اللغة بين الإلهام والاصطلاح
تنازَع الحديثَ
عن أصل اللغات فِرَقٌ متعددة؛ كالفلاسفة والمتكلمين والأصوليين، وكل فريق سلك
مسالك متشعبة لتقوية رأيه وإقامة حجته نصرا لمذهبه المختار، سواء كان عقدياً أم
فقهياً، بما لا يسمح المجال هنا بتتبعه والتوسع فيه.
وكان من أبرز من
استوقفهم الحديث عن أصل اللغة ابن جني؛ حيث عقد باباً في الخصائص تحت عنوان «القول
على أصل اللغة إلهام هي أم اصطلاح؟»، بدأ بقوله: «هذا موضع مُحْوج إلى فضل تأمل،
غير أن أكثَر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي ولا توقيف»
(الخصائص، 1/ 33).
إلا أنه نقل عن
أستاذه أبي علي الفارسي -كان متهماً بالاعتزال(3)- أنه قال له: «هي من
عند الله» (هذا خلاف المشهور من أن المعتزلة بأسرهم يرون أن اللغة تثبت اصطلاحاً،
كما ذكر السيوطي (المزهر، 1/ 192)، واحتج بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ كُلهَّا) (البقرة: 31)،
إلا أن ابن جني رد عليه بأن «هذا لا يتناول موضعَ الخلاف؛ وذلك أنه قد يجوز أن
يكونَ تأويله: أَقدَرَ آدَمَ على أَنْ واضَعَ عليها، وهذا المعنى من عند الله
سبحانه لا محالة، فإذا كان ذلك مُحْتَمَلا غير مُسْتَنْكَر سقط الاسْتدلال به»
(الخصائص، 1/ 33).
ومن تعليق ابن
جني الأخير يُفهَم أنه يميل إلى القول بأن الدلالة اللغوية للألفاظ اصطلاحية،
مقدماً تأويلاً للآية التي استشهد بها الفارسي وغيره.
لكن ابن جني في
موضع آخر يؤيد رأي القائلين بطبيعية اللغة واستلهامها من أصوات الطبيعة؛ حيث يقول:
«وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدَويّ الريح،
وحنين الرعد، وخرير الماء، وشَحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونَزيب
الظبْي ونحو ذلك، ثم وُلِّدت اللغاتُ عن ذلك فيما بعد» (الخصائص، 1/46، 47).
ثم يعلق على هذا
الرأي: «وهذا عندي وجهٌ صالح ومذهب مُتَقَبَّل» (المرجع السابق).
ثم ما يلبث ابن
جني أن يتجاذبه اعتقاد بتوقيفية اللغة لما فيها من حكمة ودقة وإرهاف ورقة؛ حيث
يقول: «واعلم فيما بعد أنني على تَقَادُم الوقت دائمُ التَّنْقير والبحث عن هذا
الموضع؛ فأجد الدَّواعي والخوالج قويّة التَّجاذب لي، مختلفةَ جهات التَّغَول على
فكري؛ وذلك أنني إذا تأملتُ حالَ هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة؛ وجدت فيها من
الحكمة والدّقَّة والإرهاف والرّقَّة ما يملك عليَّ جانب الفكر حتى يكاد يطمحُ به
أمامَ غَلْوَة السحر، فمن ذلك ما نَبَّه عليه أصحابنا -رحمهم الله- ومنه ما
حَذَوْتُه على أمثلتهم؛ فعرفت بتَتَابُعه وانْقياده وبُعْد مَرَاميه وآماده صحةَ
ما وُفّقُوا لتقديمه منه، ولُطْف ما أُسْعدوا به، وفُرِق لهم عنه، وانضاف إلى ذلك
وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله تعالى؛ فَقَويَ في نفسي اعتقادُ كونها
توقيفاً من الله سبحانه وأنها وحيٌ» (المرجع السابق).
وتنتهي الحال
بابن جني إلى أن يقف موقفاً وسطاً بين القول بتوقيف اللغة والقول باصطلاحيتها،
يتضح هذا مما ختم به هذا الباب؛ حيث افترض أن يكون الله تعالى قد خلق قبلنا أقواماً
«ألطفَ منا أذهاناً وأسْرَعَ خَوَاطرَ وأجرأ جناناً» فتمكنوا من الاصطلاح والتواضع
في تسمية الأشياء.
ثم يقول موضحاً
موقفه، ومعبراً في الوقت ذاته عن حيرته بين القولين: «فأقف بين تين الخلتين -يقصد
التوقيف والاصطلاح- حسيراً، وأكاثرهما فأنكفئ مكثوراً(4)، وإن خطر خاطر
فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويفكها عن صاحبتها قلنا به» (الخصائص، 1/ 47).
أدلة
الفريقين
نقل السيوطي في
المزهر حجج كل من القائلين بتوقيفية اللغة والقائلين بعرفيتها، وهذا على النحو
التالي:
حجج
القائلين بالتوقيف
احتج القائلون
بأن اللغة توقيفية بعدة وجوه:
أولها: قول الله
تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ
الأَسْماَءَ كُلَّهَا)، فالأسماء كلها معلَّمة من عند الله بالنَّص، وكذا
الأفعالُ والحروف لعَدم القائل بالفَصْل، ولأن الأفعال والحروف أيضاً أسماء؛ لأن
الاسم ما كان علامةً، والتمييزُ من تَصَرُّف النحاة لا منَ اللغة، ولأنَّ التكلمَ
بالأسماء وحْدَها متعذّر.
ثانيها: أنه تعالى
ذَمَّ قوماً في إطلاقهم أسماء غيرَ توقيفية في قوله تعالى: (إنْ هيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ
سَمَّيْتمُوُهَا) (النجم: 23)، وذلك يقتضي كونَ البواقي توقيفية.
وثالثها: قوله
تعالى: (وَمنْ آيَاتِهِ
خَلْقُ السَّمَواَت والأَرْض واخْتلاَفُ ألْسَنتكُمْ وَأَلْوَانكُم) (الروم: 22)،
والأَلْسنةُ اللُّحْمَانية غيرُ مُرادة لعدم اختلافها، ولأن بدائعَ الصُّنْع في
غيرها أكثرُ؛ فالمراد هي اللغات.
ورابعها: وهو
عقلي؛ لو كانت اللغاتُ اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوَضْعها إلى اصطلاحٍ آخر من
لغةٍ أو كتابةٍ، ويعودُ إليه الكلامُ، ويلزم إما الدَّور أو التسلسل في الأوضاع،
وهو محال؛ فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف.
حجج
القائلين بالاصطلاح
أما القائلون
بأن اللغة اصطلاحية فقد احتجوا بما يلي:
أولاً: لو كانت
اللغاتُ توقيفيةً لتقدَّمت واسطةُ البعثة على التوقيف، والتقدم باطل، وبيانُ
الملازمة أنها إذا كانت توقيفية فلا بد من واسطة بين الله والبشر، وهو النبيُّ؛
لاسْتحالة خطاب الله تعالى مع كلّ أحد، وبيانُ بُطْلان التَّقَدُّم قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْناَ منْ رَسُولٍ إلاّ
بلسَان قَوْمه) (إبراهيم: 4)، وهذا يَقْتَضي تقدُّمَ اللغة على البعثة.
الثاني: لو كانت
اللغاتُ توقيفيةً فذلك إما بأن يَخْلُق الله تعالى علماً ضرورياً في العاقل أنَّه
وَضَع الألفاظ لكذا، أو في غير العاقل، أو بألَّا يخلقَ علماً ضرورياً أصلاً،
والأولُ باطلٌ، وإلا لكان العاقلُ عالمًا بالله بالضرورة؛ لأنه إذا كان عالماً
بالضرورة بكَوْن الله وضَع كذا لكَذا كان علمُه بالله ضروريًّا، ولو كان كذلك
لبطَل التكليفُ.
والثاني باَطلٌ
لأن غيرَ العاقل لا يمكنُه إنهاءُ تمام هذه الألفاظ.
والثالثُ باطل
لأن العلمَ بها إذا لم يكن ضرورياً احتيج إلى توقيفٍ آخر ولَزم التسلسل (ينظر:
المزهر، 1/19، 20).
وفي النهاية،
فإن الوقوف على حقيقة هذا الجدل بين التوقيف والاصطلاح يكشف لنا عن منزلة اللسان
العربي في وعي علمائنا؛ فلم يكن البحث في أصل اللغة مجرد ترفٍ فكري، بل كان محاولة
لفهم الرابطة المقدسة بين اللفظ ومعناه، وبين السماء والأرض.
ولا شك أن هذا
التردد بين الإلهام الإلهي والاصطلاح البشري هو في حقيقته تكريمٌ للإنسان؛ فإما
أنه لُقِّن العلم من لدن حكيم خبير، أو أنه مُنِح عقلاً جباراً استطاع أن يبني من
أصوات الريح والماء صرحاً لغوياً لا يطاوله بيان.
وكفى بهذا اللسان شرفاً أن اختاره الله وعاءً لكلامه الخالد.
اقرأ أيضاً:
- اللغة
المقاومة وتدافع الحضارات.. قراءة في فلسفة البقاء وبسالة اللسان
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً