القرآن وقضايا الأسرة.. رؤية معاصرة (1)
في ضوء الجدل
الدائر في المشهد العربي الإسلامي حول المرأة والأسرة، والأخطار المتعددة التي
تعرضتا لهما مكانتهما في السياق العالمي بصورة عامة، وفي السياق الإسلامي بصفة
خاصة، نردف سلسلة من المقالات نهدف فيها إلى بيان وتحليل تصور القرآن للمرأة،
ومكانتها في الأسرة والحقوق الأساسية، ومفهوم التمكين القرآني للأسرة والمرأة في
المجتمع.
لا نرغب في بناء
ما استهوى البعض تسميته بـ«النسوية الإسلامية»، ولكن نقصد من هذا الطرح إعادة بناء
التصورات الإسلامية (الشاكلة القرآنية) في موضوع المرأة والأسرة من مرجعية القرآن،
لا مرجعية الآراء الوضعية الوافدة أو الجامدة معًا، وتقديم معالجات من داخل القرآن
لقضايا المرأة والأسرة المعاصرة بما يحفظ استدامتها والمحافظة على أداء دورها
العمراني المنشود.
منطلقات النموذج القرآني نحو المرأة
الأول: يقوم هذا
المنطلق على مبدأ مفاده أننا لا يمكن النظر إلى موضوع المرأة في القرآن دون تعلقها
بموضوع آخر وهو الأسرة؛ لأن المرأة أحد الأطراف الأساسية في تكوين الوحدة
الاجتماعية الأولى لإنتاج البشرية بعد الخلق الأول (الذكر والأنثى).
فقد جاءت
افتتاحية سورة «النساء» تثبت هذا المبدأ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا
كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء: 1)، فالزوجية (الذكر والأنثى) إنما خلقا
لتكون ضمن مهمتهما الأساسية في الكون إنتاج الجنس البشري في صورته الثانية بعد
الخلق الأول المباشر من التراب.
والثاني: يقوم
على مبدئية «النفس الواحدة» كمنهجية للنظر في بناء الأسرة وتأسيسها في التاريخ
الإنساني، وجوهر هذه النظرة يقوم على أن الخلق الأول النفس الواحدة خلقت دون أي
اعتبارات تمييزية أو تفضيلية لأي من عنصري البث والانتشار على الآخر؛ ثم يتجلى
الخالق تعالى في إعادة ما تم بثه وانقسامه من النفس الواحدة إلى جمعه وتوحيده في
بناء الأسرة عبر سُنة الزوجية.
فالأسرة هي
إعادة اجتماع للنفس الواحدة التي انقسمت لتشكل وتعيد إنتاج الجنس الإنساني حيث
تقوم بإعادة الخلق مرة أخرى كأحد مظاهر التجلي للنفس الواحدة، ويترتب على تلك
النظرة القرآنية قيم مُتولّدة بين أعضاء الأسرة وأطرافها الرئيسة (الذكر والأنثى)
وهي: الوحدة والتآلف والانصهار الذاتي، وكذلك بينهما وبين الأعضاء الجدد فيها.
والثالث يتمثل
في مبدئية التكامل العضوي/الوظيفي لعناصر النفس الواحدة، ويعتمد هذا المنطلق على
مبدئية التكامل العضوي/الوظيفي بين المؤسسين الرئيسين للأسرة الزوجين، وهو ما يؤدي
إليه طبيعة الانقسام الفسيولوجي من النفس الواحدة، حيث ارتبط هذا الانقسام بجعل
تبادلية الاحتياجات الفطرية بين النوعين، هذه الاحتياجات الفطرية أُودعت في الجبلة
الأولى لهذه النفس وفي ذريتها التي انقسمت عنها، وهو ما يثبته القرآن الكريم.
يؤكد القرآن
الكريم باستمرار على مبدئية تبادل الاعتماد بين الرجل والمرأة مثلما يؤكده لكل
أفراد المجتمع(1)، وعلى سبيل المثال نجده يصف الزوج والزوجة بأن كل
منهما لباس للآخر، (هُنَّ
لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) (البقرة:187)، وأن كل منهما سكن للآخر (خلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) (الروم: 21)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف: 189).
وتأتي توجيهاته
للرجال والنساء بأن يتكاملا ولا يتنافسا وأنهم أولياء بعض؛ (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ) (التوبة: 71)، وأن على كل منهما مسؤوليات محددة مبينة يؤديها
من أجل صالح الآخر، ومن ثم صالح المجتمع الأكبر.
ويعتمد المنطلق
الثالث على مبدئية القانونية والأخلاقية في الرباط بين الرجل والمرأة؛ فيقوم هذا
المبدأ على جانبين متكاملين في الرباط بين الرجل والمرأة في تكوين الزوجية
والأسرة، ولا يمكن الاستغناء عنهما، ولا أن يقوم أحدهما مقام الآخر، وهذان المبدآن
هما: القانونية والأخلاقية.
فالقانونية تبدو
في الميثاق الذي وصفه الله تعالى بالغليظ (مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء: 21)، وفي ذات الوقت لا ينفصل عن
المبدئية الأخلاقية في المعاشرة بالمعروف والإحسان، وإعادة النظر فيما أفضى كلًا
منهما إلى الآخر حال الاختلاف والتشاحن، وكل ذلك دُوَّن تحت عنوان راسخ هو حدود
الله، وقد جاءت هذه الحدود والأحكام معقب عليها بالدعوة إلى مراقبة الله تعالى
فيما بين الزوجين من علاقات وتواصل أو حتى انقطاع.
ويقوم المنطلق
الرابع على مبدئية الحقوق والواجبات في نظام الأسرة؛ حيث يقوم هذا المنطلق على
مبدئية عدالة الحقوق والواجبات، فكل حق يقابله واجب في الأسرة، ومن البدء تقرر
منظومة القيم القرآنية.
إن كل فرد من
الزوجين له نفس الحقوق المتبادلة لا يعلو فيها أحد على أحد بسبب الاختلاف الجنسي، وتظهر
المساواة في مواطن عدة، كما أوضحتها منظومة القيم القرآنية، فالزوجان يتساويان في
كونهما لهما ذات الشخصية القانونية المستقلة والحقوق التي تترتب عليها، إذ نجد
القرآن يقرر حق المرأة في أن تتعامل في البيع والشراء وإبرام العقود والتكسب كما
الرجل، وأن تدير أموالها وممتلكاتها، وأن تحتفظ بما تشاء منها.
وقرر القرآن
علاوة على ذلك حق المرأة في ميراث الأسرة؛ (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ
وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا
قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) (النساء: 7)، وقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي
أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً
فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً
فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا
تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ
أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ
السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً
مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء: 11)، وحرَّم
حرمانها من هذا الميراث؛ (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) (النساء:
19).
وبين أن
صَدَاقَها عند زواجها ملك خالص لها لا يحل لزوجها أن يأخذ منه شيئًا (البقرة: 229)،
و(النساء: 19، 21، 2،5) إلا إذا أعطته عن طيب خاطر؛ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا
آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا
فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن
يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 227).
وهذه المساواة
الحقوقية (القانونية) تقوم على أصول المساواة في الخلق من الأساس بين الرجل
والمرأة، فهناك مساواة في أصل الخلق النفس الواحدة كما قرر القرآن في أكثر من موضع
(النساء: 1)، (وَأَنَّهُ
خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ) (النجم: 45)، ومساواة في
الجزاء والعمل؛ (فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (آل عمران: 195)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: 97)،
وقوله: (مَنْ عَمِلَ
سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر: 40).
ومساواة في
التكاليف الاجتماعية؛ (وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (التوبة: 71).
كما تقدم، فإن الأسس التي يقوم عليها النموذج المعرفي القرآن نحو مكانة المرأة وعلاقتها بالرجل إنما تؤكد قيم التناغم والتآلف والتبادل الفطري بين النوعين، وتعتبر أن هذه القيم الأصل المؤسس لتلك العلاقة، وأن أي مخالفة بالتنافر أو التشاحن أو التضاد إنما هي مخالفة لهذا الأصل تستدعي إعادة التوازن وفقًا لقانون القرآن والفطرة الإنسانية المشتركة بين الرجل والمرأة.
اقرأ أيضا:
مجلس الوزراء يبحث إصلاح الأسرة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً