; حول أصول الحوار في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان حول أصول الحوار في الإسلام

الكاتب إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1994

مشاهدات 97

نشر في العدد 1099

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 10-مايو-1994

 – موقع الحوار في منظومة القيم والمبادئ الإسلامية

سبقت الإشارة إلى أن الحوار في المنظور الإسلامي لا يمكن عزله عن بقية المنظومة الكلية للمبادئ والقيم الإسلامية التي تشكل فيما بينها نسقًا متكاملاً من المقاصد والوسائل والأخلاقيات، ومن أهم هذه القيم والمبادئ قيمة العلم وحرية التفكير ومبدأ «الشورى»، وتلك القيم والمبادئ يصعب تصورها بدون أن يكون «الحوار» وسيلة فعالة وآلة رئيسية لإنجازها وتحققها العملي.

إن الدعوة إلى الله تفترض ممارسة الحوار مع الذين توجه إليهم، بل ربما تطلبت نوعًا خاصًا من الحوار وهو الجدال؛ فإن حدث فلا بد من أن يكون بالتي هي أحسن، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125). وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت: 46).

وحرية التفكير وطلب العلم (1) قد جعلهما الإسلام واجبًا مفروضًا وليس حقًا فقط. والفرق بين الحق والواجب فرق مهم، ويتمثل في أن كل واجب يساوي الحق ويزيد عنه درجة؛ فهو يساويه إذا نظرنا إلى ذات الفعل أو من يقع عليه الفعل، فإذا نظرنا إلى الفعل وجدنا أنه مباح في حالة الحق والواجب، وإذا نظرنا إلى من يقع عليه الفعل وجدنا أنه مكلف بإتيانه مع شرط القدرة، ويزيد الواجب عن الحق إذا نظرنا إلى مصدر التكليف فالمكلف بالواجب ملزم بإتيانه، أما صاحب الحق فله أن يأتيه أو يتركه. وكان الفرق بين الحق والواجب لا يظهر إلا في مسؤولية المكلف بالواجب عند تركه فهو قد يتعرض للعقاب بترك الواجب، أما صاحب الحق فلا يتعرض بالترك لعقوبة ما.

وقد جعل الإسلام التفكير الحر وطلب العلم فريضة واجبة، وتوجه بآياته إلى أولي الأبصار، وأولي الألباب، وأولي النهى، وإلى الذين يتفكرون ويتدبرون ويعقلون. والتفكير وطلب العلم قد يثيران أسئلة ويطرحان متشابهات ومعضلات فلا بد من التواصل مع الآخرين من أهل الذكر لتحليلها وتقليب النظر فيها، ومن هنا تأتي أهمية الحوار باعتباره وسيلة مثلى للإقناع والاقتناع والتعلم والتعليم. وأما الشورى فهي من أعظم مبادئ الإسلام وقيمه التي تجعل «الحوار» وممارسته بين الفرقاء والمختلفين أمرًا لا مناص منه، فعن طريقه يتم تجسيدها باعتبارها كما قال ابن العربي «مسبار العقول» وألفة للقلوب، وسببًا إلى الصواب.

(2) إن ارتباط الحوار بتلك المبادئ والقيم من شأنه أن يؤدي إلى ترسيخه وذيوعه كأحد مكونات السلوك اليومي للفرد والجماعة، وذلك بما تضفيه عليه من قوة إلزامية مستمدة من قوة الواجب الديني «الإسلامي» الذي تقوم عليه الدعوة والشورى والتفكير وطلب العلم. وعلى مستوى أكثر تجريدًا يمكن القول إن الحوار بمعناه الواسع لا ينفك عن المهمات الثلاث الرئيسة لنبوة سيدنا محمد ﷺ، وهذه المهمات هي: 1- تبليغ الرسالة وبيان الشريعة. 2- تنفيذ الشريعة والحكم بها. 3- تزكية النفوس والتربية الروحية.

فالأولى مهمة دعوية وعلمية، والثانية مهمة سياسية شورية، والثالثة مهمة تربوية قائمة بصفة أساسية على دوام محاسبة النفس والفكر الأوّاب؛ بحيث يكون الفرد في حالة حوار دائم مع نفسه ومحاسبة لها أمام خالقه. ولا بد أن تتكامل هذه المهمات الثلاث وتتساند لتؤدي وظائفها في الحفاظ على حيوية المجتمع وضمان تجدده عبر آلية الحوار بمستوياته المختلفة التي تبدأ بالفرد الأوّاب الذي يحاسب نفسه أولاً، وتمر بالعالم الذي يقلب نظره في كل مجال ويعمل عقله وفكره بالحوار والجدال والمناظرة مع الالتزام بما للحوار من آداب وأخلاقيات.

3- آداب الحوار وأخلاقياته

باب الحديث عن آداب وأخلاقيات الحوار في الإسلام باب واسع ومليء بالتوجيهات والنصائح والإرشادات والحكم والمأثورات المفيدة، ويمكن الحصول على الكثير منها في كتب الطبقات، وتراجم العلماء، وكتب المناظرات، وأدب العالم والمتعلم (3). ومما يذكر أن مادة "أدب البحث والمناظرة" كانت تدرس في كليات الأزهر الشريف حتى منتصف الخمسينيات من هذا القرن، ثم ألغيت وحلت محلها مادة "مناهج البحث" على الطريقة التي تدرس بها في بعض كليات الجامعات المصرية الأخرى، حيث لا أثر لمسألة الآداب والأخلاقيات، وهذا مما يؤسف له أشد الأسف. ومن أهم آداب وأخلاقيات الحوار ما يلي:

النية الصادقة الخالصة لله سبحانه وتعالى: فليس المقصود أن يظهر أطراف الحوار البراعة، وسعة الاطلاع، أو أن يحوزوا الإعجاب والثناء، يقول الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسوفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 114). وقد شدد علماء السلف على مسألة النية وضرورة تصحيحها دومًا، إلى حد أنهم نصحوا بأن يتوقف المحاور عن النقاش إذا وجد نفسه قد تغيرت ودخلت في العجب أو داخلها الكبر والتيه بما يقول.

الابتعاد عن روح التحدي: والحرص على كسب القلوب أهم من كسب المواقف وأهم من إفحام الطرف الآخر، فالهدف من الحوار هو الوصول إلى الحق وبيان وجه الصواب، سواء تم ذلك على يديك أو على يد شريكك أو شركائك في الحوار.

ونقل عن ابن المقفع قوله: «تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام.. ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي كلامه وقلة التلفت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول».

العلم، إذ يجب أن يكون المحاور على علم بموضوع الحوار، والظن لا يغني من الحق شيئًا، وحق الاعتراض والتخطئة والتصدي للمحاورة لا يتأتى للجاهل ولا يقبل منه ومن لا يعلم ما يحتاج إليه السامع فذلك رعونة وإيذاء.

والمحاور غير الخطيب، وفي أكثر الحالات يكون صاحب الصوت الأعلى قليل المضمون ضعيف الحجة، لذا يحسن بالمحاور ألا يرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع.

ويحسن تجنب استعمال ضمير المتكلم قدر الإمكان خشية الوقوع في مدح النفس وفساد النية، وهذا الأسلوب من الحديث يترك انطباعًا سلبيًا لدى السامع يجعله ينفر منه ويزهد فيه، والإنسان بطبعه يكره من يتعالم أو يبدو كأنه يتعالم ولو بغير قصد.

احترام الطرف الآخر، وإنزال الناس منازلهم مهما كان الاختلاف معهم، والبعد عن الحدة والتعنيف؛ فقد أمر الله تعالى موسى وأخاه بلين القول لفرعون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} (طه: 44).

ومن المأثور عن الإمام الشافعي قوله: «ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعاون، وتكون عليه رعاية الله وحفظه، وما ناظرني أحد فباليت أظهرت الحجة على لسانه أو على لساني».

عدم التعصب للرأي؛ إذ إن التعصب يعني عدم قبول الحق عند ظهور الدليل، وهو زراية بالعقل الذي فضل الله به الإنسان على الحيوان، وقد يقود التعصب إلى الشقاق، وهو أن تتسع هوة الخلاف إلى الدرجة التي لا لقاء فيها، ولذلك سمي الشقاق، وهو مذموم شرعًا.

ويمكن تجنب هذا التعصب إذا ربي الشخص على معرفة أنه بشر يصيب ويخطئ، فمن الطبيعي أن يخطئ في حواره ومناقشاته مع غيره، ويلزمه أن يسلم بخطئه حالما يتبين له وجه الصواب؛ وقد روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد).

لا تغضب ولا تحاول أن تحمل الناس على ما تراه حقًا وصوابًا، إذ لا إكراه في الدين؛ فمن باب أولى ألا يكون إكراه في وجهات النظر.

عدم الاستئثار بالكلام وحرمان الطرف الآخر؛ ومن قديم توارث الناس حكمة تقول: إن الله خلق للإنسان لسانًا واحدًا وأذنين اثنتين ليكون ما يسمعه أكثر مما يقوله. وحديثًا قال الشاعر: إن بعض القول فن.. فاجعل الإصغاء فنا

إن الحوار في جوهره يعني الإقرار بالاختلاف سنة من سنن الله في الحياة، وبأن الكون مبني على الاتساق والوحدة من خلال الاختلاف والتنوع، ويعني الحوار أيضًا الاعتراف بالآخر واحترامه والاستعداد والرغبة في التسامح والإقرار بالتعددية بأوسع معانيها على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي والديني.

وإن عملية تحويل الحوار من مبادئ وأصول وآداب وأخلاقيات وخبرات سابقة إلى واقع وممارسة اجتماعية وسياسية راهنة تتطلب بذل وتنظيم الجهود في أربعة مسارات متوازية ومتكاملة:

  1. المسار العلمي النظري.

  2. المسار التبشيري الدعوي.

  3. المسار التربوي الاجتماعي.

  4. المسار السياسي العملي.

وبذلك يمكن أن يكتسب الحوار معناه وقيمته، ويمكن أن يثمر ويسهم في مواجهة أزمات واستقطابات الواقع والمستقبل، وبغير ذلك سوف تظل العلاقة بين الفكرة والواقع علاقة واهية ويظل القول في معزل عن الفعل بل في تضاد معه.

والأكثر مأساوية من ذلك هو أن يتوهم البعض أنه يؤمن بالحوار ويمارسه إذا التقى بمخالفه وأسمعه ولم يسمع منه، ودعاه لمراجعة نفسه ونقد ذاته ولم يدع نفسه ويبدأ بها، وما ذلك بحوار.


خاتمة: نحو تأسيس الحوار في واقعنا المعاصر

إن الدعوة إلى ممارسة الحوار في ظل الواقع المتأزم أصبحت مطلبًا عامًا، كما أن العمل على إحياء فضائله الفكرية والسياسية والعلمية هو واجب عقيدي وديني ووطني إنساني. والجهود الراهنة الساعية لتأسيس الحوار في الواقع الاجتماعي الحاضر لن تبدأ من الصفر، بل إنها سوف تبني على أسس وأصول قوية لها قداسة دينية وعقيدية، كما أنها يجب أن تستفيد من المخزون التاريخي في مجال الممارسة والتجربة العملية سواء كان هذا المخزون من تراث أمتنا الإسلامية أو من تراث الأمم الأخرى.

الهوامش

1- راجع بصفة خاصة: عباس محمود العقاد، التفكير فريضة إسلامية (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، ب. ت). وراجع أيضًا: الشيخ محمد عبده: الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية (مصر: مطبعة المنار، 1367 هـ). 2- نقلاً عن: د. توفيق الشاوي: فقه الشورى. 3- يراجع في ذلك على سبيل المثال:

  • د. محمد محيي الدين عبد الحميد: رسالة الآداب في علم أدب البحث والمناظرة (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، ب. ت).

  • ابن جماعة: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم (طبعات متعددة).

  • الشيخ عبد الباسط بن موسى بن محمد العلموي: المعيد في أدب المفيد والمستفيد (دمشق: 1349 هـ).

  • طه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام (قطر: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، كتاب الأمة رقم 1، جمادى الأولى 1405 هـ).


* ماجستير في العلوم السياسية - باحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية - مصر.

الرابط المختصر :