كيف تكسب احترام الآخرين؟ 5 سلوكيات تصنع وقارك

يُعدّ حسن الخلق الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الإسلام، والغاية الأسمى للرسالة المحمدية؛ ويتجلى ذلك بوضوح في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (رواه أحمد)، وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم لحسن الخلق وجعله بمثابة القيام والصيام، فقال: «إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم والقائم» (رواه أبو داود)، وقال: «إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاق» (رواه الترمذي)، ويقول مؤكداً أن حسن الخلق يأسر قلوب الناس: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» (رواه أبو يعلى).

فمسألة الأخلاق في الدين ليست مسألة ثانوية أو اختيارية يقبل عليها البعض ويعرض عنها آخرون وفق أهوائهم وأمزجتهم وحالاتهم النفسية، إنها أساس داعم للبناء الإسلامي ككل، ومكون من مكونات شخصية المسلم لا يمكن تجاهلها، أو اختيارها، وهي العمل الأعظم الذي يقرب صاحبه من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، بل وهو عامل الإصلاح الأقوى في المجتمع المسلم.

وهناك مجموعة قيم يسيرة في فعلها، عظيمة في أثرها يجب على المسلم أن يجعلها عادة من عاداته اليومية يتعامل مع الناس بها بصورة تلقائية، يدرب نفسه عليها حتى تصير له خلقاً لازماً، لتكون النتيجة حباً وتقديراً واحتراماً من الناس له.

أولاً: احترام المواعيد ودقتها:

يعنى الإسلام كثيراً بمسألة الوقت، وقد وردت النصوص متعددة لتؤكد قيمته، فهو عمر الإنسان المنقضي مع كل ثانية، والمسلم الواعي يراعي ذلك ويستثمر كل دقيقة فيه فيما يدخره ليوم القيامة من طاعات، فيجب على المسلم احترام وقته، وكذلك احترام أوقات الآخرين.

لذا، يحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على استثمار الوقت فيقول: «لا تَزولُ قدمَا ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربع: عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ، وعن شبابِهِ فيمَ أبلاهُ، وعن مالِهِ من أين اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وماذا عَمِلَ فيما عَلِمَ» (أخرجه البزار والطبراني).

كما عَدَّ صلى الله عليه وسلم تضييع المواعيد سِمة من سمات النفاق، فقال: «أَرْبَعُ خِلالٍ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنافِقًا خالِصًا: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ، ومَن كانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها» (رواه البخاري).

ثانياً: الاعتذار.. شجاعة أخلاقية لا علامة ضعف:

واهمٌ من يرى في الاعتذار نقصاً في القدر أو اهتزازاً في الهيبة، فالواقع يُسقط هذا الوهم جملة وتفصيلاً، فالناس تحترم من يعترف بخطئه ويعتذر عنه أكثر من احترامهم للمكابر والمبرر.

وفي الهدي القرآني نتعلم من قصص الاعتذار الكبرى، فيقول تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 37)، وعندئذ تشعر بأن كلمات الاعتذار كانت تبحث عنه بشوقٍ ولهفةٍ؛ كما كان يبحث هو عنها، وهذا يعلمنا خلقًا قرآنيًا جميلًا؛ هو أن نُسهل للناس سبل التوبة والأوبة، ولا نضع سيف الخطأ والإساءة على رقابهم.

ثالثاً: شكر الناس.. عادة تصنع المحبة:

كل إنسان في هذه الدنيا حين يقدم معروفاً، أو يحسن عملاً، يحب أن يرى من الناس تقديراً واستحساناً؛ تشجيعاً له على الاستمرار في هذا النهج، وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين شكر الله وشكر الناس، فقال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (أخرجه الترمذي، وأحمد)، ويقول أيضاً: «من صُنِعَ إليه معروفٌ، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء»، وفي رواية: «من أولى معروفًا أو أُسْدِيَ إليه معروف، فقال للذي أسداه: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء»(1).

والملاحظ مجتمعياً أن معظم العلاقات الاجتماعية تفتر بسبب اعتياد المعروف حتى يصبح وكأنه حق مكتسب لا يستحق التقدير.

رابعاً: الإنصات.. المهارة التي يفتقدها الجميع:

معظم الناس لم يعودوا يستمعون من أجل الفهم، وإنما ينتظرون دورهم في الكلام، ولذلك أصبح الإنصات الجيد من أندر المهارات الاجتماعية، والإنصات والإصغاء للناس ليس فناً ومهارة فحسب، بل هو سُنة نبوية؛ فنرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستمع لزوجاته باهتمام ولا يقاطعهن.

وفي حديث البخاري عن أبي زرع، وأم زرع، ذلك الحديث الطويل الذي حكته السيدة عائشة رضي الله عنها، كانت أم المؤمنين عائشة تحكي ولم يقاطعها النبي صلى الله عليه وسلم، بل وعقب بطمأنتها حين رآها حزينة على نهاية قصة الحب بين الزوجين، فقال صلى الله عليه وسلم لها: «سأكون لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك».

وقد مدح الله الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لأن الاستماع الحقيقي يحتاج إلى تواضع وصبر ورغبة في الفهم.

خامساً: حفظ الأسرار.. أساس الثقة:

والثقة لا تبنى بين الناس بمجرد الكلمات، بل بالأمانة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المجالس بالأمانات» (رواه أبو داود)، فكثير من الخلافات يمكن إعادة بنائها، ويمكن التسامح بها، إلا خيانة الثقة فمن الصعب التسامح بها.

وما زالت هناك الكثير من الأخلاقيات التي تجلب محبة الناس واحترامهم وكسب تقديرهم، مثل الوفاء بعهودهم، وضبط النفس حين تغضب منهم ومراعاة الود والأخوة في الله فيما بينهم وبهذا ينضبط المجتمع، ويسود به المحبة والشعور بالأمان والاحترام حتى ولو كانت هناك خلافات طبيعية بين أفراده سواء كان مجتمعاً صغيراً كالأسرة الواحدة، أو مجتمعاً كبيراً يشمل الأمة الإسلامية بأسرها.

إن الاحترام لا يشترى بالمال، ولا يفرض بالمكانة، بل يبنى بتصرفات صغيرة تتكرر كل يوم حتى تصبح جزءاً من شخصية الإنسان، وربما لا يملك الإنسان أن يجعل الناس جميعاً يحبونه، لكنه يستطيع أن يجعلهم جميعاً يثقون به ويحترمونه إذا التزم بهذه الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وجعلها طريقاً إلى محبة الله.

الهوامش
  • 1 ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 102).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة