كيف تتشكل لغة الطفل في العصر الرقمي؟
في إحدى
الحدائق، كان طفل يجلس في عربة صغيرة، كانت أصابعه تتحرك فوق شاشة الهاتف ببراعة،
بينما كانت العصافير تتحرك فوق رأسه دون أن يرفع إليها عينيه، لم يكن ينقصه البصر؛
بل كانت تنقصه الدهشة (وعندها أدركت أن القضية لم تعد شاشة في يد طفل؛ بل عالم
جديد يعيد تربية حواس الإنسان وبه تتشكل لغة الطفل الأولى).
حين نتحدث عن
الطفل، فإن أول ما يخطر في أذهاننا هو كلماته الأولى.. نفرح حين ينطق «أمي»،
ونترقب جملته الأولى، ونقيس نموه بعدد المفردات التي اكتسبها، لكن الحقيقة أعمق من
ذلك بكثير؛ إن لغة الطفل لا تبدأ من اللسان، بل من الأذن، ولا تولد في الفم، بل في
القلب الذي يتعلم الإصغاء قبل أن يتعلم الكلام، ولعل هذه الحقيقة تضيء لنا معنى
بديعًا في قول الله تعالى: (وَاللَّهُ
أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ
السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78)،
فالآية لا تُقرأ هنا بوصفها تقريرًا علميًا، وإنما بوصفها تذكيرًا بقيمة السمع في
رحلة الإنسان الأولى، وبأن الإصغاء ليس وظيفة بيولوجية فحسب، بل بداية لتكوين
الوعي.
لغة الطفل بين الأسرة والشاشة
قبل سنوات، كان
الطفل يستيقظ على أصوات الحياة: سلام والديه، حكاية الجدة، تلاوة القرآن، ضحكات
إخوته، وحديث الكبار.. لم تكن هذه الأصوات ضجيجًا عابرًا، بل كانت نسيجًا ثقافيًا
وروحيًا يتشكل فيه الإنسان، كانت اللغة تنمو في حضن العلاقة، وتتشرب القيم قبل أن
تحفظ المفردات، أما اليوم، فقد دخلت إلى بيوتنا أصوات جديدة، أصوات لا تخطئ، ولا
تتعب، ولا تنام.. أصوات تأتي من شاشة تحمل العالم كله، لكنها لا تعرف الطفل الذي
يخاطبها، تعرض له آلاف الكلمات، لكنها لا تنتظر منه جوابًا، ولا تلتفت إلى دهشته،
ولا تبتسم إذا أخطأ، ولا تحتضنه إذا بكى، ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تؤخر
الشاشات النطق؟
هذا سؤال مهم،
لكنه ليس الأهم السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو: كيف تغيّر الشاشات البيئة التي
تتكون فيها اللغة، ويتشكل فيها الوعي؟
فاللغة ليست
مخزونًا من الكلمات، وإنما طريقة في رؤية العالم، والطفل لا يتعلمها من كثرة ما
يسمع، بل من طبيعة ما يعيش، حين تشير الأم إلى الطائر وتبتسم، لا يتعلم اسمه فقط،
بل يتعلم المشاركة والانتباه والمعنى، وحين يروي الأب قصة، لا يمنح ابنه مفردات
جديدة فحسب، بل يهبه زمنًا مشتركًا، وذاكرة، وشعورًا بالأمان، تلك اللحظات لا
تُقاس بالدقائق، لكنها تصنع إنسانًا.
ومن واقع الخبرة
في علوم النطق واللغة، نعلم أن الدماغ لا يبني اللغة من الأصوات وحدها، بل من
التفاعل؛ فالحوار، وتبادل الأدوار، والنظر إلى الوجوه، وقراءة الانفعالات، كلها
أجزاء من عملية لغوية واحدة؛ لذلك قد يحفظ الطفل أسماء الألوان والحيوانات من
التطبيقات، لكنه يعجز عن التعبير عن خوفه أو وصف فرحه؛ لأنه تلقى الكلمات، ولم يعش
التجربة التي تمنحها معناها.
وتؤكد توصيات
الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن التفاعل المباشر بين الطفل ووالديه هو أحد
أهم العوامل في نمو اللغة والتواصل، وأن المحتوى الرقمي، مهما بلغت جودته، لا
يستطيع أن يحل محل الحوار الحي، ولا التواصل البصري، ولا المشاركة الوجدانية.
وهْم المعلومات وفقر العلاقات
لعل أخطر ما
يميز عصرنا أن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فقر العلاقات التي تتكون
فيها لغة الطفل؛ فهو لا يكتسب لسانه من تدفق المحتوى، وإنما من حضور الإنسان، لقد
نجحنا في أن نوصل الإنترنت إلى كل غرفة، لكننا لم ننجح دائمًا في أن نحافظ على
الحوار داخل كل بيت؛ فأصبح أطفالنا يعيشون في عالمٍ يفيض بالمحتوى، بينما يفتقر
إلى الإصغاء، يرون آلاف الصور، ويسمعون مئات الأصوات، لكنهم لا يجدون دائمًا من
يجلس إليهم، ويصغي إلى أسئلتهم، ويشاركهم دهشتهم، فالإنسان لا يصنعه ما يمر أمام
عينيه، بل من يشاركه الحياة، وما يحتاجه الطفل حقًا ليس مزيدًا من المحتوى، بل
علاقة تمنحه الأمان، وحوارًا يبني وعيه، وحضورًا إنسانيًا يعلّمه أن اللغة ليست
كلمات تُقال، بل حياة تُعاش، إن مشروع «وعي الشاشة» لا ينطلق من رفض التقنية،
فالإسلام لا يعادي أدوات العمران، ولا يقف في وجه المعرفة، وإنما ينطلق من سؤال
أخلاقي وثقافي: من يربي الإنسان في العصر الرقمي؟
هل يكفي أن نضع
بين يدي الطفل جهازًا ذكيًا، ثم ننتظر منه أن ينمو حكيمًا؟ وهل يمكن للصورة، مهما
بلغت جاذبيتها، أن تحل محل الكلمة التي تخرج من قلب أم، أو الحوار الذي يبنيه أب
مع ابنه، أو مجلس أسري تتلاقى فيه الوجوه قبل الشاشات؟
بداية الحضارة كلمة
إن كل حضارة تبدأ بكلمة، وكل أسرة تبدأ بحوار،
وكل إنسان يبدأ بإصغاء، وإذا كانت الشاشات قد أعادت تشكيل عاداتنا، فإن مسؤوليتنا
اليوم أن نحافظ على ما لا تستطيع أي شاشة أن تمنحه: دفء العلاقة الإنسانية، ربما
لا نستطيع أن نمنع أبناءنا من أن يعيشوا عصرهم، ولا ينبغي لنا ذلك، لكننا نستطيع
أن نضمن ألا يعيشوا هذا العصر وحدهم.. أن تكون الشاشة نافذة يطلون منها على
العالم، لا جدارًا يحجبهم عن الأسرة، وأن يبقى للبيت صوته الخاص، وللقصة مكانها،
وللقرآن حضوره، وللحوار وقته، وللإصغاء منزلته.
لسنا في حاجة
إلى مزيدٍ من المحتوى، بقدر حاجتنا إلى إنسانٍ أكثر حضورًا، وهنا تبدأ الحكاية.. حكاية
الإنسان مع الكلمة، والكلمة مع الوعي، والوعي مع الحضارة.
من هنا تبدأ رحلتنا.. رحلة لا تبحث في الشاشات أولًا، بل في الإنسان الذي يقف أمامها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً