فقه الاستجابة في زمن التحولات (4)

نحو تجديد الفقه والفقيه.. التكامل المعرفي

د. بلال مطاوع

14 يوليو 2026

136

نحو تجديد الفقه والفقيه.. التكامل المعرفي

إذا كان التكامل الأدواتي يهدف إلى تعزيز فاعلية الفقيه في الواقع، فإن التكامل المعرفي يتجه إلى إعادة بناء تكوينه العلمي، بما يجعله أقدر على فهم التحولات وتنزيل الأحكام عليها، وهذا النوع من التكامل لا ينهض به الفقيه وحده، بل يتشكل داخل بيئة معرفية تشاركية يكون فيها الفقيه العنصر الأهم دون أن يكون العنصر الوحيد، والتكامل المعرفي المنشود في صناعة الفقيه يمكن تحقيقه من خلال:

أولاً: التكامل بين الدرس النظري والتدريبي:

لاحظ ابن خلدون أن كثرة التآليف في العلوم والإفراط في الاختصارات، إلى جانب التوسع في علوم الآلة حتى صارت مقصودة لذاتها، قد أفضى إلى إضعاف العملية التعليمية وإعاقة التحصيل، حتى في مستواه النظري (مقدمة ابن خلدون).

ولعل هذا الملحظ يفسّر استمرار غلبة الطابع النظري على الدرس الفقهي المعاصر، كما كان عليه في كثير من مراحله السابقة، في مقابل غيابٍ ملحوظٍ للجانب التطبيقي الذي يُعنى بالتدريب أثناء مرحلة التأهيل والتكوين.

وكما أن فقه المواريث وفقه المصارف الإسلامية وفقه القضاء لا يتمكن منه الفقيه أو القاضي إلا بالدربة والممارسة العملية فإن باقي أبواب الفقه كذلك، ولأن العلماء -بحكم اعتيادهم القياس الفقهي- تميل أنظارهم إلى التجريد الذهني والتنظير الفكري، ذهب ابن خلدون إلى أنهم من بين البشر أبعدُ الناس عن السياسة ومذاهبها؛ إذ لا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر على نحو ما اعتادوه في الأحكام الشرعية، ومن ثمّ، فإنهم إذا نظروا في السياسة أفرغوها في قوالبهم الذهنية وأنماط استدلالهم، فيقعون في الغلط كثيرًا، ولا يُؤمَن عليهم ذلك (مقدمة ابن خلدون).

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبنِّي سياسة التدريس الفقهي في كل أبواب الفقه، التي تنقل المتفقِّه من التجريد الفقهي إلى معالجة قضايا واقعية تُطرح للنقاش العلمي، بغية الوصول إلى حلول فقهية عملية، ويمكن الاستعانة بصيغ تدريبية معاصرة، مثل المحاكمات الصورية، وحلقات المحاكاة، وبرامج دراسة الحالات، بما يتيح للمتفقّه اختبار قدرته على تنزيل الأحكام على الوقائع.

وهذا المسار من شأنه أن ينمّي ملكة التفكير الفقهي، ويعزّز مهارات البحث في المصادر الشرعية والعلوم المساندة، ويربط المعرفة النظرية بسياقها التطبيقي، بما يؤهّل الفقيه للتعامل مع تعقيدات الواقع بكفاءة.

ثانياً: التكامل بين النظر الجزئي والكلي:

والمقصود بذلك الخروج من حالة الفقه التجزيئي الذي ينظر إلى القضايا الفقهية بمعزل عن المقاصد والكليات الشرعية، وعن سياقاتها التاريخية، والمعطيات الواقعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وانشغالُ العقل الفقهي بالفروع الجزئيات على حساب الكليات داءٌ قديمٌ متجدِّد، شكا منه العلماء والمصلحون، فقد كان الوصول إلى رتبة الاجتهاد -كما يراه تقيّ الدين السبكي- ميسورًا في زمانه، بل أسهل منه فيما قبله؛ غير أن التوسع في علوم غير الشريعة أو في علوم الشريعة بالجدل والتعمق في التفريعات الدقيقة، يصرف فاعله عن إدراك نَفَس الشريعة وقواعدها الكلية، وهو ما مكّن العلماء المتقدمين من بلوغ رتبة الاجتهاد، بينما حُرِم منه كثير من المتأخرين. (السبكي، معنى قول الإمام المطلبي إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي).

والواقع أن التوسع في الجزئيات على حساب الكليات كما يحرم الفقيه من الاجتهاد داخل الإطار الفقهي، فإنه يحجب نظره عن التبصر بالصورة الكلية للأحداث والوقائع الحالية والمستقبلية، وهو ما قد يفسّر تعثر بعض فقهاء الفروع عند الانخراط في قضايا الشأن العام، في المقابل، برزت نماذج لفقهاء امتلكوا أدوات النظر الجزئي والكلي معًا، ما مكّنهم من تجاوز بعض الاستدلالات الجزئية والأقوال الشائعة، كما هو الحال عند الجويني وابن تيمية والعز بن عبد السلام.

ولأن الفقه الكلي بهذه الأهمية، فقد أناط الجويني بمقاصد الشريعة أخطر مهمة، مهمة الإنقاذ السياسي والاجتماعي للعالم الإسلامي من الهوة التي رآها وشيكة الوقوع، وفي التعامل مع هذا الوضع المتردِّي، لم ير الجويني منقذًا سوى تأسيس القول في مقاصد الشريعة الكلية، والرفع بها من مستوى الظن، الذي هو سمة الفقه وأصوله، إلى مستوى قواطع الأدلة. (عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام).

ومن هنا تبرز حاجة الفقيه إلى معرفة الواقع السياسي المحلي والعالمي، والظروف الاقتصادية، وطبيعة الصراع اليهودي الصليبي، ونحوها من القضايا المركزية، كشرط ضروري لتنزيل الأحكام الشرعية تنزيلًا صحيحًا في الواقع.

ثالثاً: الجمع بين الإفتاء والإصلاح:

وظيفة الفقيه ومجالات عمله أعمق وأشمل من أن تقتصر على بيان الحكم الشرعي سواء في المسائل التقليدية أو المستجدَّة فقط، على أهمية هذا الموضوع؛ إذ تتمثل مهمته في إصلاح المجتمع ومعالجة الواقع الذي يفرز ما يراه الفقيه مجانبًا لجادة الصواب، وإعادة تشكيله بما يتوافق مع أحكام الشريعة، وهذا ميدان عمل شاق وصعب وطويل، وعليه فلا يكفي أن يصوغ الفقيه الأحكام وفقًا لمرجعية الشريعة، بل لا بد من صناعة الإطار الاجتماعي الذي يقبلها ويطبقها.

وقد اختبرت حرب الإبادة في غزة الحجم الحقيقي لأثر الخطاب الفقهي حين يبقى حبيس البيانات المجرّدة، دون أن يمتلك أدوات الامتداد الاجتماعي والعملي المؤثر.

وإن الواقـع المعاصـر يفـرض علـى فقيــه اليـوم في هذا المجال (الإصلاح الاجتماعي بجانب العمل الإفتائي) واجبات أكبـر من واجبات الفقيه السابق، وإذا كان دور الفقيه الأعظم إحداث التغيير في المجتمع، فإن هذا بدوره يتطلَّب أن يدخل في بناء الفقيه الجديد معارف ضرورية، كسنن التغيير وطبيعة الاجتماع البشري.

رابعاً: التكامل بين الفقه والعلوم الخادمة:

تفرض التحولات الكبرى في واقع اليوم أن يدخل في تكوين فقيه اليوم مجموعة من المعارف في المجالات الخادمة للعلوم الشرعية، كعلم الاقتصاد والسياسة والاجتماع والنفس وغيرها، وإن إغفال ذلك يوسّع الفجوة بين التكوين الفقهي وحاجات الواقع، بما يفضي إلى قصور في الفتوى وإضعاف مكانة الفقه والشريعة التي يحملها.

وفي بيان المقصود من إدراك هذه المعارف، يؤكد القرضاوي ضرورة إلمام المجتهد بثقافة عصره، بما يشمل قدرًا من العلوم الإنسانية، بل وبعض المعارف العلمية المرتبطة بقضايا العصر، كالأحياء والطبيعة والكيمياء والرياضيات؛ إذ لا يمكن الإفتاء في هذه القضايا دون تصور صحيح لها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والمقصود من ذلك عند الشيخ هو تحصيل القدر الضروري من المعرفة، لا بلوغ التخصص الشامل فيها. (القرضاوي، الاجتهاد في لشريعة الإسلامية).

في المقابل، يرى د. جمال الدين عطية أن هذا القدر ضروري لإعداد الداعية المعاصر، لكنه لا يكفي لإعداد المجتهد المعاصر؛ حيث إن هذه العلوم والتي أصبحت الآن تخصصات عامة تشمل تخصصات دقيقة داخل كل منها، والذي لا بد له من تكوين تخصصي مزدوج يجمع بين الشريعة والتخصص الذي يتَّجه كالاقتصاد أو الطب أو غيرهما، من خلال تخصصات بينية متكاملة.

ورأى عطية أن الاكتفاء باللجان المشتركة بين الفقهاء والمتخصصين، يُعدّ حلًا جزئيًّا لا يعالج الإشكال من جذوره، لأنه يكرّس الازدواج المعرفي، بينما الحل الأعمق هو بناء هذا التكامل داخل تكوين الفقيه نفسِه. (توسيع مجال الاجتهاد.، آفاق وعقبات)

خامساً: التكامل بين متطلبات الفرد والجماعة:

في أكثر من موضع من كتابه مقاصد الشريعة، لاحظ ابن عاشور أن الفقهاء يقرِّرون المعنى في خصوص ما يتعلق بالأفراد ولا يتطرَّقون إلى بيانه وإثباته فيما يتعلق بالمجموع العام، تطرَّق لهذا الملحظ عند حديثه عن أهم مقصد للشريعة، وكذلك في مباحث الرخصة وسدّ الذرائع والمصالح المرسلة.

عند حديثه عن أهم مقصد للشريعة من التشريع وهو انتظام أمر الأمة، وجلب الصالح إليها، ودفع الضر والفساد عنها، لاحظ الطاهر بن عاشور أن الفقهاء يستشعرون هذا المعنى في خصوص صلاح الأفراد، ولم يتطرّقوا إلى بيانه وإثباته في صلاح المجموع العام، مع أن أحدًا منهم لا ينكر أنه إذا كان صلاحُ حال الأفراد، وانتظامُ أمورهم مقصد الشريعة، فإن صلاح أحوال المجموع وانتظامُ أمر الجامعة أسمى وأعظم، وهل يُقصد إصلاحُ البعض إلَّا لأجل إصلاح الكل؟، ثم قال: فعلينا أن نتخيّل الأمة الإِسلامية في صورة الفرد الواحد من المسلمين فتعرِضُ أحوالها على الأحكام التشريعية كما تُعرَضّ أحوال الفرد، فهنالك يتّضح لنا سبيل واضحة من الإجراء التشريعي في أحوال الأمة. (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية).

وعند حديثه عن الرخصة، رأى أن الفقهاء أيضًا إنّما فرضوا الرخص ومثّلوها في خصوص أحوال الأفراد، ولم يعرجوا على أن مجموع الأمة قد تعتريه مشاق اجتماعية تجعله بحاجة إلى الرخصة، وذلك أنه قد يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها، بما يستدعي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة، وإبقاء قوتها، أو نحو ذلك، ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدرُ من اعتبار الضرورة الخاصة، وأنَّها تقتضي تغييرًا للأحكام الشرعية المقرِّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة.

ومن ثمّ، قد يرخِّص الفقيه التقليدي يرخّص للفرد في مسألة معيّنة، لكنه لا يوسّع هذا الترخيص ليشمل الجماعة التي تعيش ظرفًا أشدّ تعقيدًا، وهو ما يكشف خللًا في الموازنة بين النظر الفردي والنظر الجماعي.

وقد يُعزَى ما لاحظه ابن عاشور إلى حالة الانكسار والانكفاء التي حصلت للفقيه بعد تغول السلطة السياسية، بما جعله يعتزل قضايا الحكم، وجعلت الاجتهاد يصطبغ بصبغة الاضطرار فيما عدا العبادات الفردية، كما يقول عبد السلام ياسين.

وقد كان الجويني سبَّاقا في هذا المضمار، وحيث إنه كان يرنو إلى معالجة واقع يتعلق بقضايا الأمة الكلية، اختبر قدرة القواعد الفقهية، فوجدها غير كافية وحدها لتغطية حاجات الجماعة، فآل به النظر إلى تعظيم دور مقاصد الشريعة، واعتبارها الأداة الأقدر على استيعاب حاجة الجماعة ومعالجة أزماتها.

إن تجديد الفقه والفقيه يعود إلى تفعيل الاجتهاد، ليس الاجتهاد بمعناه الضيق، المقتصر على استنباط الأحكام فحسب، بل يمتد ليشمل الاجتهاد في الآليات والوسائل وأنماط العمل، بما يواكب تعقيد الواقع وتسارع تحولاته.

ويبقى السؤال المهم: من الجهة القادرة على رعاية هذا المسار وتحويله إلى برامج عملية، ولو في نطاق محدود، تُنتِج نموذجًا قابلًا للاحتذاء؟ وهو سؤال مفتوح للنقاش والبحث، يمكن أن تتناوله ورش العمل والحوارات التي يُعنَى أصحابها بتعزيز موقع الفقيه في معادلة الواقع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة