البهلول وهارون الرشيد .. عظة مجنون للخليفة في موسم الحج
رُوي أن هارون الرشيد خرج إلى الحج، فلما كان بظاهر الكوفة أبصر بهلول راكبًا قصبةً، وخلفه الصبيان وهو يعدو، فقال: من هذا؟
فقيل: بهلول المجنون.
فقال: كنت أشتهي أن أراه، فادعوه إليَّ من غير ترويع.
فقالوا: أجب أمير المؤمنين.
فأقبل يعدو على قصبته، فلما دنا قال الرشيد: السلام عليك يا بهلول.
فقال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين.
قال: كنتُ إليك بالأشواق.
فقال: لكني لم أشتق إليك.
قال: عظني يا بهلول.
فقال: وبم أعظك؟ هذه قصورهم، وهذه قبورهم.
قال: زدني، فقد أحسنت.
فقال: يا أمير المؤمنين، من رزقه الله مالًا وجمالًا، فعفَّ في جماله، وواسى في ماله، كُتب في ديوان الأبرار.
فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال: قد أمرنا لك بقضاء دينك.
فقال: لا يا أمير المؤمنين، لا يُقضى الدين بالدَّين؛ ولكن رُدَّ الحقوق إلى أهلها، واقضِ دَين نفسك من نفسك.
فقال: فإنّا قد أمرنا أن يُجرى عليك رزقٌ.
فقال: يا أمير المؤمنين، أترى الله يعطيك وينساني؟
ثم ولّى هاربًا.
معاني الكلمات:
على قصبة: المراد أنه جعل القصبة كأنها فرس يركبها الصبيان في اللعب.
كنت إليك بالأشواق: أي كنت أشتاق إليك.
لا يُقضى الدين بالدَّين: جملة حكيمة حسنة السبك، ومعناها: لا تُصلح ظلمًا بظلم آخر أو بعطاء من مال الرعية.
وأجرى عليك: أن يُفرض لك رزق.
بيان وفوائد:
تنتمي هذه الحكاية إلى ذلك اللون العريق من الأدب العربي الذي يجمع بين الحكمة والزهد والموعظة، وهو الأدب الذي اشتهرت به أخبار "عقلاء المجانين"؛ أولئك الذين أخفوا حكمتهم خلف بساطة الهيئة أو غرابة السلوك، في حين كانت كلماتهم تنفذ إلى القلوب بصدقٍ لا تبلغه الخطب المزخرفة والنصائح المنمقة؛ ولهذا تبدو شخصية البُهلُول في هذه الرواية قريبة في روحها من شخصيات الزهاد الكبار أمثال الحسن البصري وإبراهيم بن أدهم وسفيان الثوري؛ إذ يقوم المشهد كله على مواجهة هادئة بين سلطان الدنيا وصوت الحكمة العابرة للمظاهر.
واللافت أن الحكاية لا تعتمد على الإطالة في الوعظ، بل على الجمل القصيرة المكثفة التي تترك أثرًا واسعًا في النفس. فأشد جملها حضورًا قول البهلول: "هذه قصورهم وهذه قبورهم"، وهي عبارة تقوم على مقابلة بليغة بين القصور والقبور، وكأنها تختصر الرحلة الإنسانية كلها في كلمتين: عمرانٌ ينتهي إلى فناء، وزينةٌ تعود إلى تراب.
وهذا النوع من المقابلات اللفظية كان كثير الدوران في أدب الزهد؛ لأنه يجمع بين جمال العبارة وقوة التذكير بالموت وسرعة زوال الدنيا.
وتزداد الحكاية عمقًا لأنها تجري في طريق الحج، والحج في الوعي الإسلامي ليس مجرد انتقال إلى مكان مقدس، بل لحظة يتخفف فيها الإنسان من أثقال الدنيا ويعيد النظر في نفسه ومصيره.
وعلى هذا جاءت كلمات البهلول منسجمة مع روح الموسم؛ فحين رأى الرشيد القصور والهيبة والسلطان بعين الخليفة، أعاده البهلول إلى الحقيقة التي يذوب أمامها الجميع: أن النهاية واحدة، وأن الإنسان لا يحمل معه من دنياه إلا عمله.
وفي الحكاية أيضًا معنى بديع يتعلق بقيمة الإنسان الحقيقية. فالخليفة الذي تهتز له البلاد يقف طالبًا الموعظة من رجل يركض على قصبة وخلفه الصبيان. وكأن الحكاية تريد أن تقول إن الحكمة ليست حكرًا على أصحاب المناصب، وإن القلوب قد تُفتح لكلمة صادقة تخرج من إنسان لا يملك جاهًا ولا سلطانًا. ولهذا بدا بهلول في موقفه أكثر حرية من الخليفة نفسه؛ لأنه تحرر من الحاجة إلى الناس، ومن رهبة السلطة، فلم يتكلف في كلامه ولم يطلب عطية ولا جاهًا.
كما تكشف الحكاية عن معنى رفيع للزهد، فبهلول لا يذم المال لذاته، وإنما يذم التعلق به وظلم الناس بسببه. لذلك قال: "من رزقه الله مالًا وجمالًا فعفَّ في جماله وواسى في ماله كُتب في ديوان الأبرار".
فالنعمة في التصور الإسلامي ليست مذمومة، وإنما المذموم أن تتحول إلى كبر أو أنانية. ومن هنا يرتبط الحج بمعاني المواساة والبذل والتجرد؛ إذ يقف الناس فيه سواسية لا فضل بينهم إلا بالتقوى.
وحين عرض الرشيد أن يقضي دينه، جاء رد البهلول أكثر عمقًا من مجرد رفض العطاء، إذ قال: "رُدَّ الحقوق إلى أهلها". وكأن الموعظة تنتقل من شأن الفرد إلى شأن العدالة كلها، فالإصلاح الحقيقي لا يكون بكثرة العطايا، بل برد المظالم وإقامة الحق.
وهذا المعنى من أصدق المعاني اتصالًا بالحج؛ لأن التوبة الصادقة لا تكتمل مع أكل حقوق الناس أو التهاون في المظالم.
ثم تبلغ الحكاية ذروتها في قوله: «أترى الله يعطيك وينساني؟». ففي هذه الجملة القصيرة تظهر عزة النفس والتوكل الكامل على الله، ويظهر أيضًا ذلك الاستغناء الداخلي الذي يجعل الإنسان حرّاً مهما قلّ ما في يده؛ ولذلك بقيت هذه الأخبار حيّة في كتب الأدب والزهد؛ لأنها لا تروي حادثة عابرة فحسب، بل تكشف الصراع الدائم بين سلطان الدنيا ويقظة الروح، وبين بهرجة القصور وحقيقة القبور، وتربط موسم الحج بمعناه الأعمق: رحلة العودة إلى الله قبل أن تكون رحلة إلى المكان المقدس.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً