الهوية الفلسطينية في مواجهة الطمس.. كيف يحارب الاحتلال الذاكرة والتراث؟
لم تعد معركة
الفلسطيني مع الاحتلال تقتصر على الأرض والحدود، بل امتدت إلى صراع أكثر عمقًا
يتمثل في الهوية الثقافية والذاكرة الوطنية والرواية التاريخية.
فمنذ عقود،
تتواصل سياسات تستهدف التراث والآثار والتعليم والمشهد الثقافي الفلسطيني، في
محاولة لإعادة تشكيل الوعي وفرض سردية بديلة.
وفي الوقت نفسه،
يواصل الفلسطينيون التمسك بهويتهم من خلال الأسرة، والمؤسسات التعليمية والثقافية،
والمبادرات المجتمعية، والفنون، والإعلام، باعتبار الثقافة إحدى أهم أدوات الصمود
والحفاظ على الوجود الوطني.
وفي هذا
التحقيق، نسلط الضوء على تأثير سياسات الاحتلال في استهداف الهوية الثقافية
الفلسطينية، وانعكاساتها على التراث والتعليم والرواية التاريخية، إلى جانب
استعراض نماذج من صمود الفلسطينيين في الدفاع عن هويتهم، من خلال شهادات مختصين
وناشطين ميدانيين.
الاحتلال واستهداف الهوية الثقافية
تقول الباحثة في
التاريخ والآثار والتراث الثقافي د، منى أبو حمدية: لم يعد استهداف الاحتلال «الإسرائيلي»
مقتصراً على الأرض والإنسان، بل امتد ليشمل الهوية الثقافية الفلسطينية كونها أحد
أهم مقومات الوجود الوطني، فالهوية تتجسد في المكان، واللغة، والذاكرة الجماعية،
والمشهد الثقافي، والآثار، والرواية التاريخية، وهي جميعها باتت هدفاً لسياسات
ممنهجة تسعى إلى إعادة تشكيلها بما يخدم المشروع الاستيطاني.
وفي هذا السياق،
لم تعد الآثار والتراث مجرد شواهد على الحضارات المتعاقبة، بل تحولت إلى أدوات ضمن
ما يعرف بعلم الآثار السياسي، حيث يجري تسييس التراث (وأدلجة الآثار) لإنتاج سردية
تاريخية أحادية تمنح شرعية مبتدعة للمشروع الاستعماري، في مقابل إقصاء الرواية
الفلسطينية وتهميشها.
وتشير أبو حمدية
إلى أن المؤسسة الصهيونية لديها إستراتيجية متكاملة تقوم على الجمع بين السيطرة
المادية على الأرض والسيطرة الرمزية على الذاكرة، ويمكن توصيف هذه السياسة بأنها استعمار
أثري واستحواذ على التراث الثقافي، إذ تُستخدم الحفريات، وإعادة تصنيف المواقع
الأثرية، وإنشاء المراكز التراثية، وتطوير السياحة الاستيطانية كوسائل لإعادة
إنتاج المشهد الثقافي الفلسطيني بما ينسجم مع الرواية «الإسرائيلية».
وتستكمل قائلة:
وتبرز هذه السياسة في مشروع إنشاء سلطة آثار «إسرائيلية» خاصة بالضفة الغربية،
ومنحها صلاحيات واسعة للإشراف على المواقع الأثرية والاستيلاء على الأراضي
المرتبطة بها، إلى جانب رصد 250 مليون شيكل لتطوير مراكز تراثية وبنية تحتية
سياحية في الضفة الغربية، في خطوة تعكس انتقال الآثار من مجال البحث العلمي إلى
أدوات الضم الناعم.
وتضيف: كما يظهر
ذلك في تحويل أجزاء واسعة من المواقع الأثرية إلى حدائق توراتية أو متنزهات قومية،
كما حدث في سبسطية، حيث صدر قرار بتحويل نحو 1775 دونماً؛ أي ما يقارب ثلث مساحة
البلدة، إلى ما يسمى منتزه السامرة القومي، في محاولة لإعادة صياغة هوية المكان
وربطه بالسردية «الإسرائيلية»، رغم إدراج سبسطية على قائمة التراث في منظمة «إيسيسكو» ووجودها على القائمة التمهيدية لـ«يونسكو».
وتتابع: من جهة أخرى،
لم تعد السياحة نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من منظومة الاستيطان
الثقافي، فمن خلال إنشاء الفنادق، ومراكز الزوار، والمسارات السياحية داخل
المستوطنات، يجري توظيف السياحة الاستيطانية لترسيخ الوجود «الإسرائيلي» وإعادة
تعريف المشهد الثقافي والجغرافي في الضفة الغربية.
ورغم هذه
السياسات، ما تزال الهوية الثقافية الفلسطينية تُظهر قدرة كبيرة على الصمود،
انطلاقاً من إيمان الفلسطيني بأن الثقافة أحد أشكال المقاومة المدنية.
وتؤكد مني أبو
حمدية أن آليات الصمود تتجسد في عدة مستويات، أبرزها:
- الأسرة
الفلسطينية التي تنقل الرواية الوطنية والذاكرة الشفوية بين الأجيال.
- المدرسة
والجامعة عبر تعزيز الوعي بالتاريخ والتراث والهوية.
- وزارة السياحة
والآثار والمؤسسات الثقافية من خلال أعمال التوثيق والترميم وإعداد ملفات تسجيل
المواقع على قوائم التراث العالمي.
- المبادرات
المجتمعية التي تعيد إحياء القرى التاريخية، والمسارات التراثية، والحرف
التقليدية.
- وكذلك الفنون
والآداب التي تحافظ على الذاكرة الوطنية وتواجه محاولات الطمس.
- إلى جانب
الإعلام الفلسطيني والعربي الذي يؤدي دوراً مهماً في كشف ممارسات الاحتلال، وحماية
الرواية الفلسطينية من التزييف.
وتضيف أن الصراع
الدائر اليوم لا يقتصر على من يملك الأرض، بل يمتد إلى من يملك تفسير التاريخ
وصياغة الذاكرة الجماعية، فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الآثار، وإعادة تشكيل
المشهد الثقافي، وفرض سردية تاريخية بديلة، تمثل أدوات فعالة لإعادة هندسة الهوية
الوطنية.
غير أن الهوية
الثقافية الفلسطينية أثبتت، عبر عقود طويلة، أنها ليست مجرد آثار أو مبانٍ
تاريخية، وإنما منظومة متكاملة من الذاكرة واللغة والتراث والرواية والانتماء، وهو
ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود في مواجهة سياسات التهويد والعبرنة والاستعمار
الأثري.
وفي ضوء ذلك،
فإن حماية التراث الثقافي الفلسطيني لم تعد مسؤولية وطنية فحسب، بل أصبحت مسؤولية
إنسانية وأخلاقية؛ لأن التراث في فلسطين يمثل جزءاً من التراث الإنساني العالمي،
وحمايته تعني حماية الحقيقة التاريخية من التسييس، وصون الذاكرة الجماعية من
محاولات الطمس.
المخيمات.. عنوان آخر لاستهداف الهوية
وفي الوقت الذي
توضح فيه الباحثة د. منى أبو حمدية كيف تستهدف سياسات الاحتلال الآثار والتراث
والرواية التاريخية، تؤكد الناشطة المجتمعية الفلسطينية فاتن عصاعصة أن هذه
السياسات لا تتوقف عند المواقع الأثرية أو المشهد الثقافي، بل تمتد إلى مخيمات
اللاجئين الفلسطينيين، حيث يترافق استهداف المكان مع محاولات تفكيك البيئة
الاجتماعية والوطنية الحاضنة للهوية الفلسطينية؛ وهو ما يجعل الصمود اليومي شكلاً
من أشكال الحفاظ على الهوية والوجود.
وتقول عصاعصة: يعيش
المجتمع الفلسطيني، بشكل عام، حالة من الغليان؛ بفعل مسار نضالي ومقاومة متراكمة
ومستمرة منذ موجات التهجير عامي 1948 و1967م، إلا أن وتيرتها تصاعدت بشكل كبير منذ
السابع من أكتوبر، رغم ما يمارسه الاحتلال من جرائم وانتهاكات، وسياسة إبادة
جماعية بحق أبناء شعبنا في مختلف أماكن وجوده.
وتضيف: وفي
الوقت ذاته، يواصل الاحتلال محاولاته لاقتلاع الفكر الثقافي وكل ما يمثل الهوية
الفلسطينية، ويبرز ذلك بشكل واضح فيما يجري حالياً في مخيمات قطاع غزة، وكذلك
بصورة مصغرة في مخيمات اللجوء بالضفة الغربية، التي يبلغ عددها رسمياً 19 مخيماً.
وفي النهاية،
تكشف الشهادات أن استهداف الهوية الثقافية الفلسطينية لم يعد يقتصر على الآثار أو
الرواية التاريخية، بل يمتد إلى الإنسان والمكان والذاكرة الجماعية.
وبين محاولات
الطمس والتهويد، يواصل الفلسطينيون حماية هويتهم عبر التمسك بتراثهم وثقافتهم،
ونقل روايتهم للأجيال، وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسات الاقتلاع، وتؤكد هذه
المعركة أن الدفاع عن الهوية الثقافية الفلسطينية دفاع عن التاريخ والوجود، وعن حق
شعب في الحفاظ على ذاكرته وروايته الوطنية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً