10 مفاتيح لغرس القيم الأخلاقية
من روائع ما سطر
ابن القيم أنه قسم الأخلاق إلى قسمين، فجعل منها ما هو فطري واستدل على ذلك بحديث
النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس: «إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم
والأناة»، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله
جبلك عليهما»، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله. (رواه أبو
داود).
ومنها ما هو
مكتسب بفضل الله ثم بالإرادة الإنسانية والسعي نحو ذلك، واستدل على ذلك بحديث
النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها
إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت» (رواه مسلم)(1).
وبالرغم من أن
الإنسان يولد ببعض الخصال الفطرية سواء كانت إيجابية أو سلبية، فإن الله عز وجل قد
أعطي للإنسان القدرة على تغيير ذاته وبناء القيم الأخلاقية إن هو عقد النية
الصادقة على ذلك، وسلك طريق التغيير الإيجابي.
وفيما يلي 10
مفاتيح مستقاة من الكتاب والسُّنة تساعد على بناء الشخصية الأخلاقية:
أولاً: الإيمان بربوبية الله تعالى وألوهيته:
الأخلاق
الحقيقية تنبع من الداخل، وأقوى ما يغرسها في القلب هو الإيمان العميق بأن الله
يراقب الإنسان في السر والعلن، فالذي يستحضر نظر الله إليه لن يظلم أحدا، ولن يخون
أمانة، ولن يسيء إلى الناس، والعقيدة الصحيحة هي أصل الصلاح في كل عمل، «فإذا
اعتقد الشخص أن هناك جنة وناراً، عمل لما يكون سبباً لدخوله الجنة، وترك ما يكون
سببا لدخوله النار، ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا قبل البعثة كسائر
كثير من العرب ممن يتصفون بالشدة والقسوة والغلظة، ولما دخلوا في الإسلام، وخالطت
بشاشة الإيمان قلوبهم، رقت طباعهم، وحسنت أخلاقهم»(2).
ثانياً: الاقتداء بالنبي:
لا يمكن الحديث
عن الأخلاق في الإسلام دون الوقوف عند شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وهو
النموذج الإنساني الأكمل أخلاقاً، وقد وصفه الله تعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)
(القلم: 4)، وحين سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه قالت: «كان
خلقه القرآن» (أخرجه أحمد)، وقال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:
21).
ثالثاً: مجاهدة النفس:
يقول تعالي: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:
69)؛ وفي الآية دليل على أن جملة من الأخلاق تكتسب بالمجاهدة والتدريب
والتربية حتى تتحول الأخلاق لطبيعة مستقرة للنفس.
يقول الإمام ابن
عقيل الحنبلي: «ولو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والانتهاء عن
محارم الله إلا أن يعطف عليك، فيسخرها لك، ويطوعها لأمرك حتى تنقاد لك، ويسقط عنك
مؤونة النزاع لها والمجاهدة، حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها، إذا
كان عند الله خبيثا، وتؤثر العمل لله، وإن كان عندها بالأمس كريها، وتستخفه وإن
كان ثقيلاً، حتى تصير رقا لك، بعد أن كانت تسترقك»(3).
رابعاً: الصحبة الصالحة:
والإنسان
بطبيعته يتأثر بمن حوله وصحبته المقربة حتى ولو لم يرد ذلك، ولذلك كانت الصحبة
الصالحة من أهم عوامل حسن الخلق، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ
عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكمْ مَنْ يُخَالِل» (رواه أبو داود)،
وقال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (متفق عليه)، فمصاحبة أهل الصدق والرحمة
والكرم تورث الإنسان شيئاً من أخلاقهم، بينما صحبة أصحاب السلوك السيئ قد تجره
تدريجاً إلى طباعهم.
خامساً: قراءة سير العظماء:
ولأن الأسلوب
القصصي من أكثر الأساليب التربوية تأثيراً في النفس، فإننا نجد أن القرآن الكريم
قد اعتمد عليها في جانب كثير منه كأقرب وسيلة لتبليغ القيمة التربوية للمتلقين،
قصص الأنبياء والصالحين غير ما تقدمه من نماذج حية للصبر والشجاعة والرحمة،
فالقراءة عنهم أدعى للاقتداء بهم ومحاولة التنافس معهم في أعمالهم.
سادساً: العلم:
يقول ابن القيم:
«كل ما كان في القرآن من مدح للعبد فهو من ثمرة العلم، وكل ما كان من ذم للعبد فهو
من ثمرة الجهل»(4)، والعلم المطلوب هو علم الكتاب والسُّنة كما فهمه
السلف الصالح، أو كما قال ابن حزم: «العلم هو ما قربك من خالقك سبحانه وتعالى، وما
أعانك على الوصول إلى رضاه»(5).
سابعاً: ضبط الغضب:
معظم الأخطاء
الأخلاقية تحدث نتيجة فرط الغضب أو في لحظات يفقد الإنسان قدرته على التحكم في
ذاته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك
نفسه عند الغضب» (أخرجه البخاري، ومسلم).
ثامناً: التواضع:
يفتح خلق
التواضع كافة أبواب الأخلاق، بينما يغلقها الكبر، فالمتكبر يصعب عليه الاعتذار
والاعتراف بالخطأ أو حتى احترام الآخرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا
يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (أخرجه أحمد)، أما خلق التواضع فهو
يحمل في طياته الرحمة والتسامح والعدل وهي أعلى الأخلاق وأهمها.
تاسعاً: محاسبة النفس:
من أهم وسائل
تهذيب الأخلاق أن يقف الإنسان مع نفسه بين الحين والآخر، يراجع سلوكه ويقيم
أفعاله، ويحاسبها على تقصيرها، وأهم ما قيل في هذا هو قول عمر بن الخطاب: «حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على
من حاسب نفسه في الدنيا»(6)، فالمراجعة الصادقة للنفس تساعد الإنسان
على اكتشاف أخطائه وتصحيحها قبل أن تتحول إلى عادات راسخة.
عاشراً: الدعاء وطلب العون من الله:
وكل عمل يحتاج لنجاحه لتوفق الله تعالى، وليس أقرب من الدعاء يحقق التوفيق ويستعين به الإنسان على ما يشكل عليه ويثقل، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» (رواه الترمذي)، وقال: «ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها» (رواه أحمد).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً