حين يصبح العلم سلوكاً حياً..
كيف يثمر العلم عبادة؟ سيرة مرة الطيب بن شراحيل
يقدم لنا الإمام
الذهبي هذه الصفحة المشرقة من حياة مرة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي(1)
أحد عباد التابعين، لا بوصفها خبراً تاريخياً مجرداً، بل بوصفها نموذجاً لإنسان
امتلك ميزاناً مختلفاً في ترتيب الأولويات.
فمرة بن شراحيل
الهمداني الكوفي عاش في مرحلة كانت الكوفة فيها من أكثر الأمصار حركة واضطراباً،
حيث اجتمعت فيها حلقات العلم، وازدحمت فيها الاتجاهات الفكرية، وظهرت فيها آثار
التحولات السياسية الكبرى التي شهدها القرن الأول الهجري.
وفي هذا السياق
المتوتر، ظهر مرة الطيب بصورة مختلفة؛ فقد كان رجلاً حمل العلم عن كبار الصحابة،
ولكنه لم يجعل العلم مجرد محفوظات أو مكانة اجتماعية، بل جعله طريقاً إلى العمل
والخشية، ومن هنا جاءت كلمة الذهبي العميقة: «وهل يراد من العلم إلا ثمرته»، فهي
ليست مدحاً للانقطاع عن التعليم، وإنما بيان لحقيقة العلم الذي يتحول إلى عبودية
وسلوك.
كيف حمى مرة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي قلبه من صخب الكوفة واضطراباتها؟
لم تكن الكوفة
في القرن الأول الهجري بيئة هادئة بعيدة عن الأحداث، بل كانت تموج كبحرٍ صاخب،
وتُعد مركزاً نابضاً للحركة السياسية والعلمية والاجتماعية، وفي خضم مثل هذه
البيئات، يواجه الإنسان اختباراً دائماً: هل يستهلك طاقته كلها في الانجراف وراء
الضجيج المحيط به، أم يُحسن اختيار الميدان الذي يستطيع أن يترك فيه أعظم الأثر؟
لقد اختار مُرّة
الطيب أن يجعل ميدانه الأول قلبه وعمله؛ وتلك لم تكن خطوةً للانسحاب من مسؤوليات
المجتمع، بل تجسيداً لإدراك عميق بفقه الأولويات، فإصلاح الإنسان لنفسه والانشغال
بما يُقوّمها هو الأساس المتين الذي تنطلق منه
كل إصلاحات
الحياة، وهو ذات النهج الذي طالما صدح به أئمة الهدى، كما يتجلى في الموعظة
البليغة التي رُويت عن الحسن البصري، حين وجّه بوصلة الإنسان نحو ذاته، محذراً من
التشاغل بما لا ينفع ومُعلياً من شأن البناء الداخلي، حيث قال: «يا ابن آدم، عملك
عملك، فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك»(2).
فالعمل هو جوهر
الإنسان، ورفيقه الذي يُشكل حقيقته، وهذا المعنى ينسجم تماماً ويلتقي مع قوله
تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)، فالقرآن الكريم يجعل من تزكية النفس مشروعاً أصيلاً
ومستداماً، لأنها الينبوع الذي يتدفق منه صلاح السلوك والاختيارات.
وفي واقعنا
المعاصر، حيث تتزاحم المؤثرات، وتتلاطم أمواج الأخبار والجدالات، تتجلى قيمة هذا
النموذج العابر للزمن؛ فالإنسان الذي لا يمتلك مساحة للمراجعة الداخلية، ولا يتعهد
«لحمه ودمه» -أي عمله- بالرعاية والتهذيب، سيصبح حتماً أسيراً لما حوله، بينما
صناعة الوعي الحقيقي لا تبدأ إلا من القدرة على ضبط الانتباه، والترفع عن صخب
المشتتات، وتوجيه الطاقة الخالصة نحو ما ينفع ويبقى.
كيف حول مرة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي علمه من رواية إلى سلوك؟
كان مُرّة الطيب
بن شراحيل الهمداني الكوفي من أهل الرواية؛ فقد أخذ عن ثلة من الصحابة الكرام،
ومنهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبدالله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، رضي
الله عنهم أجمعين، وروى عنه عدد من أهل العلم، ومع ذلك، لم يكن أثره الأكبر كامناً
في كثرة المرويات، بل في قوة الصلة وعمق التلاحم بين العلم والعمل.
وهنا تتجلى دقة
عبارة الإمام الذهبي حين قال: «وهل يراد من العلم إلا ثمرته؟»، فالعلم في التصور
الإسلامي ليس ترفاً فكرياً أو زخرفة ذهنية، وإنما هو طريق معبد للهداية والخشية،
مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28).
فكل معرفة لا
تغيّر صاحبها تبقى ناقصة الأثر، مبتورة الثمار؛ أما العلم الذي يصنع عبادة وخشية
واستقامة فهو العلم الذي ظهرت حقيقته، وتجسيداً لهذا المفهوم الأصيل -بأن العلم
الحقيقي هو ما يتحول إلى سلوك وحياة تنبض بالاتباع- يضع الشيخ محمد الغزالي يده
على جوهر هذه القضية بقول: «إِنَّ المُسْلِمَ الَّذِي لا يَعِيشُ الرَّسُولُ صلى
الله عليه وسلم فِي ضَمِيرِهِ، وَتَلْمِيذٌ عَنْ أُسْتَاذِهِ، وَلَا تَتْبَعُهُ
بَصِيرَتُهُ فِي عَمَلِهِ وتَفْكِيرِهِ، لا يُغْنِي عَنْهُ أَبَدًا أَنْ يُحَرِّكَ
لِسَانَهُ بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ»(3).
فالقضية إذن
ليست في مجرد تحريك اللسان بالقول، ولا في سعة الحفظ بمعزل عن التطبيق، ومن هنا،
فإن قصة مُرّة الطيب تطرح سؤالاً مهماً ومُلحاً في عصر المعرفة المفتوحة: هل كثرة
المعلومات تعني بالضرورة زيادة في الحكمة؟ أم أن القيمة الحقيقية تكمن في تحويل
المعرفة إلى واقع؟
فقد يمتلك
الإنسان آلاف الصفحات في أجهزته الذكية، ويحضر عشرات الدورات، ولكنه لا يترك أثراً
واضحاً في أخلاقه وعبادته وعلاقاته، أما مُرّة الطيب فقد أدرك سر الصنعة واختصر
المسافة بين المعرفة والعمل، فصار علمه نوراً ظاهراً في محرابه، وحياةً تتنفس في
تفاصيل سلوكه.
ماذا يصنع طول السجود في قلب المؤمن؟
من أكثر الصور
حضوراً في ترجمة مرة الطيب قولهم: «سجد لله حتى أكل التراب جبهته»، وقول عطاء بن
السائب: «رأيت مصلى مرة الهمداني مثل مبرك البعير».
هذه الصورة ليست
مجرد وصف خارجي، بل تحمل دلالة على طول الملازمة والدوام، فالمحراب هنا لم يكن
مكاناً عابراً، بل كان مساحة لإعادة تشكيل النفس.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (رواه مسلم)، فالسجود في
الإسلام ليس حركة جسدية فحسب، بل مقام قرب وافتقار وخضوع.
وقد كان
الصالحون يدركون أن كثرة السجود تصنع في الإنسان أثراً داخلياً؛ لأنها تذكره
بحقيقته، وتحرره من تضخم الذات، وتعيد ترتيب علاقته بالدنيا والآخرة.
ولهذا جاء
القرآن بذكر أثر العبادة على أصحابها: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح: 29)،
وقد ذكر المفسرون أن المعنى يشمل العلامة الظاهرة والمعنى الباطن من نور الطاعة
والخشوع.
كيف تبني القدوة الصامتة تأثيراً يفوق الكلام؟
ليست كل
القيادات تصنع بالمنابر، فبعض الشخصيات يكون أعظم تأثيرها في قدرتها على تجسيد
المعنى الذي تدعو إليه.
كان مرة الطيب
نموذجاً للقيادة بالقدوة؛ فلم يُعرف بكثرة الجدل أو السعي إلى الظهور، وإنما عُرف
بثباته وعبادته، ولهذا ارتبط اسمه بألقاب تدل على تقدير الناس له؛ مرة الطيب، ومرة
الخير.
إن المجتمع
بطبيعته يبحث عن النماذج التي يرى فيها صدق المبادئ، وقد تكون صورة إنسان منضبط في
عبادته وأخلاقه أكثر تأثيراً من عشرات الكلمات.
وهذا المعنى مهم
في التربية والدعوة اليوم؛ فالأب الذي يجسد القيم أمام أبنائه، والمعلم الذي يرى
الطلاب أثر علمه في سلوكه، والداعية الذي يسبق كلامه عمله، كل هؤلاء يمارسون قيادة
صامتة لكنها عميقة.
كيف نحمي أعمارنا من الهدر والضياع اليومي؟
نُقل أن مرة الطيب
كان يصلي في اليوم والليلة ستمائة ركعة، وهذه الرواية -مع ما فيها من دلالة على
شدة الاجتهاد- ينبغي فهمها في سياق أخبار العباد والزهاد التي قد تحمل وصفاً لحال
استثنائي، لا معياراً عاماً لكل الناس.
لكن القيمة
الأهم في هذا الرقم ليست الحساب المجرد، وإنما الرسالة التي وراءه؛ أن الإنسان
يستطيع أن يعيد النظر في طريقة استهلاكه لعمره.
فالعمر هو رأسمال
الإنسان الحقيقي، ومن عرف قيمة الغاية أحسن توزيع وقته، قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ {1} إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي
خُسْرٍ) (العصر).
لقد أدرك مرة أن
الوقت لا يعود، فاختار أن يملأه بما يراه أقرب إلى رضوان الله، وفي عصرنا الذي
أصبحت فيه المشتتات تستهلك ساعات طويلة، يبقى سؤال إدارة الوقت من أكثر الأسئلة
إلحاحاً: أين تذهب أعمارنا؟ وما الذي يبقى منها بعد انقضاء الأيام؟
لماذا تشابهت سيرة مرة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي مع كبار العباد والزهاد؟
لا يعيش
الصالحون في التاريخ كنسخ متطابقة، ولكن يجمعهم أصل واحد؛ صدق التوجه إلى الله؛ ولهذا
يذكر العلماء نظائر لمرة الطيب من أهل العبادة، مثل علي بن الحسين زين العابدين
الذي اشتهر بكثرة الصلاة والعبادة، وأويس القرني الذي عُرف بخمول الذكر مع علو
المنزلة.
والجامع بين
هؤلاء ليس مجرد كثرة الأعمال، بل حضور القلب ومعرفة قيمة المقصد؛ فالعبادة عندهم
لم تكن هروباً من الحياة، وإنما كانت بناءً للإنسان الذي يحمل همّ الحياة بقلب
أكثر صفاءً وإرادة أكثر ثباتاً.
كيف نحمي قوة تركيزنا في عصر المشتتات؟
تقدم سيرة مُرّة
الطيب قواعد تربوية تتجاوز حدود عصرها؛ فأولها: أن العلم لا يُقاس بحجم ما يحمله
الإنسان من معلومات، وإنما بما يصنعه ذلك العلم في قلبه وسلوكه، فالمعرفة التي لا
تُهذّب صاحبها هي معرفة تحتاج إلى مراجعة في طريقة تلقيها.
وثانيها: أن
الإنسان يحتاج في زمن التشويش إلى مساحات يحمي فيها تركيزه، لا بالانعزال عن
الناس، ولكن بحسن إدارة وقته وانتباهه، وتوجيه هذا التركيز نحو الغاية العملية
النافعة، حتى لا تضيع أهدافه الكبرى وسط المعارك الصغيرة أو التفاصيل المجردة التي
لا تثمر عملاً، وهو ذات المنهج العظيم الذي تولى الوحي تأصيله في نفوس الصحابة
الكرام؛ حمايةً لقوة تركيزهم وتوجيهاً لبوصلة طاقاتهم.
ويتجلى ذلك
بوضوح حين سأل معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنمة، النبيَّ صلى الله عليه وسلم قائلين: يا
رسول الله، ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي(4)؟
فنزلت الآية الكريمة: (يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: 189)،
لتصرف انتباههم من الانشغال بالظاهرة الفلكية المجردة، وتُوجه تركيزهم إلى ثمرة
هذا العلم في واقعهم، كضبط أوقات الحج والصيام، وانقضاء عِدَد النساء، ومدد عقود
التجارات والإجارات.
وثالثها: أن
التأثير الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى كثرة الظهور؛ فبعض الأشخاص يتركون آثارهم
الخالدة لأن حياتهم نفسها أصبحت رسالةً تمشي على الأرض، فالقدوة الصادقة تبني
الثقة، والثقة هي الأساس المتين لكل تأثير طويل المدى.
لقد بقي اسم مُرّة
الطيب حاضراً، لا لأن الناس حفظت منه كثرة الكلام، وإنما لأنها حفظت منه صدق الحال،
وهذه إحدى سنن الله الماضية في عباده: أن العمل الصالح إذا خرج من قلب صادق، ترك
أثراً يتجاوز عمر صاحبه.
كيف تعيد هذه السيرة تعريف مفهوم النجاح؟
تمثل سيرة مرة
الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي صورة لإنسان جمع بين شرف العلم وصدق العبادة، وبين
معرفة الطريق والسير فيه، فقد حمل عن الصحابة، وعرف قيمة العلم، ثم جعل أعظم
برهانه على ذلك أن يتحول العلم إلى خشوع وعمل.
وفي عالم يكثر فيه الحديث عن الإنجاز والتأثير، تعيد هذه الشخصية تعريف النجاح من الداخل؛ فليس أعظم الناس أثراً من يملأ الأسماع، بل من يبني نفسه حتى يصبح وجوده شاهداً على المعنى الذي يحمله.
الهوامش
- 1 مُرّة الطيب بن شراحيل الهمداني الكوفي (ت 76هـ): تابعيٌّ مخضرم من أهل الكوفة، أدرك جماعة من الصحابة وروى عن عدد منهم، واشتهر بالعبادة وكثرة السجود، وكان من كبار العُبّاد والزهّاد في عصر التابعين، ترجم له الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ضمن أخبار عباد أهل الكوفة.
- 2 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص29.
- 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون موسى العازمي، ج1، ص15-17.
- 4 تاريخ مدينة دمشق، ج1، ص 24-25.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً