الزواج من مريض نفسي.. هل هو ممكن؟!
من القضايا التي
كثيراً ما يساء فهمها في مجتمعاتنا قضية المرض النفسي الذي لا يزال يتعامل معه في
بعض الأوساط كوصمة اجتماعية أكثر من كونه حالة صحية، فكلمة «مريض نفسي» تستخدم
أحياناً على سبيل الازدراء، وأحياناً تثير مخاوف مبالغ فيها خاصة عندما يتعلق
الأمر بالزواج.
وقد يصل الأمر
في المخيلة الشعبية إلى تصور أن الزواج من شخص تم تشخيصه بالمرض النفسي زواج محكوم
عليه بالفشل، بل ربما يرتبط في أذهان البعض باحتمالات خطيرة أو عنف بالغ، والسؤال
الملح هنا: ما مقدار الحقيقة في هذه التصورات؟ وكم تحتمل من مبالغات؟
طيف واسع من حالات الاضطراب النفسي
في حادث مأساوي
وقع مؤخراً في إحدى المحافظات المصرية، أنهى زوج حياة زوجته أمام طفله الرضيع ثم
انتحر، لكن المثير للجدل هو ما علقت به والدة الزوجة القتيلة على الحادث حيث أعلنت
أنها تسامح زوج ابنتها لأنه كان مريضاً نفسياً، وسبق احتجازه في إحدى المصحات
النفسية، وتواترت تعليقات الجمهور تنتقد هذه السيدة بدءاً من: كيف تزوج ابنتها من
مريض نفسي؟ انتهاء لماذا لم تطلق ابنتها بعد دخوله المصحة؟ وقد أعاد ذلك إلى
الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً حول تأثير الاضطرابات النفسية على الحياة الأسرية.
لكن الحقيقة
التي قد تغيب عن الكثيرين هي أن الاضطراب النفسي ليس حالة واحدة، وإنما طيف واسع
جداً تماماً كما هي الحال مع الأمراض الجسدية، فكما لا يمكن مقارنة نزلة برد بسيطة
بمرض مزمن خطير، لا يمكن أيضاً مقارنة القلق والاكتئاب الخفيف بحالات الذهان أو
الفصام غير المستقرة.
الاضطراب النفسي
شائع للغاية ولا يمكن تجاهله أو إنكاره، حيث تشير تقديرات منظمات الصحة العالمية
إلى أن واحداً من كل 8 أشخاص يعانون من اضطراب نفسي؛ أي أننا نتحدث عن أكثر من
مليار إنسان (تشكل الاضطرابات الخفيفة والمتوسطة النسبة الأكبر منهم حيث قد تصل إلى
80 - 90% من الحالات.
بل إن دراسة
علمية كبيرة اعتمد فيها باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية وجامعة
كوينزلاند في أستراليا على نتيجة عقدين من استطلاعات منظمة الصحة العالمية، توصلت
إلى أن نصف سكان العالم قد يعانون من أحد اضطرابات الصحية العقلية مثل الاكتئاب أو
القلق بحلول سن الـ75 عامًا، وأن العلامات الأولى غالباً ما تبدأ في سن المراهقة.
هل يجب إخبار الطرف الآخر؟
هل يجب الإفصاح
عن تاريخ الاضطراب النفسي قبل الزواج؟
الأمانة تقتضي
أن نخبر الطرف الآخر بما قد يؤثر على جودة الحياة الزوجية، ولكن علينا أن نميز بين
أمرين:
الأول: هناك
حالات لاضطرابات نفسية حدثت في الماضي كانت مرتبطة بظرف معين مثل ضغط دراسي أو
فقدان شخص عزيز، وتم علاجها بالكامل دون عودة الأعراض لسنوات، وبالتالي فلا ضرورة
من إخبار الطرف الآخر بهذا الاضطراب.
الثاني: في
المقابل، هناك حالات أخرى يكون الاضطراب مستمراً أو مزمناً مثل بعض حالات الاكتئاب
المتكرر أو الاضطراب ثنائي القطب أو الوسواس القهري، رغم استقرار الحالة بالالتزام
الدوائي، هنا يجب أن يكون الطرف الثاني على علم بالحالة بشكل واضح، حتى يتم بناء
العلاقة على قدر كاف من الوعي والتفاهم ولا يكون هناك شبهة للتدليس.
لكن من المهم
أيضاً ألا يقدم المرض النفسي كتعريف كامل للشخص، أو كأن الاضطراب النفسي هو فقط ما
يمثل هويته، بل ينبغي أن يتم التعارف وتقديم الصفات والمميزات كلها ثم يتم ذكر
معلومة المرض النفسي، وهنا يكون قبول أو رفض الطرف الآخر بناء على التقييم الكلي
بحسب ظروف وسياق كل حالة.
البعد الوراثي في المرض النفسي
تزداد أهمية
الإفصاح عن الاضطراب النفسي للطرف الآخر إذا كان هناك تاريخ عائلي واضح له خاصة في
الدائرة القريبة، فوجود إصابة في أحد الوالدين قد يشير إلى ما يعرف بـ«الاستعداد
الوراثي»؛ أي قابلية أعلى للإصابة دون أن يعني ذلك انتقال المرض بشكل حتمي.
الطب النفسي
الحديث يؤكد أن معظم الاضطرابات النفسية لا تعتمد على عامل وراثي واحد مباشر، بل
هي نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الوراثي ونمط الحياة وطبيعة الضغوط والتجارب
التي يمر بها الإنسان.
وعند الحديث عن
الزواج من المهم التمييز بين شخص لديه اضطراب أو مرض نفسي وشخص يعاني من اضطرابات
الشخصية؛ لأن لكل منهما طبيعة مختلفة.
المريض النفسي
عادة مستبصر بمرضه (عدا مرضى الذهان)، والمرض النفسي يأتي على شكل نوبات، وقد
ينتهي تماماً سواء عن طريق العلاج الدوائي أو عن طرق الجلسات النفسية المتخصصة،
وقد لا ينتهي تماماً لكن قد يتم السيطرة عليه وعلى أعراضه، بحيث يعيش المريض حياته
بشكل طبيعي للغاية وينجح في أداء دورة الأسري سواء كزوج أو كوالد.
وهذا يختلف
تماماً عن اضطراب الشخصية الذي يعد سمات ثابتة في الشخصية ونمطاً واضحاً في طريقة
التفكير والتعامل، والذي يعاني من اضطراب الشخصية يجد صعوبة في إدراك مشكلته، فهو
يرى دائماً المشكلة في الآخرين وفي الواقع والظروف؛ وبالتالي هو غالباً لا يسعى
للعلاج.
اضطرابات
الشخصية تؤثر بشكل أكثر عمقاً على العلاقات وليس لها علاج دوائي محدد، الشخصية
الهيستيرية والشخصية النرجسية والشخصية المضادة للمجتمع تثير كثيراً من التحديات
والعلاقات معها غالباً ما تكون مؤذية سامة.
الذي يعاني من
اضطراب الشخصية لن يفصح عن ذلك؛ لأنه ينكر أن لديه اضطراباً ما، وعلى الطرف الثاني
ملاحظة هذا الاضطراب من خلال العلامات الحمراء كأن يلمس نقصاً في التعاطف وسوء ظن
يصل لدرجات عالية من الشك، ومن العلامات الحمراء أيضاً أن من يعاني من اضطراب
الشخصية يجعل نفسه محوراً يدور العالم من حوله ولديه شعور بالاستحقاقية العالية،
كما أنه يميل للاستعراض والتمثيل.
الزواج واللياقة النفسية
إذا كان الزواج واحداً
من أهم المشاريع في حياة الإنسان بما يمنحه من معاني السكن والراحة، وما يتخلله من
مشاعر الحب والمودة، وما يظلله من رحمة ودعم، فإن اختيار شريك يتمتع بأكبر قدر
ممكن من اللياقة النفسية بما تشتمل عليها من تعاطف ومرونة وصمود واستقرار مزاجي
وعاطفي وقدرة على إدارة الخلاف أمر حيوي جداً.
ولعل اللياقة
النفسية هذه تترجم بشكل واقعي للياقة أخلاقية بالمعنى الكبير والواسع للأخلاق، حيث
التفاؤل والصبر الإيجابي والقدرة على ضبط الانفعالات، أخلاق لا تقل عن الصدق
والأمانة والكرم، ومن ثم فعلينا ونحن نفكر في مشروع الزواج أن نبحث عن لياقة
الشريك النفسية كما نبحث عن خلقه ودينه.
اللياقة النفسية
تقاس باللحظة الراهنة، فالشخص الذي مر بتجربة نفسية صعبة في الماضي وتعافى منها
واستقر قد يكون أكثر نضجاً من غيره، بينما لا يمكن التنبؤ بالمستقبل بشكل كامل لأي
إنسان، نحن فقط نأخذ بالأسباب ونتوكل على الله.
الزواج الناجح ليس
زواجاً مثالياً، بل هو زواج واقعي يدرك أن كل إنسان لديه نقاط قوة ونقاط ضعف، وأن
الحياة لا تخلو من تحديات أو تغيرات؛ لذلك فإن تقييم الشريك يجب أن يكون تقييماً
فردياً دقيقاً يأخذ في الاعتبار النظرة الكلية للشخصية ومدى استقرارها، ولا يبني
قراره على مجرد تشخيص طبي يحمل وصمة مجتمعية، ومن الأهمية بمكان طلب المشورة
المتخصصة عند الحاجة حتى يتم قرار الزواج بناء على وعي كامل من الطرفين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً