كيف تصنع القيادة مكانة الرجال؟ عمر بن الخطاب مع زيد بن صوحان
أورد الذهبي
عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ أَبِي الهُذَيْلِ أنَّ وَفْدَ الكُوْفَةِ قَدِمُوا عَلَى
عُمَرَ، فِيهِم زَيْدُ بنُ صُوْحَانَ فَجَاءهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ
يَسْتَمِدُّ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الكُوْفَة! إِنَّكُم كَنْزُ أَهْلِ
الإِسْلَامِ، إِنْ اسْتَمَدَّكُم أَهْلُ البَصْرَةِ أَمْدَدْتُمُوْهُم، وَإِنِ اسْتَمَدَّكُم
أَهْلُ الشَّامِ أَمْدَدْتُمُوْهُم، وَجَعَلَ عُمَرُ يُرَحِّلُ لِزَيْدٍ، وَقَالَ:
يَا أَهْلَ الكُوْفَةِ! هَكَذَا فَاصْنَعُوا بِزَيْدٍ، وإلا عذبتكم»(1).
يمثل هذا الخبر
مشهدًا صغيرًا في حجمه، عظيمًا في دلالته؛ فهو لا يعرض مجرد تصرف شخصي من أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا مجرد ثناء على رجل من رجال الكوفة، بل
يكشف عن منهج متكامل في صناعة القيادة، وإدارة المجتمع، وحماية أهل الفضل من أن
تضيع منزلتهم بين الناس.
والخبر منقول في
كتب التراجم ضمن أخبار زيد بن صوحان رحمه الله، وهو من رجال الصحابة والتابعين
الذين عُرفوا بالفضل والبذل، ويظهر فيه تعامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الرموز
الاجتماعية بمنطق يوازن بين الرحمة والحزم، وبين تقدير الأشخاص وحفظ مصلحة
الجماعة.
كيف أسس النبي ثقافة التقدير العلني لأصحابه؟
كان النبي صلى
الله عليه وسلم يحرص على إبراز مكانة ذوي المكانة أمام الناس، تقديراً لهم ودعوة
للاقتداء بهم، ويدل على ذلك ما ثبت عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي
بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ،
وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو
عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ»(2).
ففي الحديث
دلالة على فضل تقديم ذوي الفضل، والاعتزاز بهم، بل إنه صلى الله عليه وسلم كان
يحرص أحياناً إيضاح المكانة الاستثنائية لبعض أصحابه، فقد أعلى مكانة أبي بكر،
وعمر، رضي الله عنهما، وأكد فضلهما بوصفهما وزيرين له، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: «إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ
مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَمَّا وزيري من أهل
السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيري مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ
وَعُمَرُ»(3).
كما صنع النبي
صلى الله عليه وسلم مكانة استثنائية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم «خيبر»،
معلياً من شأنه ومكانته أمام الجيش كله بقوله: «لأعطين الراية رجلاً يحب الله
ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله على يديه»(4).
كيف يحمي تقدير أهل الفضل استقرار المجتمع؟
لم يكن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه ينظر إلى زيد بن صوحان بوصفه فردًا من أفراد الوفد فقط، بل
كان يراه نموذجًا لقيمة يحتاج المجتمع إلى ترسيخها، ولهذا لم يكتفِ بالمدح اللفظي،
بل قام بفعل عملي أمام الناس؛ فقد جعل خدمة زيد رسالة مرئية لأهل الكوفة، فالقيادة
المؤثرة لا تبني مكانة الرجال بالقرارات الخفية وحدها، بل تصنع أحيانًا رموزًا
ظاهرة أمام المجتمع، وقد كان عمر يدرك أن احترام الناس لمن يحملون أعباء الإصلاح
والجهاد والعلم ليس أمرًا ثانويًا، بل هو جزء من استقرار المجتمع.
ومن هنا يظهر
معنى قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:
11)، فرفع أهل الفضل ليس تكريمًا شخصيًا مجردًا، وإنما توجيه للأمة إلى
معرفة معايير الرفعة الحقيقية.
والناظر في
السيرة النبوية الشريفة يجد أن إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم من شأن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه قد أسهم في نشر الدعوة واستقرار المجتمع قبل وبعد وفاته صلى
الله عليه وسلم حيث كان رجلًا مَألَفًا لقومِه مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكان أَنْسَبَ
قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر.. وكان رجال قومه يَأْتُونَه
ويألفونه.. فجعَلَ يَدعو إلى الإسلامِ مَن وَثِقَ به(5)، وبعد وفاته
صلى الله عليه وسلم كان الإجماع على خلافة الصديق رضي الله عنه عاملاً من عوامل
الاستقرار والبناء للمجتمع الإسلامي.
كيف وظف عمر بن الخطاب النماذج لضبط القوة البشرية؟
كان قول عمر:
«إنكم كنز أهل الإسلام» يحمل دلالة إستراتيجية عميقة؛ فالكوفة لم تكن مجرد مدينة،
بل كانت مركزًا عسكريًا وعلميًا واجتماعيًا مهمًا في الدولة الإسلامية الناشئة، لكن
القوة البشرية وحدها لا تكفي لبناء المجتمعات؛ إذ تحتاج إلى شخصيات تضبط اتجاهها،
وتربط طاقتها بالقيم، ولذلك كان اهتمام عمر بزَيْد بن صوحان جزءًا من إدارة هذا
الكنز البشري، لأن المجتمعات الكبيرة تحتاج إلى نماذج يقتدي بها الناس.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، تشبه هذه القاعدة ما يحتاجه أي مجتمع أو مؤسسة من الحفاظ على
أصحاب الخبرة والقدوة؛ فإهمال الرموز الصالحة يفتح المجال لظهور معايير أخرى
للقيادة تقوم على الشهرة أو النفوذ بدل الكفاءة والاستقامة.
لماذا كانت خدمة الخليفة لزيد بن صوحان رسالة أقوى من الكلام؟
من أبلغ ما في
الموقف أن عمر رضي الله عنه لم يقدم درسًا نظريًا في احترام أهل الفضل، بل قدم
صورة عملية أمام أعين الناس، فالإنسان قد يسمع عشرات الكلمات عن التواضع، لكنه
يتأثر أكثر عندما يرى صاحب السلطة يمارس هذا الخلق.
وهذا من هدي
النبوة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخدم أصحابه ويشاركهم أعمالهم، وجاء في
الحديث: «سيد القوم خادمهم»(6)، وقد ورد بألفاظ متعددة في كتب الحديث،
ومعناه مشهور عند أهل العلم في بيان شرف خدمة الإنسان لمن تحت مسؤوليته.
وفي تاريخ
الحضارة الإسلامية، نجد الملك المؤيد صاحب حماة (أبو الفداء) يقوم بخدمة العلماء
بنفسه وتكريمهم عملياً، حيث كان محباً لأهل العلم مقرباً لهم، وقد جعله السلطان
بمصر سلطاناً على حماة وأركبه في القاهرة بشعار الملك وأبهة السلطنة، فكان يجمع
بين القوة والسلطة من جهة، والتواضع وخدمة العلم من جهة أخرى(7).
إن القائد الذي
يستطيع أن يخدم من يقودهم لا يفقد هيبته، بل يزيدها؛ لأن الهيبة الحقيقية لا تقوم
على الحواجز بين القائد وأتباعه، وإنما تقوم على الثقة والعدل ومعرفة كل إنسان
بمكانه.
كيف تحمي القيادة الناجحة كفاءاتها من الأذى؟
في بداية الدعوة
الإسلامية، كان الأذى يلحق كل من آمن بالله ورسوله، لكن بعض الناس ممن يملكون
مكانة اجتماعية أو قبيلة قوية لا تمتد إليهم الأيادي بالأذى البدني أو على الأقل
يجدون من يدافع عنه ويحميهم من صراعات الناس، فقد هبَّ بنو تيم لحماية أبي بكر
الصديق حين تعرض للأذى الشديد، وتدخلوا كجماعة لحماية هذا الرجل المتميز وحفظ
مكانته، قال ابن الأثير: لما أسلم أبو بكر قام خطيباً، فكان أول خطبته دعا إلى
الله ورسوله، فثار المشركون على أبي بكر، فضربوه ضرباً شديداً، ودنا منه عتبة بن
ربيعة وجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما بوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما
يعرف أنفه من وجه، فجاءت بنو تيم فحملت أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله(8).
وفي موقف عمر بن
الخطاب من زيد بن صوحان حين قال لأهل الكوفة: «هكذا فاصنعوا بزيد، وإلا عذبتكم»
مجرد تهديد، بل كان إعلانًا عن مسؤولية المجتمع تجاه أهل الفضل، فالقائد قد ينجح
في اكتشاف الكفاءات، لكنه يحتاج كذلك إلى حماية هذه الكفاءات من الحسد أو التقليل
أو المنافسة غير المنضبطة، وهذه قضية متكررة في حياة الجماعات؛ فكثير من أصحاب
المواهب لا يتراجعون بسبب ضعف قدراتهم، وإنما بسبب بيئة لا تعرف كيف تحترم أصحاب
الإنجاز.
ومن هنا، فإن
بناء المؤسسات الناجحة لا يكون فقط باختيار الأكفاء، بل بإنشاء ثقافة تحمي الكفاءة
وتمنع تحطيمها.
كيف يكشف التكريم العلني معادن القادة والرجال؟
إن تكريم القادة
للرجال امتحان للاثنين معًا؛ فهو امتحان للقائد: هل يستطيع أن يرفع غيره دون أن
يشعر بنقص؟ وهو امتحان للمكرَّم: هل يستطيع أن يقبل الثناء دون أن يتحول إلى أسير
للغرور؟
ويظهر من مكانة
زيد بن صوحان في كتب التراجم أنه كان من أهل الصلاح والبذل، ومن الشخصيات التي
عُرفت بمواقفها وشجاعتها، فالتكريم الحقيقي لا يصنع الإنسان من عدم، لكنه يكشف
معدنًا كان موجودًا.
وهنا يظهر الفرق
بين من يطلب المكانة لنفسه، ومن يحمل المكانة بوصفها أمانة ومسؤولية.
زيد بن صوحان نموذج للرجل الصالح الذي لا يطلب الظهور
من جمال الموقف
أن الرواية لا تنقل لنا مطالبة زيد بن صوحان بمكانة أو سعيه إلى تقديم نفسه، بل كان عمر هو
الذي كشف قدره للناس، وهذه سمة من سمات أهل الفضل؛ أنهم قد يهربون من الشهرة، لكن
مسؤولية المجتمع والقيادة أن تعرف قدرهم وألا تترك الموازين للضجيج.
وقد قرر القرآن
معنى تزكية العمل لا طلب المدح فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ) (المؤمنون: 60)، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنهم
الذين يعملون الأعمال الصالحة ويخافون ألا تقبل منهم، وهكذا يجتمع في الشخصية
المؤمنة أمران؛ تواضع النفس، وقيام الآخرين بإنصافها، فهذا الإمام محيي الدين
النووي الذي تصدر للتدريس والإفادة، وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق «حسبة
لوجه الله» دون أن يطلب شهرة أو منصباً دنيوياً(9).
وهذا العلامة
محمد بن علاء الدين البابلي الذي كان كثير الإفادة للطلاب، ولكنه قليل العناية
بالتأليف هرباً من الظهور، وكان ينهى عن التأليف إلا في حالات الضرورة القصوى كشرح
مستغلق أو إتمام ناقص(10).
أثر بناء النفوس في نجاح النظم الإدارية
يكشف هذا الموقف
عن فلسفة عمرية في الإدارة؛ فالنظام القوي يحتاج إلى بشر أقوياء، والبشر الأقوياء
يحتاجون إلى بيئة تعترف بالفضل وتوجهه، فالقائد الناجح لا يكتفي بوضع القوانين، بل
يهتم بثقافة المجتمع، لا يكتفي بتوزيع المهام، بل يبني المعاني التي تجعل الناس
يؤدونها بإيمان واقتناع.
ولهذا، فإن أثر
الموقف لم يكن في اللحظة التي وقع فيها فقط، بل في الرسالة التي بقيت في نفوس أهل
الكوفة؛ أن معيار التقدير ليس المال ولا النسب ولا الشهرة، وإنما الصلاح والبذل
والقدرة على حمل الأمانة.
والناظر في
تأسيس الحضارة الإسلامية يجد أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في البناء قام على
بناء الإنسان قبل النظام، فقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم عقيدة الصحابة ونفوسهم
لسنوات قبل فرض الأنظمة والشرائع أو الإعلان العام، ثُم أَمَرَ اللَّهُ رَسولَه،
بعد 3 سنين من البعثة بأن يَصْدَعَ بما أُمِرَ، وأن يَصْبِرَ على أذى المشركين(11).
كيف نوظف منهج التقدير في مؤسساتنا المعاصرة؟
في الأسرة،
يحتاج الأب والأم إلى إظهار التقدير لمن يستحقه حتى تنمو روح المسؤولية عند
الأبناء.
وفي التعليم،
يحتاج المعلم إلى صناعة نماذج إيجابية أمام الطلاب، لا الاكتفاء بتقديم المعلومات،
وفي الدعوة والعمل، يحتاج القادة إلى معرفة أن الاعتراف بالجهود ليس مجاملة، بل
أداة لبناء النفوس.
وفي المؤسسات
الحديثة، يبقى مبدأ عمر رضي الله عنه حاضرًا؛ بحيث لا يكفي أن تمنح الإنسان
صلاحية، بل يجب أن تمنحه الثقة والمكانة التي تساعده على أداء دوره.
إن مشهد عمر مع زيد بن صوحان يختصر قاعدة كبرى؛ أن الأمم لا تبنى بالقوة المجردة، وإنما برجال تعرف القيادة كيف تكتشفهم، وكيف ترفع قدرهم، وكيف تجعل المجتمع يحفظ لهم مكانتهم.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 496).
- 2 سنن الترمذي، بسند صححه الألباني (3790).
- 3 مسند البزار (4919).
- 4 سيرة ابن هشام (2/ 334).
- 5 البداية والنهاية (4/ 73).
- 6 شعب الإيمان: البيهقي (8050).
- 7 شذرات الذهب (1/ 59).
- 8 أسد الغابة في معرفة الصحابة (7/ 314).
- 9 شذرات الذهب (1/ 55).
- 10 المرجع السابق (1/ 87).
- 11 البداية والنهاية (4/ 95).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً