بلاغة الثبات وبرد اليقين.. حين يكون الإيمان عتاداً
حين تشتد وطأة
المعارك، وتضيق السبل، وتبلغ القلوب الحناجر؛ هنا تتمايز القلوب بين قلبٍ توهنه
المخاوف، وقلبٍ يستمد ثباته من نور الإيمان وصدق اليقين في نصر الله، وحينئذ لا
تكون القوة في ظاهر العُدَّة والعتاد، بقدر ما تكون في قوة الصلة بالله، واستحضار
معيته، واليقين بأن ما عنده أقرب وأبقى من كل أسباب الأرض.
وقد صوَّر
القرآن الكريم هذه الحقيقة في أبلغ بيان؛ في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل) (آل عمران: 173)؛ ففي هذا المشهد تتجلّى قوة
الإيمان واليقين لدى المؤمنين حين يتحوّل التهديد إلى زيادةٍ في الإيمان والثبات
معلنين تفويض أمرهم لله، ويغدو الخوف باعثًا لهم على التوكّل لا على التراجع؛
فتمنحهم الشدائد قوة وإقدامًا، وصبرًا واحتسابًا.
ويزداد هذا
المعنى وضوحًا عند التأمّل في بعض المفردات اللغوية الآتية:
1- تكرار كلمة «الناس»
في قوله تعالى: (الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ) يفيد التوكيد، وبلاغة التهويل،
وتعدد الفاعل؛ إذ تشير كلمة «الناس» الأولى إلى الفرد –قيل هو نعيم بن مسعود
الأشجعي- وأُطلق عليه لفظ الجمع تعظيمًا لدوره (تنبيه المسلمين وإثارة الشائعات)
أو لأنه يمثل صوت المرجفين، بينما كلمة «الناس» الثانية تشير إلى الجموع الكثيرة
من المشركين.
فيكون اللفظ –في
الموضع الأول- عامًا أريد به الخاص وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد؛
لأن ذلك الواحد إذا فعل فعلا أو قال قولا ورضي به غيره حسن إضافة ذلك الفعل والقول
إلى الجماعة، وإن كان الفاعل واحدًا فهو كقوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) (البقرة: 72) مع أن
القاتل واحد. (تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل: بالخازن، 1/ 453)
وقيل: أريد بالناس الثانية: قريش. (تفسير المحيط لأبي حيان، 3/ 436).
2- قوله تعالى: (قَدْ جَمَعُوا): إنَّ هذا
التعبير جمع بين دلالتين متكاملتين وهما: استخدام «قد» مع الفعل الماضي (قَدْ جَمَعُوا) لتحقيق
الخبر وتأكيده وتثبيت وقوعه في ذهن السامع؛ أي أن الأمر أصبح واقعًا لا مفر منه،
وهو ما يزيد في تخويفهم وتهديدهم.
كما لم يقل: «تجمعوا»،
بل قال: «جَمَعُوا» (بصيغة المتعدي)؛ الذي يوحي بالتحضير، والتخطيط، والحشد
المنظَّم المقصود. (روح المعاني للألوسي، 2/ 343)؛ فاجتمع في صيغة (قد جمعوا)
توكيد الحدث من جهة الزمن، وتعظيمه من جهة الهيئة والكيفية، ليبلغ التهويل
والتخويف غايته.
فأفضى ذلك
التهديد إلى نتيجتين متقابلتين: ثبات يزداد رسوخًا في القلب بدل الخوف والتردد،
وتفويض كامل لله بدل الالتفات إلى كثرة الجمع؛ فانقلب الوعيد أمنًا، وتحولت رهبة
الناس يقينًا بكفاية الله، حتى استقرّ معنى التوكل في أبلغ صوره بقولهم: «حسبنا
الله ونعم الوكيل» فدل على أن قولهم: حسبنا الله هو من المبالغة في التوكل عليه،
وربط أمورهم به تعالى. (ينظر: المحيط لأي حيان (3/ 437)، وإرشاد العقل السليم إلى
مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (2/ 114)، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل
للبيضاوي، 2/ 49)).
الفاء وترتيب الأثر النفسي في السياق القرآني
قوله تعالى: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيمَاناً)؛ الفاء في «فَاخْشَوْهُمْ»: هي فاء فصيحة، تقع في جواب شرط مقدر
دلَّ عليه السياق، وهي تدل على وجود كلام مقدر قبلها أفصحت هي عنه، والتقدير: «إذا
كان الناس قد جمعوا لكم، فاحذروهم»: فهي أداة ربط بين السبب؛ «إنَّ الناس قد جمعوا
لكم»، و«المسبّب» الأمر بالخشية «فاخشوهم»؛ وبذلك تُبرز هذه الفاء شدّةَ الموقف،
وتستدعي في النفس وعيًا بخطر الاستهانة بالعدو.
أما الفاء في «فَزَادَهُمْ»
فهي عاطفة لربط السبب بالمسبّب، وهي تد على السرعة والتعقيب المباشر؛ بمعنى أن
إيمانهم ازداد وأظهروا حمية الإسلام فور سماعهم بتهديد المشركين ولم يترددوا، فالفاء
ربطت بين فعل الخشية (في سياق الثبات وعدم الالتفات للتهديد)، والنتيجة المباشرة
وهي زيادة الإيمان؛ فبدلاً من أن يكون الحشد سببًا في الوهن، أصبح سببًا فوريًا في
زيادة الإيمان، وهو من الإعجاز اللفظي؛ إذ تشير سرعة الفاء إلى أن رد فعل المؤمنين
لم يستغرق وقتاً للتفكير أو التردد، بل كان اليقين حاضرًا لحظة سماع الخبر.
(التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، 4/ 169).
أبلغ صيغ التوكل
«حسبنا الله
ونعم الوكيل» تعتبر هذه الجملة من أبلغ صيغ التوكل على الله؛ فعن ابن عباس في قوله
تعالى: (وَقَالُوا حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قال: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في
النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إنَّ الناس قد جمعوا
لكم. (أخرجه البخاري).
المقابلة بين
قوتين:
1- قوة مادية
محتشدة: عبّر عنها بلفظ «الناس، جمعوا، لكم».
2- قوة
إيمانية متفجرة: عبّر عنها بـ«زادهم إيمانًا، حسبنا الله»، حسبنا الله، أي كافينا،
هذا الانتقال السريع من التهديد بالجمع (الكثرة) إلى الرد بالزيادة (الكيف
الإيماني) هو جوهر الإعجاز الذي يثبت أن القرآن الكريم يراعي النفس البشرية في
أحلك لحظات صراعها.
يتجلى لنا أن
معارك اليقين لا تُحسم بصليل السيوف فحسب، بل بذاك السكون الذي يغشى القلوب حين
تتصل ببارئها.
إن تحليل دلالات
«قد جمعوا» وسرعة الفاء في «فزادهم» يكشف لنا أن الإيمان ليس حالة ذهنية راكدة، بل
هو طاقة متجددة تستمد عنفوانها من عظم التحديات، فحين استوى عند المؤمنين وعيد
البشر مع كفاية الله، انقلبت موازين القوى، وصارت «حسبنا الله ونعم الوكيل» العتاد
الذي لا ينفد، والملجأ الذي لا يُضام.
إنها رسالة
القرآن الخالدة: أن القلوب الصادقة لا ترى في كثرة العدو إلا فرصةً لفيضِ اليقين،
لتظل «حسبنا الله ونعم الوكيل» الكلمة التي تُطفئ نيران الخوف، وتفتح أبواب النصر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً