استيطان يتمدد ومقاومة تتجذر (8)

بين الجذور والهوية.. لماذا يُعدّ الصمود مقاومة؟

د. أمجد بشكار

30 أبريل 2026

193

بين الجذور والهوية.. لماذا يُعدّ الصمود مقاومة؟

في خضم التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا حضوراً وتعقيداً، ليس فقط بسبب أبعادها السياسية، بل أيضاً لما تحمله من دلالات إنسانية وثقافية عميقة، وفي قلب هذه القضية يبرز مفهوم الصمود كأحد أبرز أشكال المقاومة وأكثرها استمرارية، فالصمود الفلسطيني لم يكن يوماً مجرد خيار اضطراري، وإنما تحوّل إلى إستراتيجية وجود وإلى فعل يومي يعكس إصرار شعب على البقاء في أرضه والحفاظ على هويته رغم كل ما يواجهه من تحديات وضغوط.

الصمود كجذر للهوية والبقاء

لا يمكن فهم الصمود الفلسطيني دون العودة إلى العلاقة العضوية التي تربط الإنسان الفلسطيني بأرضه، فهذه العلاقة ليست علاقة ملكية أو إقامة فحسب، بل هي علاقة تاريخ وهوية وذاكرة متراكمة عبر الأجيال؛ ولذلك، فإن فقدان الأرض لا يعني فقط خسارة مورد مادي، بل يعني تهديداً مباشراً للهوية والانتماء.

من هذا المنطلق، يصبح البقاء في الأرض فعلاً مقاوماً بامتياز، حين يرفض الفلسطيني مغادرة بيته رغم أخطار القتل من المستوطنين، أو يعيد بناء بيته بعد هدمه من جيش الاحتلال، فإنه يعلن تمسكه بحقه في الوجود الممتد من آلاف السنوات، وحين يستمر المزارع والفلاح البسيط في زراعة أرضه رغم القيود التي تُعجّز أي إنسان فإنه لا يحافظ فقط على مصدر رزقه، بل يحافظ على رابط عميق يربطه بجذوره، هذه الممارسات اليومية التي قد تبدو عادية في سياقات أخرى، تكتسب في الحالة الفلسطينية معنى مضاعفاً، لأنها تأتي في ظل ظروف تحاول دفع الإنسان إلى الرحيل أو الاستسلام.

كما أن الصمود لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى البعد الثقافي والرمزي، فاللغة العربية واللهجة المحلية والأغاني الشعبية والأزياء التقليدية، كلها عناصر تشكل جزءاً من الهوية الفلسطينية، وفي ظل محاولات طمس هذه الهوية أو إعادة تعريفها يصبح الحفاظ عليها شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، إن رواية الحكايات للأبناء والأجيال المتلاحقة وتعليمهم أسماء القرى الأصلية والاحتفاظ بالمفاتيح القديمة، ليست مجرد ممارسات عاطفية بل أدوات لحفظ الذاكرة الجماعية ومنعها من الاندثار.

إضافة إلى ذلك، يؤدي التعليم دوراً مهماً في ترسيخ الصمود، فإصرار العائلات على استمرار أبنائها إلى التعليم العالي في الجامعات رغم الظروف الصعبة يعكس إيماناً عميقاً بالمستقبل مهما حاول الاحتلال «الإسرائيلي»، ورغبة في بناء جيل قادر على حمل القضية الفلسطينية بوعي ومعرفة، وهكذا يتحول الصمود إلى مشروع متكامل يجمع بين البقاء الجسدي والحفاظ على الهوية والاستثمار في المستقبل.

ولا يمكن إغفال أن هذا الصمود يفرض واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله، فوجود شعب متمسك بأرضه يرفض الرحيل، يعني أن أي حلول تتجاوز هذا الواقع ستكون ناقصة أو غير قابلة للاستمرار؛ لذلك، فإن الصمود ليس فعلاً دفاعياً فحسب، بل هو عنصر فاعل في تشكيل موازين القوى وإبقاء القضية حاضرة في الوعي الدولي.

الدور العربي.. من التضامن إلى الفعل

في مقابل هذا الصمود الداخلي، يبرز الدور العربي كعامل أساسي في دعمه وتعزيزه، فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية محلية معزولة، بل كانت وما زالت قضية عربية بامتياز ترتبط بتاريخ مشترك ومصير مترابط وقيم إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية، ومن هنا فإن دعم الفلسطينيين في صمودهم لا يُعدّ مجرد موقف سياسي بقدر ما هو تعبير عن مسؤولية جماعية.

يتجلى هذا الدعم في عدة مستويات، أهمها وأولها المستوى السياسي، فالمواقف العربية الموحدة إن توفرت حقيقة يمكن أن تشكل قوة ضغط حقيقية على الساحة الدولية، خاصة إذا اقترنت برؤية واضحة وإستراتيجية متكاملة، لأن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية سواء في المحافل الدولية أو شعبياً تُبقي القضية حاضرة في الأجندة العالمية لعدم تهميشها أو تجاوزها.

أما على المستوى الاقتصادي، فالدعم العربي يؤدي دوراً حيوياً في تعزيز قدرة الفلسطينيين على البقاء، فالوضع الاقتصادي الصعب يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الناس، وقد يكون عاملاً ضاغطاً يدفع البعض إلى الهجرة أو التخلي عن بعض حقوقهم؛ لذلك، فإن توفر الدعم المالي لخلق فرص عمل فإنها تسهم في تثبيت الناس في أرضهم، وتعزز من صمودهم.

الإعلام العربي أيضًا يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا السياق، فالصراع ليس فقط على الأرض، بل هو أيضًا صراع على الرواية، ومن خلال نقل الصورة الحقيقية لما يجري وتسليط الضوء على معاناة الناس خاصة بعد حرب الإبادة، وإبراز قصص الصمود اليومية؛ لذا، يمكن للإعلام أن يؤدي دوراً مهماً في بناء وعي عربي ودولي متضامن، كما يمكنه مواجهة محاولات التشويه أو التضليل التي قد تسعى إلى تهميش الرواية الفلسطينية.

إلى جانب ذلك، يأتي الدور الثقافي والشعبي الذي لا يقل أهمية عن الأدوار الرسمية، فالتفاعل الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية من خلال الفعاليات الثقافية والحملات التضامنية والمبادرات المجتمعية، يخلق حالة من الارتباط الوجداني ويعزز من حضور القضية في الوعي العام، والأهم من ذلك عدم تشويه مقاومة الشعب الفلسطيني، هذا التفاعل يبعث برسالة واضحة للفلسطينيين بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك امتداداً عربياً يقف إلى جانبهم.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من مرحلة التعاطف إلى مرحلة الفعل، فالمشاعر مهما كانت صادقة لا تكفي إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية، المطلوب هو بناء إستراتيجيات دعم مستدامة تقوم على التنسيق والتكامل، وتستهدف تعزيز صمود الناس بشكل مباشر، وهذا يتطلب إرادة سياسية ووعياً شعبياً، وتعاوناً بين مختلف الأطراف.

بالمحصلة، الصمود الفلسطيني ليس مجرد حالة من التحمل أو الانتظار بقدر ما يكون فعلاً مقاوماً متكاملاً يجمع بين البعد المادي والرمزي، ويعكس إصراراً عميقاً على التمسك بالأرض والهوية، هذا الصمود الذي يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، يشكل حجر الأساس في بقاء القضية الفلسطينية حية في مواجهة محاولات الإلغاء أو التهميش.

بالمقابل، الدعم العربي يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز هذا الصمود، وتحويله من حالة دفاع إلى قوة فاعلة، وبين الجذور التي تغذي الهوية والدعم الذي يعزز الاستمرار تتشكل معادلة قادرة على الصمود في وجه التحديات النابعة من احتلال فاشيّ.

لذلك، بقاء الفلسطيني على أرضه رسالة يومية بأن الحق لا يسقط، والهوية لا تُمحى مهما كان الظرف، والإرادة الفلسطينية الصلبة قادرة على مواجهة أقسى الظروف، ومع دعم عربي حقيقي وفاعل يمكن لهذا الصمود أن يتحول إلى قوة تغيير، وتعيد التأكيد أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها قادرة في النهاية على انتزاعها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة