حسن الوجه وحسن العِرض

حسن الوجه وحسن العِرض

دخل محمد بن عباد على المأمون فجعل يعممه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون: مم تضحكين؟ فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، تتعجّب من قبحي وإكرامك لي، فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمّة مجداً وكرماً.

ولشاعر في مثل هذا:

وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم * إذا كانت الأعراض غير حسان

فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى * فما كل مصقول الحديد يماني

بيان وفوائد:

كثيرًا ما ينخدع الناس بالمظاهر، فيمنحون الشكل الحسن تقديرًا سريعًا ومكانة أعلى، ويقللون من شأن من لا يملك الوسامة أو الهيئة المتميزة، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بملامحه لا بعقله وخلقه. وهذه الحكاية تكشف الفرق بين النظرة السطحية والنظرة العميقة؛ فالجارية رأت الوجه والهيئة، في حين رأى المأمون العلم والمجد. وهنا تتضح الفكرة الأساسية للحكاية، وهي أن قيمة الإنسان لا تُقاس بجماله الخارجي، بل بما يملكه من أخلاق وفضائل وإنجازات. فكم من إنسان حسن الصورة خالي الجوهر، وكم من شخص بسيط الهيئة عظيم القدر والمكانة.

ويؤكد الشاعر هذا المعنى في الأبيات التي جاءت بعد الحكاية، إذ يقول:

وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم * إذا كانت الأعراض غير حسان

فالشاعر يتساءل مستنكرًا: ما فائدة جمال الوجه إذا كانت الأخلاق والسمعة سيئة؟ فالجمال الخارجي قد يلفت النظر لحظة، لكنه لا يصنع احترامًا دائمًا، في حين أن الخلق الحسن يرفع قدر الإنسان ويمنحه مكانته بين الناس.

ثم يواصل فكرته بصورة بلاغية جميلة حين يقول:

فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى * فما كل مصقول الحديد يماني

فهو يحذر من الحكم على الناس بالمظاهر، ويشبّه الإنسان الذي يبدو جميلًا من الخارج بالحديد المصقول اللامع؛ إذ ليس كل حديد لامع يُعدُّ سيفاً يمانياً نفيساً معروفاً بجودته وقيمته.

والمعنى أن المظهر قد يخدع، أما الجوهر فهو الذي يكشف الحقيقة. وهكذا تجمع الحكاية والأبيات الشعرية على رسالة أخلاقية واحدة، وهي ضرورة التمييز بين الشكل والحقيقة، وعدم الانسياق وراء المظاهر. فالإنسان يُعرف بعلمه وخلقه وكرمه، لا بملامحه وهيئته. وهي فكرة صالحة لكل زمان؛ لأن الناس لا يزالون يقعون في الخطأ نفسه حين يحكمون على الآخرين من أول نظرة، قبل أن يكتشفوا ما في داخلهم من قيمة حقيقية.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة