القرآن.. وحماية الذات من الهلاك النفسي (1)

القرآن.. وحماية الذات من الهلاك النفسي (1)

يتعرض الإنسان المعاصر إلى جملة من التحديات الاجتماعية التي تنعكس بالسلب على سويته الوجدانية-النفسية، التي قد تؤدي به -في حالة أنه لم يستطع التغلب عليها أو إيجاد حلول لها- إلى موارد الهلاك سواء كان ذلك الهلاك ماديًّا؛ كالانتحار أو العبث بصحته الجسدية أو العضوية، أو معنويًّا وجدانيًّا-نفسيًّا، حيث يفقد طاقته الدافعة ناحية العمل والرغبة في الحياة وما يصاحبه من يأس وضعف في مواجهة هذه التحديات التي تتغلب عليه في كثير من الأحيان، لا سيما في ضوء انحسار التأثير الديني في بناء النفس المعاصرة.

موضوع هذه المقالة يتعلق بالإجابة عن تساؤل: كيف يمكن للقرآن أن يحمي النفس الإنسانية من هذا الهلاك النفسي؟ وكيف يمكن لكتاب الله الكريم أن يمُدَّ النفس الإنسانية بالقوة اللازمة لمواجهة لحظات الضعف واليأس التي يتعرض لها الإنسان في حياته؟ والتي لا تخلو من مثل تلك المنعطفات.

القرآن.. وبناء الطاقة الإيجابية للفرد

مهمة القرآن بناء النفوس، ويعتمد النهج القرآني في ذلك على مبدئية السلامة النفسية الذاتية أولًا؛ أي أن سلامة الإنسان المعنوية تبدأ من داخله قبل خارجه، بمعنى خلوّ الإنسان من كل المشاعر السلبية التي تسبب له المرض النفسي والاعتلال الوجداني الذي يعوق الفرد عن ممارسة حياته الاجتماعية بصورة طبيعية، ودافعة إلى تحقيق الطموح المرجوِّ.

وفي ذلك ينهى القرآن عن أن يحتل الغم والحزن والحسد والحقد والغل قلب الإنسان، وهذه من المهلكات للطاقة الإنسانية وحيويتها، ثم يأمر بالصبر والعفو والتغافر والصفح، والتواصل والتعارف، والعطاء والتراحم، والتعاون الإيجابي، والتوادِّ والمحبة، والإيثار، وهي كلها من موجبات شحذ الطاقة الإنسانية نحو العمل والتفاؤلية، وفي الأحداث الكبرى: (مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286).

يوجه القرآن الإنسان أن يفوض أمره لله تعالى، ويسلم له ما لا يستطيعه، فهو غير مكلف بحمله، فضلًا عن اعتباره واجبًا يجب القيام به: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286)، فالقرآن يحدد لنا نطاق العمل الواجب في الحياة، وهو نطاق حدود الطاقة البشرية والقدرة الإنسانية المحدودة بطبيعتها، وفي ذلك يعلن الوحي الكريم أنه جاء من أجل رفع الإصر عن كاهل الإنسان الذي وضعته الشرائع السابقة على متبعيها أو وضعه الإنسان على نفسه؛ (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157).

فشريعة القرآن جاءت لرفع كل ما يَثْقُل على الإنسان حمله، بحيث يحمل فقط ما يستطيع أن يحمله من أجل سلامته النفسية والعضوية معًا، قال جل شأنه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (النساء: 28).

فلا ينبغي للإنسان أن يخالف هذا النهج الشرع-نفسي، أو أن يـُحَــمَّل نفسه فوق ما يطيق أو يضع عليها إصرًا وأغلالًا منهيًّا عنها، وقد رفعها القرآن من عليه، ومن ثم فالقرآن يوجه الإنسان إلى أن يضع نفسه حيث يقدر ويستطيع أن يفعل، ويقوم في المقام اللائق به ماديًّا ونفسيًّا، فلا يسعى إلى ما دون ذلك فتسقط قدراته وحيويته وتضمُر، ولا ما فوق فوقه فتتساقط نفسه تدريجيًّا حتى يهلك.

القرآن.. ونهج حماية الذات

كما يقدم القرآن الكريم نهجًا تزكوياً لحماية الذات الإنسانية من الإقدام على مشارف الهلاك، فيُحذر الإنسان من كل ما يٌفْقِده الطاقة اللازمة للعمل والعمران، ويعيد شحذ حيويته اللازمة لممارسة أنشطة الحياة، ويمكن أن نلحظ ذلك في طريقين: الأول: طريق التخلية (تفريغ الوجدان من الطاقة السلبية وكل ما يساعد في إنشائها): وفي هذا المنحى ينهى القرآن عن الحزن الذي اعتبره دخلًا من الشيطان: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) (المجادلة: 10)، وذم اليأس ونهى عنه وقرَنه بالكفر: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87)، وكذلك شنع بالحسد: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) (الفلق: 5)، وحذر من الأَثَرة والشح: (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).

ونهى الوحي الكريم عن تمني رزق الآخرين أيًّا كانت صورته، قال تعالى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: 132)، قيل: لا تنظر بالرغبة إلى ما أعطينا رجالًا منهم من الأموال والأولاد، وقال أُبي بن كعب في معنى قوله: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى): من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسراتٍ، وأنه من أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه -هي فقط- في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه.

جاء نهي الذكر الحكيم عن هذه الصفات الذميمة لأنها في ذاتها إنما تؤثر على السلامة النفسية للفرد، وتحيد به عن سلامة السريرة ويتبعها قلق وتوتر يعوق عمل الطاقة النفسية للإنسان بشكل إيجابي، كما أنها تعوق التفكير السليم الذي يدفع الإنسان إلى استغلال قدراته الذاتية وتنمية قابلياته الفطرية.

أما الطريق الثاني: فهو طريق التحلية (أي إعادة بناء الطاقة والحيوية الوجدانية للإنسان): حيث يوجه الوحي الكريم الإنسان إلى الالتزام الأخلاقي بمنظومة من الأخلاقيات القرآنية تجعله قادرًا على أن يقوم من عثراته النفسية والوجدانية وتمده بالطاقة اللازمة لمواصلة السير والمسير، ومن ذلك: فضيلة الصبر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا) (آل عمران: 200)، ويُرَّغب فيه ببيان جزائه غير المحدود: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، ويزيد في الوصف بقوله: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) (المعارج: 5).

وقيل في القيمة الجمالية المضافة إلى الصبر هنا: أنه صبر من غير شكوى، وقيل: جميلاً: أي ليس فيه جزع، وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو.

وفضيلة كظم الغيظ: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (آل عمران: 134)، واستبقاء طاقة الغيط للعمل الجاد المثمر للفرد والمجتمع، وفضيلة الصفح: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (النور: 22)، بل يزيد إلى الصفح الجميل: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: 85)؛ أي الذي يجعل الإنسان يتغاضى عن أخطاء الآخرين ويبتعد عن إرهاق التفكير والعقل بالانتقام والمقابلة بمثله أو يزيد.

وكذلك حفَّز القرآن إلى التحلي بفضيلة التغافر: (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) (الجاثية: 14) الذي يجعل بالإنسان يفوق حال الملائكة، ثم يؤكد على التواصل الإنساني وذلك بالحث على التعاون البشري العام: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ) (المائدة: 2)، الذي يخفف من وطأة الحياة ورتابتها، ويُعين على نوائب الدهر والتعاضد النفس-وجداني- بين بني الإنسان، فالإنسان يأنس بأخيه الإنسان، كما أن كل خلق يأنس بشبيهه، وما في الأُنس والاتصال الرائق من استفراغ لعناصر الحزن والألم المحتملين في الحياة.

القرآن وبناء التوازن النفسي والتفاؤلية

يوجه القرآن في هذا المنحى إلى حالة التوازن النفسي التي تمَكِّن الإنسان من مواجهة المواقف المضطربة التي تخرج به عن هيئة السوية والاعتدال، وفي الغالب فإن تلك المواقف تقع بين الفوات والآتيات، فيجزع الإنسان للفوات جزعًا قد يصل به إلى الكفران أو يفرح فرحًا طاغيًا لآتٍ يرغبه فينسيه شكر المنعم -جل وعلا- فيرد فضل النعمة إلى غير مستحق شكرها، فيشرك بالله دون أن يدري.

لذا، يضع القرآن للإنسان قاعدة مفادها التوزان في الحالتين الفوات والآتيات ومبنى هذه القاعدة قوله تعالى: (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 23)، قال الفضيل بن عياض في هذا المعنى: الدنيا مبيد ومفيد، فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد آذَن بالرحيل.

ثم يرسُم القرآن مسارًا للتفاؤل النفسي واليقين الوجداني عنوانه: أن الأزمات لا تستمر وأن العسر يلازمه يسر بشكل دائم، فكل أزمة أو مشكلة يوجد بداخلها حلها يقول القرآن: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح)، قيل في المعنى: جاء العسر في الآيتين معرفًا فهو عسر واحد ومعرف، وجاء اليسر نكرة على سبيل الكثرة ولا يغلب عسر يسرين.

ومن عادة العرب إذا ذكروا اسمًا معرفًا ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر، وعن ابن مسعود قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة