; مواكب التابعين (2-2) | مجلة المجتمع

العنوان مواكب التابعين (2-2)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009

مشاهدات 111

نشر في العدد 1868

نشر في الصفحة 55

السبت 05-سبتمبر-2009

(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية

ملوك الآخرة (۲۳)

تناولنا في العدد السابق الصفة الخامسة من صفات عباد الرحمن، وهي قيام الليل عند التابعين، واليوم نستكمل الحديث عن المزيد من مواكب التابعين وعشقهم لقيام الليل وكيف أدرك هؤلاء لذة هذه العبادة ومناجاة الله عز وجل في السحر..

ابن المنكدر: التابعي الجليل

شيخ الإسلام محمد بن المنكدر نشأ في بيت عبادة، وتنسك، وكان محبا لقيام الليل، وكان كثير البكاء عند قراءته للقرآن أو عند سماعه له، بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى، فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله، وسألوه، فاستعجم([1]) عليهم، وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم([2]), فجاء إليه، فقال: ما الذي أبكاك؟ قال: مرت بي آية، قال: وما هي؟ قال: ﴿وَلَو أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرضِ جَمِيعا وَمِثلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفتَدَواْ بِهِۦ مِن سُوءِ ٱلعَذَابِ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَم يَكُونُواْ يَحتَسِبُونَ  (الزمر: 47)، فبكى أبو حازم معه فاشتد بكاؤهما([3]).

وكان له إذا ما دخل عليه الليل، يبدأ بالقيام ولكنه لا يرتوي، ولا يقضي حاجته، يقول: «إني لأدخل في الليل فيهولني، فأصبح حين أصبح، وما قضيت منه أربي([4]).

لقد أدرك هؤلاء حقيقة اللذائذ في دار الدنيا، فهجروا الوسائد والفرش، ليغترفوا ما استطاعوا من لذائذ الدنيا، بينما يغط بالنوم من أخطأ طريق اللذة، وهذا هو الفوز الذي تحدث عنه وليد الأعظمي عندما قال: 

فاز من سبح والناس هجوع

 يدفن الرغبة ما بين الضلوع

 ويغشيه سكون وخشوع

 ذاكرالله والدمع هموع

 ذاك سوف يغدو ذلك الدمع شموع

 تضيء الدرب يوم المحشر

 سجدة لله عند السحر([5])

ضحك القلوب

الإمام أبو سليمان الداراني زاهد العصر هكذا وصفه الإمام الذهبي لبروز صفة الزهد في حياته، كان يذكر أن أحد أسباب حبه للبقاء في الدنيا قيام الليل، إذ يقول: «لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكًا([6])، إنه يتحدث عن لغة لا يفهمها من لم يمارس هذه العبادة، فما يفقه ضحك القلوب إلا من استلذ قيام الليل وفضله على جاذبية الوسائد الدافئة خاصة في ليالي الصيف التي لا تكاد تبدأ حتى تنتهي لقصرها.

إنها السعادة النابعة من الشعور بالانتصار على النفس الأمارة بالسوء، إنها النشوة المنبعثة من الإحساس الشديد بمحادثة رب السموات والأرض إليك في الثلث الأخير من الليل، إنها اللذة النابعة من التفكر بما عند الله في جناته واحتقار زخارف الدنيا بأسرها، من هنا ينبعث ضحك القلوب.

إنه نوع من الفرح يصفه العابد الزاهد عطاء الخرساني فيقول: «قيام الليل محياة للبدن، ونور في القلب وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء كلها، وإن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحًا مسرورًا، وإذا نام عن حزبه أصبح حزينا مكسور القلب كأنه قد فقد شيئًا, وقد فقد أعظم الأمور له نفعًا([7]

إنه ضحك القلوب الذي يقسم الإمام العالم الجليل يحيى بن أبي كثير فيقول: «والله ما رجل يخلو بأهله عروسًا أقر ما كانت نفسه وآنس بأشد سرورًا منهم بمناجاة ربهم تعالى إذا خلوا به([8])».

إنه ضحك القلوب الذي أشار إليه الإمام الداراني عند الخلوة مع الله في قيام الليل وانه الحزن والبكاء عند قوات الدقائق الغالية بنوم أو غفلة، وهو ما عبر عنه الزاهد القدوة التابعي الجليل كرز بن وبرة عندما دخل عليه صاحبه العابد الزاهد الإمام القدوة أبو داود الحضري، فرآه يبكي فقال له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي مغلق، وإن سترى لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذئب أحدثته([9]).

الهوامش

([1] ) أى لم يفهموه.

([2] ) صاحبه سلمة بن دينار التابعي

([3] ) سير أعلام النبلاء 355/5

([4] ) سير أعلام النبلاء 358/5

([5] ) مجلة التربية الإسلامية 636/7

([6] ) سير أعلام النبلاء 184/10.

([7] ) البداية والنهاية 294/9 ط. دار الفكر.

([8] ) البداية والنهاية 294/9 ط. دار الفكر.

([9] ) حلية الأولياء 92/5 ط. دار الكتب العلمية.

الرابط المختصر :