كيف فجَّر «حلم إيفانكا ترمب» أقوى الاحتجاجات الألبانية ضد الفساد؟

جمال خطاب

10 يونيو 2026

15

كشف شعار «ألبانيا ليست للبيع» عن أمة تحترم ذاتها، ولن تبيع مبادئها من أجل الاستثمار.

قالت: هكذا وجدناها، سبحنا إلى الجزيرة، وصعدنا حفاةً إلى القمة، وانبهرنا بجمالها، وها قد سنحت لنا الفرصة للمساهمة في تحقيق إمكاناتها.

لو أن المرأة التي شاركت رغبتها في تحسين جزيرة كانت امرأة أجنبية عادية نزلت من قارب للمهربين، لكان حلمها قد تبدد في أحد مراكز احتجاز المهاجرين التي بنتها الحكومة الألبانية مؤخرًا بالتعاون مع إيطاليا.

لكن القارب المشار إليه كان يختًا فاخرًا بملايين الدولارات، والمرأة التي صعدت حافية القدمين إلى القمة كانت إيفانكا ترمب.

لم يتطلب تحقيق حلم إيفانكا سوى استدعاء رئيسة وزراء ألبانيا، إيدي راما، وتطوّع زوجها، جاريدكوشنر، وإحدى شركاته لتحويل محمية طبيعية إلى منطقة عقارية فاخرة.

والآن تصرّ الحكومة الألبانية على أنها لم تبرم أي اتفاق نهائي، لكنها لا تُخفي حماسها، ومن يلومها على ذلك؟

فبعد عقود من الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية، ومفاوضات مطوّلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فقدت ألبانيا أكثر من 1.2 مليون مواطن بسبب الهجرة، والبلاد تعاني من انخفاض مستوى التصنيع، ولديها قطاع زراعي في أمسّ الحاجة إلى التحديث، وقطاع تعليم عالٍ يعاني أزمة منذ أن خصخصت الجامعات في التسعينيات.

ومع انعدام رأس المال الصناعي والمالي والبشري لعرضه في السوق العالمية، لم يبقَ أمامها سوى استغلال الطبيعة، حتى السياحة، التي تشهد انتعاشًا مؤخرًا، تطلّبت حملة حكومية مُنسّقة لتحسين صورة البلاد.

تجريب المجرب وتخريب المخرب!

التنمية المستدامة وحماية البيئة مطالب سهلة المنال، لكنها مكلفة وصعبة التحقيق، ولكن ألبانيا في ظل العولمة التنافسية، تحقق قطاعات العقارات والسياحة الفاخرة نموًا أسرع، حتى رغم أن هذا يُفاقم عدم المساواة ويستنزف الموارد الطبيعية، والنماذج المطروحة هي تلك التي جربتها الدول الغنية قبل 30 عامًا وتندم عليها الآن.

الألبان يدركون أن المضاربة العقارية دون دعم حكومي تعني أن المواطنين العاديين سيُعانون من أجل شراء شقة أو حتى دفع إيجارها، ويدرك الألبان أن السياحة الفاخرة التي تجعل قضاء العطلات في وطنهم امتيازًا لا تفيد إلا فئة قليلة، ففي ظل غياب النقابات العمالية، ووجود حركة عمالية متكلسة لم تكن تظهر إلا في لقطات من الحقبة الشيوعية لمسيرات عيد العمال، أصبحت ظروف العمل ظروفاً استغلالية شديدة القسوة، والحل الوحيد أمام الألبان ليس سوى حمل أمتعتهم والانتقال إلى بلدان أخرى، ليواجهوا الإساءة وكراهية الأجانب، يُخفون هويتهم عن الأنظار، مُدركين أن هذا هو ثمن مستقبل أبنائهم.

في انتظار حلم الانضمام إلى أوروبا

في مايو 2025م، فاز الحزب الاشتراكي الحاكم في الانتخابات للمرة الرابعة، بلغت نسبة المشاركة حوالي 44%، وهي أدنى نسبة تاريخية، على الرغم من توسيع نطاق التصويت ليشمل الألبان في الشتات لأول مرة، لم يكن هناك برنامج انتخابي، ولا نقاش مبدئي مع المعارضة (التي ظهر زعيمها سالي بيريشا في أغلب الأحيان بصورة بومة على وسائل التواصل الاجتماعي الحكومية)، في بلد يؤيد فيه أكثر من 90% من المواطنين التكامل الأوروبي، كان يكفي تغطية اللوحات الإعلانية بصور جوازات سفر أوروبية والتركيز على تاريخ واحد؛ الانضمام بحلول عام 2030م.

الوجه الآخر للتكامل الأوروبي

هذا هو الوجه الآخر للتكامل الأوروبي؛ انتقاد الحكومة يتحول إلى معارضة لأوروبا نفسها، لا يوجد خيار بين رؤى متنافسة للمجتمع، بل بين جهات مختلفة تدير المسار الحتمي نفسه، مع اختزال السياسة إلى حكم تكنوقراطي، أصبح الفساد العدسة الوحيدة التي يُقرأ من خلالها الصراع السياسي، وكأن مجتمعات ما بعد الشيوعية تحمل الفساد في جيناتها.

لسنوات طويلة، تقبّل الألبان هذا الوضع بنفس الاستسلام للقدر الذي يتقبّل به المرء كارثة طبيعية، والآن، ينتفض الشباب، وتتعلق الاحتجاجات الحالية بقانون صدر مؤخرًا بشأن الاستثمارات الإستراتيجية، الذي يرسخ سيطرة الأوليجارشية على الدولة، تصاعدت الأمور عندما دخلت آليات ثقيلة إلى منطقة رطبة ساحلية محمية، وانتشر مقطع فيديو يُظهر حراس أمن خاصين يعتدون بالضرب على متظاهر بينما وقفت شرطة الولاية مكتوفة الأيدي.

في ألبانيا نشأ جيلٌ كامل على الاعتقاد بأن الأسئلة الوحيدة المطروحة ترتبط بسرعة بناء البنية التحتية للسياحة، وسرعة الاندماج في الاتحاد الأوروبي، وكفاءة جذب الاستثمارات، هؤلاء يتساءلون الآن: هل يجب أن يكون الوضع هكذا؟ هل يجب أن تكون الديمقراطية حكم حفنة من الأثرياء؟

لماذا الآن؟

ما يحدث الآن من احتجاجات مثالٌ مُلهمٌ للنشاط المدني لم تشهده ألبانيا منذ سقوط الشيوعية، ولا شك أن تسليط الضوء الإعلامي على عائلة ترامب قد ساهم في بروزها دوليًا.

ولكن لماذا الآن؟ رغم أن المعارضة حاولت عبثًا لسنوات حشد الرأي العام ضد الفساد، ولكن جاءت إيفانكا، وكوشنر، ليفجرا احتجاجات عارمة أُضرمت النيران في البرلمان وأُلقيت زجاجات حارقة على المباني الحكومية!

الهوامش
  • 1 الكاتبة: ليا يبي، «الجارديان».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة