النفس بين التزكية والتدسية

النفس بين التزكية والتدسية


النفس بين التزكية والتدسية

في صبيحة يوم أغر، جلست إلى صاحبي نتجاذب أطراف الحديث، وكنا نقرأ من قصار السور في المفصل من سورة «الشمس» المكية، فبادرني بسؤال: ما أطول قسم في القرآن الكريم؟ وما جوابه؟

وصادف ذلك رغبة في خاطري وراحة في نفسي، لأن من فقه التلاوة عند الكبار، إن كان مع القراءة الاستماع فإن مع التدبر الاستمتاع، فقلت مستعيناً بالله: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {1} وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا {2} وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا {3} وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا {4} وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا {5} وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا {6} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا {8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس).

الآيات السبع الأُوَل في مستهل السورة الكريمة اشتملت على 11 قَسَماً، وعلى قضية واحدة وموضوع واحد ألا وهو قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) وهو جواب القسم الذي سألت عنه، وكأن الآيات الكريمة تقول: قد أفلح من طهر نفسه من النقائص والمهلكات والعيوب، وجنبها الفواحش والموبقات والذنوب، وألزمها كل محبوب ومرغوب ومطلوب لمرضاة علام الغيوب.

وما أروع هذه الكلمة التي قالها الإمام الغزالي طبيب القلوب، وفارس ميدان التزكية الموهوب: «جوهر عملية التزكية: الارتقاء بالنفس درجة درجة، من السيئ إلى الحسن، ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمارة بالسوء أو لوامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها وربها»(1)!

بين التخلية والتحلية

أعظم ما يملكه الإنسان نفسه التي بين جنبيه، ميدانه الأول، وأساس صلاحه وفساده، ومصدر سعادته أو شقائه، فإذا صلحت النفس انعكس ذلك على اطمئنان قلبه وسعة صدره وهناء عيشه، وإذا فسدت النفس انعكس ذلك على وحشة قلبه وضيق صدره وشقاء عيشه.

لذا، كانت تزكيةالنفس من أعظم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وواسطة العقد فيها، قال جل وعلا: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الجمعة: 2).

والتزكية تقوم على ركيزتين كما يقول أهل البصيرة؛ التخلية والتحلية، ويقصد بها: تطهير النفس من الأدران والرذائل كالحسد والرياء والكبر.. وغيرها، وتحليها بالطاعات والقربات والفضائل كالعفة والشجاعة والكرم والعدل.. وغيرها.

ومن جميل ما صافحت عيني من درر الإمام البقاعي قوله: «فالتزكية أن يحرص الإنسان على شمسه ألا تكسف، وقمره ألا يخسف، ونهاره ألا يتكدر، وليله ألا يطفى، والتدسيس أقله إهمال الأمر حتى تكسف شمسه، ويخسف قمره، ويتكدر نهاره، ويدوم ليله، وطرق ذلك اعتبار نظائر المذكورات من الروحانيات وإعطاء كل ذي حق حقه، فنظير الشمس هي النبوة؛ لأنها كلها ضياء باهر وصفاء قاهر، وضحاها الرسالة، وقمرها الولاية، والنهار هو العرفان، والليل عدم طمأنينة النفس بذكر الله وما جاء من عنده، وإعراضها عن الانقياد لقبول ما جاء من النبوة أو الولاية، والعلماء العاملون هم أولياء الله، ونظير السماء العزة والترفع عن الشهوات، وعن خطوات الشياطين من الإنس والجن، والأرض نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله وللمؤمنين، فيكون بإخراجه المنافع لهم كالأرض المخرجة لنباتها، والتدسية خلاف ذلك، من عمل بالسوء»(2).

خطام الدابة الجموح

النفس البشرية عالم من العجائب والغرائب، ومن أعجب ما في تلك النفس ما تنطوي عليه من صفات متغايرة وما تحمله من صفات متضادة، وما يعتريها من إقبال وإدبار وشره وفترة، وهي بطبيعتها كالدابة الجموح تجنح إلى الغواية وتميل عن الهداية، فالحاجة إلى إصلاحها شديدة والعناية بأمرها أكيدة، وإصلاحها يكون بالتزكية والتربية، وطهارة السر والعلانية، والمجاهدة والمحاسبة، والصبر والمثابرة، والدعاء والمداومة.

قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات)، وقال جل ثناؤه: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، وعن زيد بن أرقم قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، أعوذُ بك من قلبٍ لا يخشعُ وعلمٍ لا ينفعُ ودُعاءٍ لا يُسمعُ أو قال دعوةٍ لا يُستجابُ لها» (أخرجه مسلم، 2722).

وعن سفيان بن عيينة قال: كان أهل الصلاح يكتب بعضهم إلى بعض بهذه الكلمات: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه»(3).

فمن شرع في تزكية نفسه ومجاهدتها، فإن نفسه تصير لوامة تلومه على فعل المعصية وعلى التفريط في الطاعة، وقد أقسم الله بهذه النفس فقال تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة).

ومن استمر في التزكية والمجاهدة صارت نفسه مطمئنة بذكر الله وطاعته وتبشر ببشارتين؛ بشارة من ملائكة الموت، وبشارة من الله جل جلاله؛ (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {29} وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر)، وعلى العاقل أن يجاهد نفسه حتى تستقيم على الخير وتحيا في ظلاله، وتحذر من الشر وتفر من موارده.

أشقى الأولين والآخرين

عن عبيد الله بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا عليّ»، وأشار إلى حيث يطعن(4)، فمن هو عاقر الناقة؟ وما علة الربط بينه وبين عبدالرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟

زبدة كلام أهل التفسير أنه قدار بن سالف أحيمر ثمود كان شريفاً في قومه عزيزاً فيهم، نسيباً رئيساً مطاعاً، لكنه صار نموذجاً من نماذج الخيبة التي ينتهي إليها من يدسي نفسه فيحجبها عن الهدى ويقذفها في مهاوي الردى.

قال قتادة: «بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنوبهم فسواها»(5، وبقصته كان ختام السورة الكريمة: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {11} إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا {12} فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا {13} فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا {14} وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس).

والربط واضح بين قدار، وابن ملجم، وأنهما في الشقاء سواء جمعهم خبث النية وسوء الطوية، استهدف قدار آية الله ومعجزة النبي، وابن ملجم ببدعته سفك دم أمير المؤمنين علي! ومن يقرأ التاريخ سيفهم أن هناك كثراً اختاروا أن يسجلوا أنفسهم في سفر الأشقياء وسجل البعداء يوم أن حاربوا الدين وانقلبوا على الصالحين، وأن طريق الشر والشقاء متجدد في كل عصر ومِصر، وأن لكل زمان «قداراً» يتآمر على الحق وصحبه، ومصيره مصير قدار وزمرته.

الهوامش
  • 1 فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب (27/ 4).
  • 2 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (78/ 22).
  • 3 صفة الصفوة (103/ 3).
  • 4 السلسة الصحيحة للألباني (1088).
  • 5 تفسير القرآن العظيم (4/ 3103).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة