حين يكون الصمت حكمة..
كيف نختار الكلمة؟ درس من صمت الربيع بن خثيم
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: قال فلان: «ما
أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة، إلا بكلمة تصعد(1)، وعن
بعضهم، قال: صحبت الربيع عشرين عاماً ما سمعت منه كلمة تعاب»(2).
يقدم هذا الأثر
صورة نادرة من صور التربية الإيمانية في عصر التابعين، حيث لم يكن الصمت عند
الربيع بن خثيم مجرد ترك للكلام، بل كان اختيارًا واعيًا لمعنى أعلى؛ أن تكون
الكلمة مسؤولية، وألا يخرج من اللسان إلا ما يليق بأن يُرفع أثره، وهذه القراءة
تتعامل مع الخبر بوصفه نموذجًا تاريخيًا في مجاهدة النفس وصيانة اللسان، في بيئة
كانت الكلمة فيها ذات أثر بالغ في المجتمع والعلم والفتن.
عاش الربيع بن
خثيم في الكوفة، وهي من أبرز أمصار العلم في القرن الأول الهجري، وقد شهدت تحولات
سياسية وفكرية واجتماعية كبيرة، وفي هذا السياق ظهر نموذج مختلف؛ رجل لم يجعل
حضوره في كثرة الجدل، بل في قوة المراقبة والاقتصاد في القول، فكان صمته تربية،
وكلامه علامة، وسيرته رسالة تتجاوز حدود اللفظ إلى بناء الإنسان.
الانتقاء الدقيق للكلام كمعيار لصدق الإيمان
إن قول الراوي: «ما
أرى الربيع بن خثيم تكلم بكلام منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد» يكشف عن تصور عميق
لمعنى الكلام في ميزان الإيمان؛ فالربيع لم يكن يتعامل مع الكلمة باعتبارها عادة
يكررها اللسان، وإنما باعتبارها أمانة لا تخرج منه إلا إذا استحقت أن تصعد.
وقد دل القرآن
الكريم على منزلة الكلمة الطيبة حين قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: 10)، فالكلمة الطيبة ليست
مجرد لفظ، بل لها منزلة وأثر يتصلان بالعمل الصالح والرفعة.
ومن هنا نفهم أن
صمت الربيع بن خثيم لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بالمراقبة، لقد نقل اللسان من
حالة الاستجابة لكل ما يمر به الإنسان من خواطر ومواقف إلى حالة الانتقاء الدقيق؛
فلا يتكلم لأن الكلام متاح، وإنما يتكلم لأن هناك معنى يستحق أن يخرج، وقد عبّر
القاسم بن محمد عن هذا المعنى حين سُئل بمنى عن مسألة فقال: «لا أدرى، لا أعلم، فلما
أكثروا عليه قال: والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، ولو علمنا ما كتمناكم ولا حل
لنا أن نكتمكم»، وعنه أنه قال:« ما نعلم كل ما نسأل عنه ولأن يعيش الرجل جاهلاً
بعد أن يعرف حق الله تعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم»(3)،
فهذان الأثران يكشفان عن أن الكلام عند القاسم كان مقيدًا بالعلم، وأن تركه فيما
لا يعلمه أمانةٌ تحول بين المرء وبين القول بغير علم؛ وبذلك لا تكون الكلمة عنده
مجرد قدرة على القول، وإنما مسؤولية تقتضي أن يتثبت قبل أن ينطق.
ولا تقف هذه
المسؤولية عند التثبت من العلم قبل الكلام، بل تمتد إلى ما تؤول إليه الكلمة بعد
صدورها؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ
بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ
بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ
اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»(4)،
فالحديث يبين أن للكلمة عاقبة تتجاوز لحظة نطقها؛ فقد تكون سببًا في رفع صاحبها أو
هويه، وهو ما يجعل الوعي بعاقبة الكلمة جزءًا من المسؤولية الإيمانية.
وفي واقع الناس
اليوم، حيث أصبحت الكلمة أسرع انتشارًا من أي وقت مضى عبر وسائل التواصل، يظهر هذا
المعنى أكثر إلحاحًا؛ فليست المشكلة في القدرة على التعبير، وإنما في غياب الميزان
الذي يحدد متى يكون التعبير بناءً ومتى يتحول إلى عبء.
انتصار العقل على الغضب كمعيار للنضج الإيماني
يكشف هذا السلوك
عن درجة عالية من مجاهدة النفس؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى إظهار رأيه، وإثبات
حضوره، والتفاعل مع الأحداث من حوله، لكن الربيع بن خثيم قدم نموذجًا في أن قوة
الإنسان ليست دائمًا في سرعة الرد، بل في القدرة على التوقف قبل الاستجابة، وهذا
المعنى تؤصله دعوة القرآن إلى مجاهدة النفس وكبح دوافعها، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات)، فالآية تجعل نهي النفس عن الهوى مظهرًا من مظاهر الخوف
من الله، وتربط ضبط الدافع الداخلي بحسن العاقبة.
وهذا المعنى لا
يبقى في دائرة التوجيه النظري، بل يظهر في مواقف عملية تكشف قدرة الإنسان على
تجاوز انفعاله؛ فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق على مِسْطَح بن أُثاثة،
فلما وقع في الإفك حلف أبو بكر ألا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور: 22)، فقال أبو بكر: «بلى
والله، إني لأحب أن يغفر الله لي»، وأعاد نفقته عليه(5)، ويكشف هذا
الموقف أن الانتصار على النفس لا يعني غياب الغضب أو الألم، وإنما يعني ألا يسمح
الإنسان لانفعاله بأن يقوده إلى ما يخالف ما يؤمن به.
لقد مارس الربيع
بن خثيم نوعًا من الرقابة الداخلية؛ فلم يكن ينتظر أن يمنعه أحد من الخطأ، لأنه
أقام في نفسه ميزانًا يسبق الكلام، وهذه مرتبة من النضج النفسي تجعل الإنسان
قادرًا على إدارة رغباته وانفعالاته بدل أن تكون هي القائد له.
ويجسد عمر بن
عبدالعزيز هذا المعنى في موقف يكشف عن خطورة الغضب وضرورة ضبطه؛ فقد غضب يومًا
فاشتد غضبه، وكان فيه حدة، وعبد الملك حاضر، فلما سكن غضبه قال له عبد الملك: «أنت
في قدر نعمة الله عليك وموضعك الذي وضعك الله به، وما ولاك من أمر عباده، يبلغ بك
الغضب ما أرى؟» فقال عمر: «كيف قلت؟» فأعاد عليه كلامه، فقال: «أما تغضب يا عبد
الملك؟» فقال عبد الملك: «ما تغني سعة جوفي إن لم أردّ فيه الغضب حتى لا يظهر منه
شيء أكرهه»(6)، فالموقف يكشف أن ضبط النفس لا يعني غياب الغضب، وإنما
قدرة الإنسان على ردّه وحبسه قبل أن يظهر منه ما يكرهه.
وفي الحياة
المعاصرة، تظهر الحاجة إلى هذا النوع من الانضباط في النقاشات العامة والخلافات
الاجتماعية؛ فكثير من النزاعات لا تبدأ من اختلاف معتبر، وإنما من كلمة قيلت في
لحظة غضب أو رغبة في الانتصار للنفس.
كيف تبنى القيادة بالقدوة بدل كثرة الكلام؟
قد يظن بعض
الناس أن التأثير لا يكون إلا بكثرة الحديث والحضور الإعلامي، لكن سيرة الربيع بن
خثيم تقدم صورة أخرى: صورة القيادة بالقدوة.
فقد كان
المحيطون به لا يتعلمون منه فقط مما يقول، بل مما يتركونه بعد رؤيته، كان صمته
يربي، وهدوؤه يوجه، وانضباطه يضع معيارًا لمن حوله، ويظهر هذا المعنى في موقف مصعب
بن عمير رضي الله عنه حين قدم إلى المدينة داعيًا ومربيًا، فكان يقرئ الناس القرآن
ويدعوهم إلى الله بهدوء وسكينة، حتى أقبل عليه أسيد بن حضير متشتّمًا بحربته، فقال
له مصعب: «أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره؟»(7)،
فلم يواجه انفعال أسيد بانفعال مثله، وإنما أتاح له أن يسمع، فكان هذا الهدوء
سببًا في إسلامه، ثم إسلام سعد بن معاذ ومن وراءهما من بني عبد الأشهل، وهكذا ظهر
أثر القيادة الهادئة في قدرتها على فتح القلوب قبل استقطاب المواقف.
وهذا لون من
القيادة التي لا تعتمد على كثرة الشعارات، وإنما على قوة النموذج، فالناس قد ينسون
كثيرًا من الكلمات، لكنهم يتذكرون الشخصيات التي جسدت المعاني أمامهم، ولذلك قال
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه للربيع بن خثيم: «يا أبا يزيد لو رآك رسول الله
صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين»(8)،
فهذه الشهادة لا تقف عند الثناء على الربيع، وإنما تكشف عن أثر شخصيته وسمته فيمن
حوله؛ حتى أصبح مجرد رؤيته يذكّر بمعاني الإخبات.
ومن هنا يظهر أن
القائد في الأسرة أو المؤسسة أو المجال الدعوي لا يحتاج دائمًا إلى زيادة
التصريحات، بل يحتاج إلى بناء الثقة من خلال الاتزان، والإنصاف، وحسن اختيار
الكلمة؛ فحين يتحول ما يدعو إليه الإنسان إلى سلوك يراه الناس فيه، يصبح حضوره
نفسه رسالة، ويغدو أثره أعمق من أثر الكلمات التي يقولها.
كيف يحمي التريث الإنسان من الانجراف الجماعي؟
كانت الكوفة في
عصر التابعين ميدانًا لكثير من النقاشات والانقسامات، وكان الإنسان معرضًا لأن
ينجرف مع تيارات المجتمع من حوله، وفي مثل هذا السياق كان ضبط اللسان حماية من
الدخول في مساحات لا ينتج عنها إلا الخصومة.
فالربيع بن خثيم
لم يكن بعيدًا عن المجتمع، لكنه كان مستقلًا عن ضغوطه، لم يجعل كل حدث يستدعي
تعليقًا، ولا كل نقاش يستحق مشاركة، بل ميز بين ما يحتاج إلى موقف وما يحتاج إلى
تجاوز، ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه حين بلغه مقتل الحسين بن علي، فقيل له:« قُتل
الحسين بن علي!»، فلم يندفع إلى التعليق على أحداث الفتنة، وإنما تلا قوله تعالى: (اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ
فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر: 46)(9)، ولم يزد
على ذلك كلمة، فكان صمته في لحظة مشحونة بالانقسام موقفًا واعيًا، يرفض أن يجعل
اللسان أداةً للانخراط في فتنة لا يملك زمامها.
وهذا المعنى
تؤكده وصية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال: «إنها ستكون أمور مشتبهات
فعليكم بالتؤدة فإنك أن تكون تابعا في الخير خير من أن تكون رأسا في الشر»،
فليس المطلوب من الإنسان أن يكون حاضرًا في كل موقف، ولا أن يتصدر كل خلاف، وإنما
أن يعرف متى يكون التريث خيرًا من المبادرة، ومتى يكون الابتعاد عن صخب الجماهير
أحفظ للدين والنفس.
ويؤصل القرآن
لهذا المنهج في التعامل مع الأخبار والأحداث التي تمس أمن الناس واستقرارهم، قال
تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ
أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)، فالآية ترشد إلى أن التعامل مع
الأحداث لا يكون بالإذاعة العاجلة والتفاعل غير المنضبط، وإنما بالرد إلى أهل
العلم والرأي والقدرة على تقدير الأمور؛ وبذلك يتحول الصمت من مجرد امتناع عن
الكلام إلى صورة من صور المسؤولية والوعي.
وهذا درس مهم في
عصر الإعلام المفتوح؛ إذ أصبح الإنسان يعيش وسط سيل متواصل من الأخبار والآراء
والتعليقات، والنجاح ليس في أن يكون حاضرًا في كل نقاش، بل في أن يعرف أي حضور
يضيف قيمة وأي حضور يستهلك القلب والعقل.
كيف تتحول مجاهدة النفس إلى عادة راسخة؟
يحمل رقم
العشرين في هذا الأثر دلالة قوية؛ فهو ليس موقفًا عابرًا ولا حالة مؤقتة، بل مدة
طويلة تكشف عن تحول السلوك إلى منهج حياة، فهذا الامتداد الزمني الطويل للصمت يكشف
أن الربيع بن خثيم لم يمارس ضبط لسانه في موقف عابر، وإنما واظب عليه حتى غدا سمة
ثابتة في سلوكه.
فبناء العادات
العميقة لا يتم بقرار لحظي، وإنما بتكرار مستمر حتى يصبح الاختيار الأخلاقي طبيعة
راسخة، وهذا ما يوضحه قول مورق العجلي: «تَعَلَّمْتُ الصَّمْتَ فِي عَشْرِ
سِنِينَ، وَمَا قُلْتُ شَيْئًا قَطُّ إِذَا غَضِبْتُ أَنْدَمُ عَلَيْهِ إِذَا
ذَهَبَ عَنِّي الْغَضَبُ»(10)، فعبارته «تعلمت الصمت في عشر سنين» تكشف
أن الصمت ليس قرارًا لحظيًا، بل عادة تُبنى بالتدرج وطول الممارسة.
ويقدم موقف سعيد
بن المسيب نموذجًا آخر للمداومة العملية، فقد قال: «ما أذَّن المؤذن منذ ثلاثين
سنة إلا وأنا في المسجد»(11)، فامتداد هذا السلوك ثلاثين سنة يكشف كيف
يمكن للممارسة المستمرة أن تجعل الفعل جزءًا ثابتًا من حياة الإنسان.
وهكذا يتضح أن
العادة الراسخة لا تتشكل دفعة واحدة، وإنما تنمو بالتدرج، وتثبت بالمداومة، حتى
يتحول السلوك من اختيار متجدد إلى جزء مستقر من حياة الإنسان.
متى يكون الإمساك عن النطق عين الحكمة؟
ليس كل صمت
محمودًا، كما أن ليس كل كلام مذمومًا؛ فالقيمة ليست في قلة الكلمات أو كثرتها،
وإنما في صدق المعنى وحسن المقصد.
كان صمت الربيع
بن خثيم صمتًا ممتلئًا بالذكر والتفكر والمراقبة، ولذلك أصبح كلامه قليلًا لكنه
عظيم الأثر، فالكلمة النادرة قد تكون أبلغ من الخطب الطويلة إذا خرجت من قلب حاضر
وعقل متزن، وهذا المعنى عبّر عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: «إذا تم
العقل نقص الكلام»(12)، فالصمت عند اكتمال العقل ليس عجزًا عن البيان،
وإنما اختيار لما يستحق أن يقال، وإمساك عما لا يليق أن يخرج.
ويتضح هذا
الميزان في قول الحسن البصري رحمه الله:« لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا
أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت»(13)، فالعاقل لا
يجعل الصمت غاية في ذاته، كما لا يجعل الكلام عادةً ملازمة له، وإنما يزن أثر
كلمته قبل أن ينطق بها؛ فإن كانت له قالها، وإن كانت عليه أمسك عنها.
وهذا هو الميزان
الذي قرره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(14)؛ فالصمت
هنا ليس غيابًا عن البيان، وإنما هو اختيار واعٍ حين لا يكون في الكلام خير، وبذلك
يصبح الصمت نفسه صورة من صور الحكمة.
تطبيقات فقه الكلمة في التربية والإعلام المعاصر
تحتاج المجتمعات
اليوم إلى استعادة فقه الكلمة؛ لا بمعنى إغلاق باب الحوار، وإنما بإعادة الاعتبار
للمعنى قبل الصوت، وللحكمة قبل السرعة، وقد عبّر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عن الفرق بين مجتمع يغلب فيه الفقه والعمل، ومجتمع يكثر فيه الكلام ويضعف فيه
العمل، فقال: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ كَثِيرٍ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ،
كَثِيرٍ مُعْطُوهُ، قَلِيلٍ سُؤَّالُهُ، العَمَلُ فِيهِ قَائِدٌ لِلْهَوَى،
وَسَيَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ قَلِيلٍ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٍ خُطَبَاؤُهُ،
كَثِيرٍ سُؤَّالُهُ، قَلِيلٍ مُعْطُوهُ، الهَوَى فِيهِ قَائِدٌ لِلْعَمَلِ»(15)،
فهذه المقارنة تجعل فقه الكلمة جزءًا من بناء المجتمع، إذ لا تكون كثرة القول قيمة
في ذاتها إذا لم تسندها الحكمة والعمل، وهذا الأثر لا يقف عند المقارنة بين حال
المجتمعات، بل يفتح بابًا لتطبيق فقه الكلمة في دوائر بناء الإنسان المختلفة؛ إذ
يبدأ أثره من الفرد، ثم يمتد إلى الأسرة والتعليم والإعلام.
ففي الأسرة،
يعني ذلك تعليم الأبناء أن التعبير مسؤولية لا مجرد تفريغ للمشاعر، وفي التعليم،
يعني بناء شخصية تعرف متى تسأل ومتى تنصت، وفي الإعلام، يعني مقاومة ثقافة الإثارة
التي تجعل الانتشار غاية ولو كان الثمن اضطراب الوعي.
والإنسان الذي
يملك لسانه يملك جزءًا كبيرًا من نفسه؛ لأنه لا يعود أسيرًا لكل انفعال أو رغبة في
الظهور، بل يصبح قادرًا على اختيار أثره قبل أن يختار عبارته، وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ،
وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ»(16)،
فيكشف هذا التوجيه عن الصلة الوثيقة بين استقامة اللسان وبناء الإنسان من داخله؛
فتهذيب الكلمة ليس سلوكًا منفصلًا عن الشخصية، وإنما هو جزء من إصلاح القلب
واستقامة الإيمان.
لقد ترك الربيع بن خثيم نموذجًا خالدًا؛ أن الإنسان قد يصنع حضورًا عظيمًا بأقل عدد من الكلمات، وأن بعض الرجال لا تُعرف عظمتهم بما أكثروا من القول، بل بما منعوا أنفسهم من قوله حتى لا يخرج إلا ما يستحق البقاء.
الهوامش
- 1 تصعد: «ارتقى وعلا» ومنه قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (فاطر: 10)، مادة «صعد»؛ والمقصود: أنه ما تكلم في حياته إلا بكلمة خيرٍ ونفعٍ تُرفع بها درجته عند الله تعالى، انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د أحمد مختار عبدالحميد عمر (2/ 1249).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 259).
- 3 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 351).
- 4 أخرجه البخاري واللفظ له (6478)، ومسلم (2988)، مختصرًا بنحوه.
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (4114)، ومسلم (2770).
- 6 سيرة عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز: ابن رجب الحنبلي (2/ 485).
- 7 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 59).
- 8 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: أبو الحجاج يوسف المزي، (9/ 72).
- 9 شعب الإيمان: البيهقي (7/ 297).
- 10 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 235).
- 11 المصنف: ابن أبي شيبة (3/ 272).
- 12 التذكرة الحمدونية: أبو المعالي بهاء الدين البغدادي (2/ 237).
- 13 البيان والتبيين: الجاحظ (1/ 155).
- 14 متفق عليه، أخرجه البخاري (6475)، ومسلم (47).
- 15 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 48).
- 16 أخرجه أحمد في مسنده (13048)، وابن أبي الدنيا في الصمت (9)، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2865).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً