العقل المقاصدي.. فقه الغايات وبصيرة المآلات
إن من تجليات الأزمة الفكرية التي يعيشها المسلمون في واقعنا المعاصر أن مشكلة الإنسان ليست دائمًا في جهله بما ينبغي أن يفعله، فقد يعرف الخير ثم يخطئ الطريق إليه، ويدرك المصلحة ثم يسيء ترتيبها، ويؤمن بالغاية النبيلة ثم يتوسل إليها بما يناقضها، ويخلص في قصده ثم يعجز عن تقدير عواقب فعله.
وكم من مشروع
بدأ بنية الإصلاح وانتهى إلى نتائج لا تشبه مقاصده، وكم من اجتهاد استند إلى دليل
صحيح لكنه أخطأ في فهم الواقع الذي أُنزل عليه، وكم من قرار حقق مصلحة عاجلة ثم
استنزف من المصالح الآجلة أضعاف ما حقق؛ وليس منشأ الخلل في هذه الصور غياب القيم
بالضرورة، وإنما قد يكون غياب العقل القادر على إدراك مراتبها، وفهم علاقاتها،
وحسن تنزيلها على الوقائع.
ومن هنا تبرز
حاجتنا إلى ما نسميه "العقل المقاصدي"؛ ذلك العقل الذي لا يكتفي بمعرفة
الأحكام والغايات، وإنما يمتلك ملكة النظر في عللها ومعانيها، والربط بين جزئياتها
وكلياتها، وفهم الواقع الذي تتنزل فيه، والموازنة بين المصالح والمفاسد، واستشراف
نتائج الأفعال والقرارات؛ فهو عقل يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، وبين أصالة
المرجعية ورحابة النظر، وبين سلامة المقصد ومشروعية الوسيلة وحكمة التصرف، فلا
تنفصل عنده المعرفة عن المسؤولية، ولا ينفصل الاجتهاد عن المآل، ولا تتحول المقاصد
إلى شعارات تُرفع دون أن تكون موازين يُحتكم إليها.
وتتأكد الحاجة
إلى هذا العقل في زمن تتشابك فيه المشكلات، وتتسارع تحولاته، وتتزاحم فيه المصالح،
وتتسع آثار الكلمة والقرار؛ فلم يعد قصور النظر مقصور الأثر على صاحبه، بل قد يمتد
إلى أسر ومؤسسات ومجتمعات وأجيال، وأصبحت الحاجة ملحة إلى عقل يستمد هدايته من
الوحي، ويستثمر طاقاته في الفهم والتعليل والتحليل والترجيح، ويزن اختياراته
بميزان العدل والرحمة والحكمة والمصلحة المعتبرة.
المقاصد علمٌ.. والعقل المقاصدي ملكةٌ
ثمة فرق جوهري
بين أن يعرف الإنسان مقاصد الشريعة، وأن يفكر بعقل مقاصدي؛ فالمعرفة بالمقاصد تمد
الإنسان بالأصول والكليات والغايات التي راعاها الشارع الحكيم، أما العقل المقاصدي
فيتكون حين تتحول هذه المعرفة إلى ملكة راسخة توجه الفهم والتقدير والاختيار
والتصرف، وتمنح صاحبها القدرة على الانتقال من إدراك المعاني النظرية إلى إعمالها
في الوقائع العملية؛ فليس كل من حفظ الضروريات الخمس، وعرف مراتب المصالح، ودرس
القواعد المقاصدية، قادرًا بالضرورة على تحقيق المناط، أو ترتيب الأولويات، أو
الموازنة بين البدائل، أو تقدير المآلات.
ويمكن تعريف
العقل المقاصدي بأنه: "ملكة معرفية ومنهجية وتقويمية، تتأسس على استيعاب
مقاصد الشريعة وكلياتها وقواعدها، وتتكامل فيها قدراتُ الفهم والتعليل والموازنة
والاستشراف، بما يؤهل صاحبها لإدراك المصالح الشرعية في سياقاتها الواقعية، وترتيب
أولوياتها، واختيار الوسائل المشروعة الملائمة لتحقيقها، والنظر في مآلات الأفعال
وتقويم آثارها".
وليس المراد
بذلك إنشاء مصدر جديد للتشريع أو إطلاق العقل من ضوابط الوحي، وإنما بناء عقل
يستنير بهداية الشريعة، ويعمل في ضوء أدلتها وقواعدها، ويستفيد من المعارف
والخبرات الإنسانية فيما يدخل في مجالات النظر والاجتهاد المعتبر.
وقد أسس القرآنُ
الكريم لهذا المنهج حين دعا إلى التعقل والتدبر والتفكر والاعتبار، وجعل التثبت من
المعرفة سابقًا على بناء المواقف، فقال سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء:
36).
فالعقل الذي
يتحمل مسؤولية أحكامه وقراراته لا يستقيم أن يتأسس على الظنون والانطباعات
والأخبار غير المتحققة، كما أن القرآن يربي الإنسان على فهم أبعاد الوقائع، لا
الاكتفاء بظاهرها، ويكشف عن قيمة الفهم الذي يتجاوز مجرد العلم، فيقول في قصة داود
وسليمان عليهما السلام: (فَفَهَّمْنَاهَا
سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) (الأنبياء: 79)؛ وفي
الآية إشارة إلى منزلة الفهم والاجتهاد في التعامل مع الوقائع، مع اجتماع أصل
العلم والحكمة.
وقد أدرك علماء
الأصول والمقاصد أن معرفة المصلحة لا تنفصل عن المرجعية التي تضبطها؛ ولذلك قرر
الإمام الغزالي في المستصفى أن المصلحة المعتبرة هي المحافظة على مقصود الشرع، ثم
بيّن أصول الحفظ الخمسة المتعلقة بالدين والنفس والعقل والنسل والمال(1)؛
فلم يجعل كل ما يراه الناس نافعًا مصلحة شرعية بمجرد ميلهم إليه، وإنما ضبط النظر
في المصالح بميزان التشريع، وميز بين المصلحة التي شهد الشرع باعتبارها، وتلك التي
شهد بإبطالها، وما يحتاج إلى نظر واجتهاد من المصالح التي لم يرد في أعيانها
اعتبار أو إلغاء خاص.
وجاء الإمام
الطاهر ابن عاشور ليوسع أفق النظر في المقاصد العامة، فعرّفها في كتابه مقاصد
الشريعة الإسلامية بأنها "المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال
التشريع أو معظمها"(2)؛ وفي هذا ما يكشف عن أن النظر المقاصدي لا
يقتصر على أحكام منفردة، وإنما يتجه إلى إدراك النسق العام للتشريع، وما ينتظم
أحكامه من معانٍ كبرى تتصل بصلاح الإنسان والمجتمع وحفظ نظام الحياة.
غير أن امتلاك
هذا العلم لا يغني عن بناء الملكة التي تحسن استعماله؛ فقد تكون المعرفة صحيحة
والتقدير فاسدًا، ويكون المقصد معتبرًا والوسيلة غير ملائمة، ويكون الحكم معلومًا
بينما يغيب تحقيق مناطه في الواقعة المعينة؛ ومن هنا فإن العقل المقاصدي يمثل
انتقالًا من مجرد الوعي بالغايات إلى امتلاك القدرة المنهجية على إدراكها
وتنزيلها، دون الخلط بين وظيفة المجتهد المؤهل في استنباط الأحكام، ووظيفة الإنسان
المسؤول في استعمال مبادئ التفكير الرشيد ضمن حدود اختصاصه.
ملكات العقل المقاصدي.. كيف تتكون البصيرة؟
لا يتشكل العقل المقاصدي
من معلومات متجاورة أو قواعد محفوظة، وإنما من ملكات تتفاعل وتتساند، ويأتي في
مقدمتها النظر الكلي التركيبي الذي يربط الجزئيات بكلياتها، والفروع بأصولها،
والأحكام بمقاصدها، والأعمال بغاياتها؛ فلا يستغرق صاحبه في واقعة جزئية حتى تغيب
عنه الصورة العامة، ولا يحتج بالمقاصد الكلية لإهدار الأدلة الجزئية الثابتة، بل
يمنح كل دليل منزلته، وكل حكم سياقه، وكل مصلحة مرتبتها؛ وهذا التوازن هو الذي
يحفظ العقل من التفكك في الجزئيات، كما يحفظه من التوسع غير المنضبط في استعمال
الكليات.
وتتصل بهذه
الملكة القدرة على التعليل والتحليل، بما يكشف عن المعاني والحِكَم والعلل
المعتبرة، ويميز بين المقاصد والوسائل، والثوابت والمتغيرات، وما يُطلب لذاته وما
يُطلب لغيره؛ فكم من وسيلة نشأت لخدمة مقصد معين، ثم طال استعمالها حتى تحولت في
وعي أصحابها إلى غاية مستقلة، وأصبح مجرد المحافظة عليها معيارًا للنجاح، ولو فقدت
قدرتها على تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها؛ والعقل المقاصدي يحافظ على الأصول
والثوابت، لكنه يراجع الوسائل الاجتهادية بحسب ملاءمتها ومشروعيتها وجدواها، ولا
يخلط بين الوفاء للمقصد والجمود على الأداة.
ولهذا كان
الإمام القرافي من أعمق من نبهوا إلى أثر تغير الأعراف في الأحكام المبنية عليها،
وقرر في الفروق أن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد مخالف
لما يقتضيه النظر الفقهي(3)؛ وليس معنى هذا أن الأحكام القطعية تتغير
بتغير الأهواء والأزمان، وإنما أن بعض الأحكام الاجتهادية المرتبطة بأوصاف وأعراف
معتبرة لا يصح تنزيلها على واقع تغيرت فيه أوصافها المؤثرة، دون إعادة النظر في
تحقق مناطها.
ثم تأتي ملكة
الفهم الواقعي والتشخيص الدقيق، وهي التي تمنع العقل من أن يستبدل بالواقع تصوراته
عنه، أو يعالج الأعراض ويترك الأسباب، أو يبني القرارات على ما يتمنى وقوعه بدل ما
تثبته الوقائع؛ فالمقاصد لا تعمل في فراغ، وإنما تتنزل على أحوال الناس وظروفهم
وقدراتهم واحتياجاتهم، ولذلك يحتاج العقل المقاصدي إلى معرفة الواقع معرفة موثوقة،
والاستفادة من أهل الخبرة، والتمييز بين المعلومات والأحكام، وبين الوقائع
وتأويلاتها، وبين المشكلة الحقيقية وصورتها الظاهرة.
ولنا في السنة
النبوية شاهد بليغ على هذا الفقه؛ فقد أطال معاذ بن جبل رضي الله عنه القراءة
بالناس في صلاة العشاء، فشق ذلك على بعض المصلين، فقال له النبي صلى الله عليه
وسلم: "يا معاذ، أفتان أنت؟"(4)؛ ثم أرشده إلى القراءة بما
يناسب أحوال المصلين.
وفي رواية
البخاري بيان أن وراءه الكبير والضعيف وذا الحاجة؛ فلم تكن المشكلة في فضل القرآن
أو مشروعية إطالة الصلاة من حيث الأصل، وإنما في عدم مراعاة أحوال المأمومين عند
الإمامة، وهو درس نبوي عميق في أن حسن القصد لا يعفي من مسؤولية حسن التطبيق.
وتكتمل هذه
الملكات بالقدرة على الموازنة والترجيح؛ لأن الحياة لا تقدم للإنسان دائمًا خيارًا
واضحًا بين خير محض وشر محض، وإنما قد تضعه أمام مصالح متزاحمة، وواجبات متفاوتة،
ومفاسد متعارضة، وموارد لا تكفي لتحقيق كل ما هو مطلوب؛ وهنا تتجلى قيمة فقه
الأولويات، ومعرفة مراتب الضروريات والحاجيات والتحسينيات، وتقدير المصالح العامة
والخاصة، والعاجلة والآجلة، والمتحققة والمحتملة.
وقد وضع سلطان
العلماء العز بن عبد السلام لهذا النظر أساسًا جليلًا في كتابه قواعد الأحكام في
مصالح الأنام، حين قرر أن "تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد"(5)
أمر تدرك العقول رجحانه؛ وتظهر قيمة هذا الأصل في أن الفقه لا يقف عند معرفة
الصالح والفاسد، بل يتجاوزهما إلى معرفة الأصلح عند تزاحم المصالح، والأخف ضررًا
عند تعذر دفع المفاسد جميعًا.
ومن هذا الباب
جاءت القواعد الفقهية التي قررها السيوطي في الأشباه والنظائر، ومنها قاعدة
"إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"(6)؛
كما قرر ابن نجيم في الأشباه والنظائر قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر"(7)،
وبيّن ما يقتضيه تفاوت الضررين؛ وهي قواعد لا تعني إطلاق الترجيح وفق المصلحة
المتوهمة، وإنما توجب تحقيق مراتب الضرر، والنظر في إمكان دفعه بغير ضرر مماثل أو
أعظم، وصيانة الحقوق التي لا يجوز انتهاكها بدعوى تحقيق منفعة أخرى.
بصيرة المآلات.. الحكمة التي تتجاوز اللحظة
إذا كانت
الموازنة تعلم العقل كيف يختار بين المصالح الحاضرة، فإن النظر المآلي يمنحه
القدرة على تجاوز اللحظة إلى ما يمكن أن تفضي إليه الأفعال من نتائج؛ إذ ليس كل
نافع في بدايته نافعًا في نهايته، ولا كل إجراء مشروع في أصله ملائمًا للتنفيذ على
كل حال، فقد يترتب على بعض التصرفات من المفاسد ما يحتاج إلى اعتبار عند الاجتهاد
والتنزيل.
وقد أسس القرآن
لهذا النظر في قوله تعالى: (وَلَا
تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا
بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108)؛ فنهى عن تصرف لما يمكن أن يفضي إليه من
مفسدة أعظم، مع بقاء بطلان الشرك ووجوب بيان الحق؛ وفي هذا تعليم بالغ الدلالة على
أن الحكم على الوسائل لا ينفصل عن آثارها، وأن العناية بالمقصد تستلزم النظر في
الطريق الموصل إليه.
وتتجلى هذه
الحكمة في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من إعادة بناء الكعبة على قواعد
إبراهيم عليه السلام؛ إذ قال لعائشة رضي الله عنها: "لولا حداثةُ قومك بالكفر
لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم"(8)؛ فقد راعى صلى الله
عليه وسلم ما قد يترتب على إعادة البناء من اضطراب في نفوس قوم حديثي عهد
بالإسلام، فترك ما رآه أولى من جهة البناء، مراعاةً لمصلحة أعظم تتصل بأحوال الناس
واستقرار إيمانهم.
وقد صاغ الإمام
الشاطبي هذا الأصل صياغة أصولية محكمة في الموافقات، فقال: "النظر في مآلات
الأفعال معتبر مقصود شرعًا"(9)؛ ثم بيّن أن المجتهد ينظر إلى ما
يؤول إليه الفعل قبل الحكم بالإقدام عليه أو الإحجام عنه، وهو تأصيل يجعل المآل
عنصرًا في الاجتهاد الرشيد، لا إضافة شكلية تأتي بعد اكتمال الحكم والتقدير.
لكن اعتبار
المآلات لا يعني الاستسلام للأوهام، ولا تعليق المصالح على مخاوف لا تقوم عليها
قرائن معتبرة، ولا الادعاء بالقدرة على معرفة المستقبل؛ وإنما يعني توظيف الخبرة
والمعطيات والسنن والتقديرات الراجحة في تصور العواقب المحتملة، والتمييز بين
المخاطر الواقعية والاحتمالات البعيدة، وبين الحذر الحكيم الذي يحفظ المصالح
والتردد الذي يعطلها.
ومن أخصب مجالات
هذا التفكير ميدان التربية والإصلاح؛ فقد يحقق برنامج تربوي نتائج ظاهرة في مدة
قصيرة، لكنه يعجز عن بناء ملكات مستقرة في نفوس المتعلمين، وقد يستهلك نشاط واسع
موارد مؤسسة كاملة بينما يكون الاستثمار في إعداد المعلمين والمربين أعمق أثرًا
وأطول بقاءً؛ وليس في هذا حكم مسبق بتقديم أحد المشروعين على الآخر، وإنما دعوة
إلى تحرير الحاجة، ودراسة البدائل، والنظر في قيمة الأثر واستمراره، قبل الانبهار
بحجم النشاط أو سرعة نتائجه.
العقل المقاصدي في مواجهة العقل التبريري
على أن أخطر ما
يهدد العقل المقاصدي ليس الجهل بالمقاصد وحده، وإنما تحويلها إلى أداة لتسويغ
القرارات المسبقة؛ وهنا يظهر الفرق بين عقل يبحث عن الحق والمصلحة قبل أن يختار،
وعقل يختار أولًا ثم يستدعي من الأدلة والمقاصد ما يبرر اختياره؛ فالأول يجعل
المقاصد حاكمة على أفكاره وتصرفاته، أما الثاني فيجعل أفكاره وتصرفاته حاكمة على
ما ينتقيه من المقاصد.
وكم من ممارسة
تلبست بلباس المصلحة العامة وهي لا تتجاوز منفعة خاصة، وكم من اجتهاد اتخذ من فقه
الأولويات ذريعة لإهمال واجبات لا يصح إهمالها، وكم من قرار استدعى قاعدة دفع
المفاسد دون أن يثبت أن المفسدة المتوقعة راجحة أو أن الوسيلة المختارة مشروعة؛
ولذلك فإن العقل المقاصدي الحقيقي عقل نقدي يراجع نفسه قبل أن يحاكم غيره، ويختبر
صدق دعاواه بميزان الأدلة والحقوق والوقائع والنتائج.
ومن أجمع ما
قرره الإمام ابن القيم في هذا الباب قوله في إعلام الموقعين من أن "الشريعة
مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد"(10)؛
ثم وصفها بأنها كلها عدل ورحمة ومصلحة وحكمة، ونبه إلى أن ما يخرج عن هذه المعاني
إلى أضدادها ليس من حقيقة الشريعة، وإن أُدخل فيها بالتأويل؛ وهي كلمات عظيمة
الدلالة على أن الانتساب اللفظي إلى الشريعة لا يكفي لتصحيح اجتهاد يفتقد أصول
العدل والرحمة والحكمة المعتبرة.
ومن هنا فإن
المقاصدية لا تعطي أحدًا حق تجاوز النصوص الشرعية القطعية، أو إهدار الحقوق
الثابتة، أو تبرير الوسائل المحرمة بدعوى نبل الغايات؛ كما أنها لا تمنح الأشخاص
والمؤسسات حصانة من النقد والمحاسبة لمجرد إعلانهم أنهم يسعون إلى تحقيق المصلحة؛
فالغايات المشروعة تحتاج إلى وسائل مشروعة، والاجتهادات البشرية تظل قابلة
للمراجعة والتصحيح، ولا تكتسب العصمة باستعمال المصطلحات الشرعية.
بل إن من أبرز
علامات نضج العقل المقاصدي شجاعة الاعتراف بالخطأ؛ فليس الإصرار على القرار بعد
ظهور قصوره وفاءً للمقصد، وإنما قد يكون إخلالًا به، وليست مراجعة الوسيلة تنازلًا
عن المبدأ، بل قد تكون عين المحافظة عليه؛ ولذلك يحتاج التفكير المقاصدي إلى
الشورى، والاستماع إلى أهل الاختصاص، واستقبال النقد، وتحقيق العدالة في النظر إلى
المتأثرين بالقرارات، ومراجعة النتائج بصدق وتجرد.
بناء العقل المقاصدي.. مهمة تربوية وحضارية
إن الحاجة إلى
العقل المقاصدي لا تخص الفقيه والمفتي وحدهما، وإن كان الاجتهاد الشرعي له شروطه
وأهليته، وإنما تمتد إلى كل مجال يمارس فيه الإنسان مسؤولية الفهم والاختيار
والتصرف؛ فالمربي يحتاج إليه ليميز بين حفظ المعلومات وبناء الملكات، والداعية
ليختار الخطاب الذي يحقق الهداية والإصلاح دون تنفير أو تعسف، والمعلم ليربط
التعليم بغاياته في تكوين الإنسان، والمسؤول ليوازن بين الحقوق والمصالح، والمصلح
الاجتماعي ليدرك أسباب النزاعات وسبل معالجتها، وصاحب القرار ليتحقق من أثر
اختياراته في الأفراد والمجتمع.
ولا يُبنى هذا
العقل بالمواعظ العامة وحدها، ولا بتكرار الحديث عن الضروريات الخمس وتقسيمات
المقاصد، وإنما يحتاج إلى مشروع تربوي ومعرفي تتكامل فيه دراسة الشريعة مع مهارات
التفكير والتحليل، وفهم الواقع مع معرفة السنن، والقدرة على الموازنة مع شجاعة
المراجعة؛ مشروع يتعلم فيه الإنسان كيف يحرر المشكلة قبل أن يبحث عن حلها، وكيف
يميز بين المقصد والوسيلة، وكيف يختبر المعلومات، ويقارن البدائل، ويتوقع النتائج،
ويستمع إلى المخالف، ويصحح تقديره إذا ظهرت له معطيات جديدة.
وإذا كنا نريد
لهذا العقل أن ينشأ في أجيالنا، فلا بد أن يكون حاضرًا في مناهج التعليم وأساليب
التربية وثقافة المؤسسات؛ فلا نربي أبناءنا على تلقي الإجابات دون فهم أسئلتها،
ولا نعلم طلابنا حفظ النتائج دون إدراك مسالك الوصول إليها، ولا نختزل نجاح
المؤسسات في كثرة الأنشطة وتقارير الإنجاز، وإنما نربط العلم بالفهم، والعمل
بالأثر، والمسؤولية بالمحاسبة، والغايات بالمقاييس التي تكشف مدى تحققها.
إن المقاصد في
حقيقتها ليست بابًا فقهيًّا معزولًا عن حركة الحياة، بل هي من أعظم ما يكشف عن
حكمة التشريع في هداية الإنسان وصلاح معاشه ومعاده؛ وإذا تحولت إلى ملكة حاكمة في
التفكير، أمكن أن تسهم في بناء وعي أقدر على الجمع بين العلم والعمل، وبين
المحافظة والتجديد، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين عمارة
الأرض بقيم الحق والخير والعدل والإحسان.
ولعل السؤال
الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في ضمائرنا ليس مقدار ما نعرفه من مقاصد الشريعة، وإنما
مقدار ما يظهر من آثار هذه المعرفة في تفكيرنا وأحكامنا وأولوياتنا وممارساتنا؛
فهل نطلب الحقيقة أم ننتقي ما يؤيد مواقفنا؟ وهل نزن القرارات بغاياتها ومآلاتها
أم نكتفي بحسن النيات؟ وهل نمتلك الشجاعة لمراجعة الوسائل إذا لم تحقق المقاصد؟
وهل نرى في الاختلاف فرصة لتوسيع النظر أم تهديدًا لما ألفناه من آراء؟
إن العقل
المقاصدي ليس عقلًا يتحدث عن الغايات فحسب، وإنما عقل يرى بها، ويفكر في ضوئها،
ويزن الخيارات بميزانها، ويختبر النتائج على هديها؛ وهو لا يكتمل بمجرد معرفة ما
ينبغي فعله، بل يتجلى في إدراك ما ينبغي تقديمه أو تأخيره، وما يحسن الإقدام عليه
أو الإحجام عنه، وما يجب الثبات عليه أو مراجعته، حتى لا تصبح المقاصد كلمات جميلة
تعجز عن هداية العمل.
ولن يكون لتجديد
الفكر والإصلاح والتربية والعمران أثره المنشود ما لم نصنع العقل الذي يحسن وصل
العلم بالحكمة، والقصد بالعمل، والوسيلة بالغاية، والحاضر بالمستقبل؛ فالحضارات لا
تنهض بكثرة ما تعرفه من الحقائق وحدها، وإنما تنهض أيضًا بقدرتها على تحويل
المعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى اختيار رشيد، والاختيار إلى عمل صالح، والعمل إلى
أثر باقٍ في حياة الإنسان والأمة.
وهنا تتجلى الغاية الكبرى من بناء العقل المقاصدي؛ أن نحسن فهم مراد الله في شرعه، وأن نحسن القيام بمقتضى هذا الفهم في واقعنا، وأن يكون صلاح الإنسان وعمران الحياة بالحق والعدل والخير ثمرةً للعلم الراشد والعمل المسؤول.
الهوامش
- 1 الغزالي، المستصفى، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، ص 174.
- 2 ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر، 3/165
- 3 القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق، بيروت: عالم الكتب، دون تاريخ (1/ 176-177).
- 4 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول (705)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة (465).
- 5 العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية (1/ 6-7).
- 6 السيوطي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1403هـ/ 1983م، ص 88.
- 7 ابن نجيم، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1419هـ/ 1999م، (1/ 87).
- 8 رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحج (1585)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج (1333).
- 9 الشاطبي، الموافقات، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م، (5/ 177-178).
- 10 ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد. بيروت: دار الجيل، 1973م، (3/ 11-12).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً