أمهات المؤمنين.. زوجات النبي ﷺ الأمين (3)

السيدة حفصة بنت عمر الصوامة القوامة

السيدة حفصة بنت عمر الصوامة القوامة

نالت السيدة حفصة مكانة عالية، كونها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة خليفته الثاني، كما أنها تولت المحافظة على كتاب الله تعالى بعدما جمعه أبو بكر رضي الله عنه، فلا بد من إلقاء الضوء على سمو منزلتها على النحو التالي:

أولاً: السيدة حفصة قبل الصلة بالنبي:

السيدة حَفْصَة بنت عمر بن الخطّاب بن نُفَيْل، أمّها زينب بن مظعون، وعن عمر قال: وُلدت حفصة وقريش تبنى البيت قبل مبعث النبيّ، صلى الله عليه وسلم، بخمس سنين (الطبقات الكبرى، ابن سعد 8/ 81).

كانت متزوجة من خُنَيس ابن حذافة، السّهمي وكان زوجها ممن هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر بها إلى المدينة وكان ممّن شهد بدرا فمات بها من جراحات أصابته ببدر (سبل الهدى والرشاد، 12/ 84).

ثانياً: الزواج بالنبي:

لما توفي زوج السيدة حفصة حزنت عليه حزناً شديداً، فأراد والدها عمر بن الخطاب أن يزوجها برجل آخر فعرضها على الصحابة الكرام، فرفضوا الزواج منها، ففي البخاري أن عمر بن الخطاب، حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد «بدراً»، وتوفي بالمدينة.

قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئاً، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت على حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم.

قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها.

وإذا كان سيدنا أبو بكر قد ذكر سبب امتناعه عن الزواج من السيدة حفصة، إلا أن سيدنا عمر شكي سيدنا عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يذكر سبب رفضه من الزواج من ابنته، فبيّن له سبب ذلك، قلت: يا رسول الله، ألا تعجب من عثمان! إني عرضت عليه حفصة، فأعرض عني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد زوّج الله عثمان خيرًا من ابنتك وزوّج ابنتك خيرًا من عثمان».

قال: وكان عمر عرض حفصة على عثمان متوفّى رقيّة بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم وعثمان يومئذٍ يريد أمّ كلثوم بنت النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فأعرض عثمان عن عمر لذلك، فتزوّج النبي صلى الله عليه وسلم حَفْصَة وزوّج أمّ كلثوم من عثمان بن عفّان. (الطبقات الكبرى، ابن سعد، 8/ 83).

ثالثاً: العناية الإلهية بالسيدة حفصة:

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أسر سراً للسيدة حفصة وحثها ألا تخبر به أحداً، غير أن السيدة حفصة أفشت سر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن حفصة ذهبتْ إلى أبيها تتحدّث عنده، فأرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى جاريته، فظلّت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غَيْرةً شديدةً.

فلما دخلت حفصة قالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سُؤْتَني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لأُرْضِيَنَّك، وَإني مُسِرٌّ إليك سراً فاحفظيه»، قالت: وما هو؟ قال: «إِني أشهدكِ أن سِرِّيَّتي هذه عليَّ حرام رضاً لَكِ»، وكانت عائشة، وحفصة متظاهرتين على نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فقالت لها: أبشري، إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حرَّم عليه فتاته، نزلت هذه الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً) (التحريم: 3) (زاد المسير، ابن الجوزي، (4/ 305).

رابعاً: طلاق النبي لحفصة:

فعن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي فقال ما يبكيك؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك. (حلية الأولياء، للأصفهاني، (3/ 51).

لكن الله تعالى أراد أن يعيد السيدة حفصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يراجعها، فقد روى الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فوضع التراب على رأسه فقال: ما يعبأ الله بك يا ابن الخطاب بعد هذا، فنزل جبريل فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر.

وعند الحاكم في «المستدرك» عن قيس بن زيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر، فدخل عليها خالاها قدامة، وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: والله ما طلقني عن شبع، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «قال لي جبريل: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة».

وهنا قد أعادها الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقربها من الله تعالى كونها صوامة قوامة ورحمة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومزية له لعناية الله به.

خامساً: حفظ السيدة حفصة لكتاب الله تعالى:

بعدما اقترح سيدنا عمر على أبي بكر جمع القرآن في مصحف واحد فتم جمعه ووضعه عند السيدة حفصة بعد وفاة سيدنا عمر فاعتنت به غاية الاعتناء.

فعن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: لما أمرني أبو بكر فجمعت القرآن كتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب، فلما مات أبو بكر رضي الله عنه كان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده، فلما مات عمر رضي الله تعالى عنه كانت الصحيفة عند حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ثم أرسل عثمان رضي الله عنه إلى حفصة، فسألها أن تعطيه الصحيفة وحلف ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فردها إليها وطابت نفسه وأمر الناس فكتبوا المصاحف فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبدالله بن عمر بالصحيفة بعزمة فأعطاهم إياها. (حلية الأولياء، 2/ 47).

سادساً: وفاة السيدة حفصة:

توفّيت في شعبان 45هـ بالمدينة وصلّى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة وحمل سريرها بعض الطريق، ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها، ونزل في قبرها عبدالله، وعاصم ابنا عمر، وسالم، وعبدالله، وحمزة بنو عبدالله بن عمر، وقد بلغت 60 سنة، وقيل: ماتت سنة 41هـ.

وقيل: ماتت لما بايع الحسن معاوية وذلك في جمادى الأولى سنة 41هـ فأوصت إلى عبدالله أخيها بما أوصى إليها عمر، وتصدقت بمال وقفته بالغابة. (سبل الهدى والرشاد، 12/ 86).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة