الاعلام في عالم متوتر

حرية الصحافة في عالم تزداد فيه وسائل الإعلام وتقل الحرية

جمال خطاب

25 ديسمبر 2025

383

جيمس رودجرز (*)

 

في 10 ديسمبر الجاري، بلغ عام 2025م محطة دموية جديدة، ففي عام 2024م، سجّلت  لجنة حماية الصحفيين (CPJ) مقتل 126 صحفياً وعاملاً في الإعلام، وهو أعلى رقم منذ أن بدأت اللجنة حفظ السجلات عام 1992م، وفي عام 2025م، تكرر الرقم نفسه مع بقاء 3 أسابيع على نهاية العام.

الصحفيون الفلسطينيون دفعوا الثمن الأعلى

جنسية واحدة، هي الفلسطينية،  دفعت الثمن الأعلى بلا منازع، فقد ذكرت لجنة حماية الصحفيين: إن «إسرائيل» قتلت ما يقارب 250 صحفياً منذ اندلاع حرب «إسرائيل»-غزة عام 2023م.

ما الذي يعنيه ذلك لفهم الجماهير لعالم تهيمن عليه الحروب، وأزمة المناخ، والسياسات غير المتوقعة؟

منذ بدايات الولايات المتحدة، مروراً بالثورات الأوروبية في القرن التاسع عشر، ارتبطت المعلومات بالحرية، ففي عام 1787م كتب توماس جيفرسون: «لو تُرك لي أن أقرر ما إذا كان ينبغي أن يكون لدينا حكومة بلا صحف، أو صحف بلا حكومة، فلن أتردد لحظة في تفضيل الخيار الأخير، صحف بلا حكومة».  

وسائل إعلام أكثر وحرية أقل

وصلنا اليوم إلى كمٍّ من وسائل الإعلام أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية، لكن هذا الكم الهائل من المعلومات لم يؤدِّ بالضرورة إلى معلومات أكثر موثوقية، فالحكومات وشركات التكنولوجيا الساعية للسيطرة على الرسائل غالباً ما تنجح في التشويش.

«إسرائيل» منعتدخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، فيما يواصل الصحفيون الفلسطينيون، رغم الأخطار الكبيرة، نقل الأخبار من داخل القطاع.

أما روسيا، فقد فرضت قيوداً على تغطية عمليتها العسكرية الخاصة –أي الحرب– في أوكرانيا.

قبل جيل مضى، عندما بدأت لجنة حماية الصحفيين تسجيل بيانات عن وفيات الصحفيين، كان الوضع مختلفاً.

فقد سمح سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة لوسائل الإعلام الدولية بحرية العمل كما لم يحدث من قبل في دول الكتلة السوفييتية السابقة، ومع تبني تلك الدول للتغيير السياسي، شجعت على ازدهار إعلام أكثر حرية داخل مجتمعاتها الجديدة، صحيح أن هذه الوسائل الإعلامية كانت غالباً متأثرة بالمصالح السياسية والاقتصادية –كما هي حال الإعلام عادة– لكن كان هناك تعددية حيث لم يكن هناك سوى الخط الحزبي الواحد.

11 سبتمبر قلصت من حرية الصحافة

لقد كانت تسعينيات القرن الماضي، رغم عدم كمالها كحقبة لحرية الصحافة، أفضل مما تلاها، وكما جادل الأكاديمي الإعلامي والمراسل الأجنبي السابق بيتر جريست بشكل مقنع، فإن ما أعقب  أحداث 11 سبتمبر شهد تمدداً لسلطة الدولة لتشمل السيطرة على المعلومات والأفكار، وقد فعلوا ذلك عبر توسيع تعريفات ما يُعتبر إرهاباً وأمناً قومياً.

كلمات جريست كانت نابعة من الثمن الذي دفعه شخصياً بسبب عمله الصحفي، ففي أواخر عام 2013م، اعتُقل مع زميليه محمد فاضل فهمي، وباهر محمد في مصر بتهم تتعلق بالإرهاب، وهناك قضى 400 يوم في السجن، وكانت التهمة أنه تحدث إلى جماعة الإخوان المسلمين ضمن عمله الصحفي، وقد كتب حينها: «كيف يمكن أن تنقل بشكل دقيق وعادل الصراع السياسي المستمر في مصر دون التحدث إلى جميع الأطراف المعنية؟!».

الجميع يعيق الوصول إلى المعلومات

ليس جديداً أن تسعى الحكومات إلى السيطرة على الإعلام، الجديد هو أن الولايات المتحدة باتت تفخر بكونها ضمن هذه الدول، ربما لم يكن جيفرسون ليُعجب بما تفعله الحكومة الأمريكية الحالية، خاصة سياستها الأخيرة التي تقيد وصول الصحفيين إلى البنتاغون إذا رفضوا هم أنفسهم القيود المفروضة على تغطيتهم.

الكلمات التي تلت نقاش جيفرسون حول المفاضلة بين الحكومة والصحف أقل شهرة؛ «لكنني أعني أن يتلقى كل إنسان تلك الصحف ويكون قادراً على قراءتها».

وبغض النظر عن اللغة القديمة ذات الطابع الذكوري، فإن هذه هي المشكلة اليوم، فبينما لدينا المزيد من وسائل الإعلام، لدينا حرية إعلامية أقل بكثير.

في عصر الإعلام الجماهيري، كانت المؤسسات الإخبارية تسيطر إلى حد كبير على وسائل التوزيع، أما اليوم، فقد أخذت شركات التكنولوجيا زمام المبادرة، لا يستطيع الجميع تلقي الصحف، وحيث لا تُفرض الرقابة رسمياً، يصبح الوصول للأخبار أصعب وأكثر تكلفة، بخلاف محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.

قد تُعدّل الخوارزميات لتمنحنا المزيد من مقاطع الفيديو عن القطط، وأقل من الأسئلة الجادة، لكن الحكومات والمجرمين يفرضون قيوداً مادية، تصل إلى حد القتل، على عمل الصحفيين.. السياسيون الأقوياء يستخدمون الإجراءات القانونية –أو التهديد بها– لإسكات المؤسسات الإخبارية الموثوقة.

في مسيرتي السابقة كمراسل دولي، غطيت حروباً في الاتحاد السوفييتي السابق والشرق الأوسط، في التسعينيات والألفينيات، كان الصحفيون غالباً مقيدين من قبل الحكومات التي لا تريد أخباراً سيئة عنها، لكن نادراً ما كانوا يُمنعون الأخبار تماماً كما يحدث الآن بشكل متزايد.

في غزة وروسيا، الصحفيون الدوليون غير قادرين على الوصول إلى الأماكن التي يحتاجون إليها لنقل الأخبار، وفي كلا الحالتين، يخاطر الصحفيون الشجعان من تلك الدول بالتعرض للخطر وحتى الموت لمحاولة إخبار العالم بما يحدث.

القيود المفروضة على الصحفيين اليوم قد تعني للبعض أن الحكومات تبدو وكأنها تنتصر في الوقت الراهن، لكن صراعها مع وسائل الإعلام ورغبتها في السيطرة عليها تؤكد أن الصحافة ما زالت تحتفظ بقوة التحدي.

__________________

(*) محاضر في الصحافة الدولية، جامعة سيتي سانت جورج، لندن

المصدر: «ذا كونفرزيشن».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة