زواج الكفيفة.. الحلم الممنوع!

طُلب مني الوساطة لتزويج فتاة كفيفة بلغت الأربعين من عمرها، فكان الأمر صعب المنال، وحلماً أشبه بالمستحيل، في زمن تعثر فيه الزواج بفعل فاعل!

العثور على رجل صالح يقبل الزواج بامرأة كفيفة كان أشبه بعملية بحث بالغة الصعوبة، قد تضاهي من يبحث عن «إبرة في كوم قش»، فمن هذا الذي سيستطيع تحمل الحياة مع زوجة فاقدة نعمة البصر، وكيف سيستطيع تدبير أمور الحياة برفقة زوجة تعاني واحدة من أصعب الإعاقات في الحياة؟

أرى واقع الأمر في بلداننا العربية والإسلامية كالحلم الممنوع، لنجمع أكثر من بلاء على المرأة المسلمة الكفيفة، فنحرمها من الزواج والعفاف، وحق الأمومة، وكأنها مذنبة بفعل إعاقتها، قال تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).

35 مليون كفيف عربي

لا تتوافر بيانات حديثة ودقيقة بأعداد المكفوفين في العالم العربي، الذي يعانون العنوسة، وتأخر سن الزواج، خاصة من الإناث، مقارنة بالمكفوفين من الذكور الذين لديهم فرصة أكبر للزواج، حيث كثيراً ما ييسر المجتمع للرجل الكفيف سبل الزواج بمن تعينه على نوائب الدهر.

تفيد إحصاءات صادرة عن الأمم المتحدة بأن هناك أكثر من 35 مليون كفيف في البلدان العربية، يعانون صعوبات جمة في مسائل الاندماج الاجتماعي والوظيفي والتعليمي.

أكثر ما يؤرق هؤلاء، النظرة الاجتماعية إليهم، المغلفة بروح التعاطف والإحسان في ظاهرها، بينما في طياتها تحمل إحساساً حقيقياً بأنهم «عجزة» لا يستطيعون تدبير أمور حياتهم، أو النجاح في تجارب العمل والزواج والأمومة.

يتطلب الأمر تصويب نظرة المجتمع لتلك الفئة، والتأكيد على أن فقدان البصر لا يعد مقياساً لنجاح الحياة الزوجية أو فشلها، كما أن الإعاقة بشكل عام لا تعد مؤشراً على فشل شخص دون آخر، فهناك نماذج ناجحة، وقصص تفوق ونبوغ لمكفوفين من الجنسين في شتى المجالات، ورب أعمى العينين مبصر القلب، ورب مبصر العينين أعمى القلب.

تستطيع المرأة الكفيفة إدارة أمور منزلها والقيام بأعمال الطهي والتنظيف وتربية الأبناء، فإن لم يتوافر لها إتقان ذلك، فهناك أجهزة إلكترونية تساعد الزوجة الكفيفة على إنجاز متطلبات المنزل، وتتوافر أفران غاز وغسالات وثلاجات وغيرها مصممة بلغة بريل، إلى جانب توفر برامج يمكن تنزيلها على الهواتف النقالة، تقدم خدمات للمكفوفين للقيام بمهام المنزل، إضافة إلى استقدام العمالة المنزلية ضمن الضوابط الشرعية، وقبل ذلك كله، دور الأهل في تيسير الأمور، وتقديم أوجه العون والدعم؛ لإنجاح زواج الكفيف أو الكفيف.

مبادرات اجتماعية لتزويج المكفوفين

قبل سنوات، تبنت جمعية المكفوفين الخيرية بمنطقة الرياض (كفيف) مبادرة «سعادة»، التي تقضي بتحمل الجمعية المهر كاملاً في مقابل الزواج من كفيفة، مع تنظيم حفل زواج جماعي لهم، إضافة إلى برنامج تدريبي على الحياة الزوجية، في محاولة للتغلب على واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المرأة الكفيفة.

إن من صور التكافل في الإسلام إعفاف المكفوف؛ ذكراً أو أنثى، وتيسير الزواج منه، سواء من المبصرات والمبصرين، أو من ذوي الإعاقات الأخرى، فالإعاقة لا تقف أمام بناء أسرة متماسكة ناجحة مستقرة.

يرى مختصون أن فرص النجاح كبيرة إذا كان هناك نوع من الكفاءة في القدرات البدنية والحسية والعقلية، حالة كون الزوجين من إعاقة مختلفة، وليس من نفس الإعاقة، فقد يتزوج الكفيف من مبصرة تعاني إعاقة حركية، ويتزوج المعاق سمعياً من شريك مشابه له من ناحية الإعاقة، وهكذا، بدعوى أن المعاق يكون أكثر تفهماً وإدراكاً بمعاناة شريكه في الحياة الزوجية.

حق الأبوة والأمومة

ليضع كل منا نفسه في هذا الموقف، ماذا لو كان كفيفاً، ماذا لو كان ولده كفيفاً أو ابنته كفيفة، أليس من حقه الزواج؟ ألم يكن يمني نفسه بالإعفاف؟ كيف نحرمه من الذرية؟ لماذا نمنعه من حق الأبوة والأمومة؟!

نحن في حاجة للإيمان بخمسة أمور؛ أولاً: حق المرأة الكفيفة في الزواج، ثانياً: تغيير نظرة المجتمع بقدرتها على النجاح، ثالثاً: تسريع إدماجها في المجتمع، رابعاً: تقديم الدعم لها، خامساً: طرح البرامج والمبادرات الإنسانية والحكومية لتزويج المكفوفين.

مجتمعياً، من الضروري تمكين المرأة الكفيفة من خلال منحها فرصاً تعليمية ووظيفية مساوية للأسوياء، وسن التشريعات التي تكفل حقها، وتنظيم دورات تدريبية لتأهيلها بشأن كيفية التعامل مع الزوج ورعاية الأبناء، وتسليط الضوء على حاجة تلك الفئة للزواج، وتغيير نظرة المجتمع الدونية إليها.

لا تكونواً عونا للشيطان على امرأة مسلمة، لا تعاقبوها على شيء ليس بيدها، إنما هو ابتلاء من خالقها، ولا تعسروا الزواج من كفيفة أو كفيف، فهي أو هو في أمسّ الحاجة إلى زوج صالح ورفيق درب، يكون عوناً لها أو له على أعباء الحياة، وصانعاً للبهجة والسعادة، يعوضها أو يعوضه ولو القليل عن ذهاب حبيبتيه في الدنيا، لذلك وعد الله عز وجل من صبر على هذه المصيبة بأن ينال الجنة، عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله سبحانه وتعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة يريد عينيه» (رواه البخاري).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة