جانب الحرام والممنوع والعيب إلى جانب الفكاهة
والضحك والاعتيادية ليصبح من بعد منهج حياة!
إن المتابع
للمشهد الدرامي يدرك أن عنوان الفيلم لم يتم اختياره بشكل عفوي، فدلالته
السيميائية واضحة؛ إذ تنزاح على حالة الفقر الإبداعي، فالفيلم الذي يتخذ من ورقة
الغش في الامتحان عنواناً له، يمارس في حقيقته غشاً درامياً واضحاً، في محاولته
المستميتة لتمرير رؤية لا أخلاقية متهالكة عبر حبكة مفككة هشة وإفيهات مفتعلة،
تعكس إفلاساً رديئاً يرفض التسلية المحببة وينحو باتجاه تنميط السلوك الإنساني في
قوالب وعظية زائفة.
نعم، إنهم يغشون
في امتحان الفن، ويقدمون إجابات جاهزة ومعلبة لقضايا معقدة، وكأنهم يراهنون على أن
الجمهور سيقبل بهذه الورقة المهترئة بديلاً عن الإبداع الحقيقي، ولا يقف هذا الغش
الفني عند حدود السيناريو، إذ نجده ممتداً ليشمل خداع المتلقي بأن التسطيح والهزل
هو عين الواقعية، وأن الابتذال هو قمة الجرأة الفنية رافعين لافتة: نحن ننقل
الواقع!
التعدي على المقدسات
لكن الكارثة
الحقيقية فيما أرى التي لا يمكن السكوت عنها هي ذلك التعدي السافر على المقدسات، وهو
ما يكشفه تحليل الخطاب في السيناريو عبر تغلغل الاستهزاء الديني بشكل ممنهج؛ حيث
استخدم صناعه النصوص الدينية، والرموز المقدسة، ومفاهيم الجنة والنار والتوبة
كمادة للتهكم واستجلاب الضحك.
لقد وصل التطاول
إلى الفقه والقرآن؛ فالسخرية من المذاهب بنسبتها لـ«ابن عمي»، والتعامل مع التوبة
كأنها لعبة مكررة: «أنا ياما غلطت وتوبت واتقبلت تاني يوم، طب أنا توبت إمبارح
اسأل لي»، هي وقاحة لا تخرج إلا من عقل فقد الأدب مع الله.
كما تجرأ الفيلم
على القرآن بإسقاطات بذيئة: «انتي تعرفي ربنا منين؟ ده انتي لو موجودة أيام الكفار
كان نزلك سورة زي سورة أبو لهب»، و«كل غزوات التاريخ الإسلامي كانت هتبقى ضدك»؛ إن
القدح في القرآن الكريم –حتى وإن ادعى المؤلف الجهل– هو جرمٌ لا يغتفر، فالقرآن
ليس مادة للاقتباس الهزلي، كما لا يجب إقحام دور العبادة في سياقات هابطة، ولا
تصوير امرأة عجوز وهي تتعاطى الحشيش في صورة مقززة تعكس نفوراً من تلك الواجب
توقيرها.
إن تحويل التوبة
إلى مادة للسخرية اغتيال لمرتكزات الوجدان الجمعي لكل الأديان، وهو فعل ينم عن جهل
بطبيعة الفن ووظيفته في مجتمع مسلم يجب أن تُحترم ثوابته، هذا النوع مما يمكن أن
نطلق عليه «الإلحاد الدرامي» الذي يقتات على السخرية من البعث والحساب، والعذاب، يضع
طاقم العمل في مواجهة مباشرة مع ضمير الأمة، فالقرآن ليس مادة للاقتباس الهزلي،
والاستهزاء بالدين ليس جرأة إبداعية.
إنني لا أغالي
إن قلت: إنه قلة أدب وتطاول لا يغتفر، وضرب للثوابت في مقتل، ممن يظنون أنهم
يواكبون حداثة شوهوها ويقدمون فناً واقعياً خرجوا عن مساره، بينما يغرقون في
مستنقع العدمية الأخلاقية.
أداء تمثيلي باهت
أما عن أدوات
الصناعة نفسها فحدّث ولا حرج، فالفقر البصري في الفيلم كان شديداً، إضاءة مسطحة
تذكرنا بالأعمال التجارية ذات الميزانية المحدودة أفقدت العمل أي بُعد جمالي؛ ما
يعكس خواء رؤية المخرج الذي ظن أن السينما هي فن الصورة لا فن الرغي والإفيه
المبتذل، واللوكيشنات المحدودة التي تم حصرها في أماكن ضيقة فقيرة بصرياً (الفصل،
القهوة، المصلى، الحمام)، وهو ضيق أفق حوّل الفضاء السينمائي إلى سجن بصري؛ ما جعل
المشاهد تبدو وكأنها مسرحية مهترئة، مع العلم أن هذا التواضع في الإمكانات الفنية
لم يكن ليمنعهم من تقديم عمل محترم لو وجدت الرؤية، لكن حينما تجتمع الرداءة
الفكرية مع الفقر البصري، تكون النتيجة هذه السقطة المدوية.
ولا يفوتني لفت
النظر إلى الأداء التمثيلي الباهت الذي كان نتيجة طبيعية لهذا السيناريو الهش؛ فقد
غاب عن الممثلين البحث عن الدوافع النفسية للشخصيات، ليتحول أداؤهم إلى استعراض
نمطي يعتمد على المبالغة وتضخيم الإيماءات، ليظهروا ككائنات كرتونية مشوهة تفتقر
للصدق ولا تعيش حالة درامية حقيقية، فبدوا وكأنهم يقرؤون من ورقة الغش في الامتحان
المتنازع عليها قبل أن توجد!
وأجزم أن هذا
الأداء المبتذل هو المسؤول الثاني بعد السيناريو عن تحويل المواقف التي كان يجب أن
تكون جادة إلى مواقف مثيرة للنفور؛ لأن الممثل هنا لم يهمه إلا الوصول لنهاية
المشهد بأقل مجهود، وهو ما يفسر حالة الاغتراب التي شعر بها الكثير من المشاهدين
وهم يراقبون هذا الاستعراض البائس.
إن خطورة هذا
الفيلم لا تقع علينا نحن الكبار الواعين، بقدر ما تقع على أجيالنا الصاعدة؛ فعندما
يرى الطفل أو المراهق شخصية تمثل الدين كقناع للنفاق أو أداة للتندر، فإن بناءه
القيمي يتعرض لهزة عنيفة، ومن هنا ندعو الآباء للحذر، فهذا الفيلم وأشباهه منهج
خفي يروج للاستهانة بالمقدسات كجزء من الشخصية العملية في مجتمع لا يعترف إلا
بالنتيجة.
بالإضافة إلى أن
الجمهور الذي يصفق لهذا المستوى ويضحك على ما فيه هو بالطبع شريك في الجريمة لا
محالة، لأنه يشجع هؤلاء بدعمهم مادياً عن طريق شراء التذاكر على الاستمرار في هذا
السقوط بدلاً من المطالبة بكوميديا ذكية ومحترمة.
إن بقاء مثل هذه
الأعمال دون نقد جاد هو قبول ضمني بتطبيع الرداءة؛ لذا، فنحن بحاجة إلى وقفة نقدية
تعيد للفن قيمته كأداة ارتقاء بالوعي، وحين ندافع عن ذلك فإننا ندافع عن حق
أبنائنا في فن يليق بهم، وعن هوية لا تقبل المساومة.
إن الحق في
التسلية لا يعني الحق في إفساد الضمير، والاغتيال المعنوي لثوابت الأمة تحت شعار
حرية الإبداع المزعومة، فالإسلام دين الحرية وداعمها لا يحرم الضحك وإضحاك الآخرين
والتفريج عنهم بما لا يمس العقائد، فالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة
لها قداستها، ولا يمكن استخدامها بأي حال من الأحوال في مثل هذا العبث!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً