ابن جُزيِّ الكلبي ومنهجه في التفسير اللغوي للقرآن.. إطار نظري
عاشت
الحضارة الإسلامية فترة ذهبية من تاريخها في بلاد الأندلس؛ حيث روعة الموقع
الجغرافي، وسحر الطبيعة الخلابة، وجمال القصور الشاهقة؛ فتفاعل كل هذا مع عقول
منفتحة على كل العلوم ونفوس متشبعة بحقائق دينها وقيم إسلامها؛ فأنتجت لنا تراثا
علميا وحضارة بلغت من التقدم شأوا قل نظيره في زمانه؛ حتى أضحت قبلة للعلماء
والأدباء والمفكرين والفلاسفة، وأصبحت مقصدا لبعض أبناء أوروبا المسيحية لينهلوا
من علوما ثم يعودوا لبلادهم لنقل قبس من هذه الحضارة المضيئة لعلهم يمحون به بعض
الظلام الذي خيم عليهم.
يقول
الدكتور عبد الرحمن الحجي رحمه الله تعالى: "إن مثل هذا الجو العلمي الذي
عاشه بلد الأندلس متمتعا بالخير والمعرفة الحقة ينتج شمولا في طلب العلم وكثرة من
العلماء ووفرة من المكتبات واهتماما باقتناء الكتب وشغفا للاعتناء بالعلم وسعيا في
طلبه".
ثم
ذكر رحمه الله ثلاث ظواهر للحضارة العلمية في الأندلس وهي:
- كثرة
عدد الكتب والمؤلفين في كل ميدان خلال العصور.
- الإكثار
من الإنتاج لكل مؤلف وفي عدة ميادين، مع الاحتفاظ بالأصالة والعمق فهيأ ثراء في
الإنتاج العلمي المتنوع الحقول وسيلا من الكتب متدفقا.
- كثرة
عدد الأجزاء للكتاب الواحد، مع إنتاج الكتب ذوات الأجزاء الكثيرة لمؤلف واحد
(دراسة الظاهرة العلمية في المجتمع الأندلسي: 44).
وكان نتاج هذه البيئة الكثير من العلماء
الذي ذاع صيتهم على مدى الأزمان والأماكن، ومنهم الإمام ابن جزي الكلبي، موضوع
حديثنا في هذه الحلقة الذي جمع بين العلم والجهاد حيث مات شهيدا قبل الخمسين من
عمره.
وفي العلم جمع بين موضوعات شتى وصنوف
متنوعة، تفاعلت كلها وخرج رحيقها في تفسيره الماتع "التسهيل لعلوم
التنزيل" الذي هو موضوع حديثنا في هذا المقام.
ابن جزي.. النشأة والمسيرة
هو
الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جُزَيّ الكلبي، أبو القاسم.
ولد
في ربيع الثاني عام 693هـ بغرناطة حاضرة الأندلس.
وقد
شاء الله تعالى له أن تكون فترته من أزهى عصور مملكة غرناطة؛ إحياء للجهاد وبعثا
للعلم ورعاية لأهله، بالإضافة إلى أن أباه كان من أهل العلم والفضل، وهو ما كان له
تأثيره في تأسيسه خاصة في حياته الأولى.
نقل
ابن حجر أنه "كان على طَريقَة مثلى من العكوف على الْعلم والاشتغال بِالنّظرِ
وَالتَّقْيِيد، مشاركا فِي فنون من عَرَبِيَّة وَفقه وأصول وأدب وَحَدِيث تقدم
خَطِيبًا بِبَلَدِهِ على حَدَاثَة سنة فاتفقوا على فَضله.
وَكَانَ
قد قَرَأَ على أبي جَعْفَر بن الزبير وَأبي الْحسن بن سمعون، وَقَرَأَ على أبي عبد
الله بن الْعِمَاد، ولازم الْحَافِظ ابْن رشيد، وروى أَيْضا عَن أبي عبد الله بن
أبي عَامر بن ربيع وَأبي الْمجد بن أبي عَليّ بن أبي الْأَحْوَص" (الدرر
الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني: 5/88).
أما
مذهبه الفقهي فكان من أعلام المذهب المالكي، وهو المذهب الذي انتشر في بلاد
الأندلس، وله فيه تصانيف مثل كتابه "القوانين الفقهية في تلخيص مذهب
المالكية". وقد ذكره ابن فرحون ضمن فقهاء المالكية في كتابه "الديباج
المذهب في معرفة علماء المذهب" ويقصد به علماء المالكية.
وفاته:
توفي
رحمه الله تعالى شهيدا، وعمره 48 عاما، في موقعة طريف (1) 17
جمادى الأولى سنة 741هـ؛ حيث فقد وهو يحرض المؤمنين ويشحذ هممهم على القتال بعد أن
أبلى بلاءً حسناً الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني:
5/88.
من كتبه:
رغم
قصر عمر ابن جزي، ورغم انشغاله بالجهاد والقتال مع العلم؛ فإنه ترك تراثا متنوعا
في مختلف مجالات العلوم الشرعية؛ فمن مؤلفاته:
- القوانين
الفقهية في تلخيص مذهب المالكية.
- تقريب
الوصول إلى علم الأصول.
- الفوائد
العامة في لحن العامة.
- التسهيل
لعلوم التنزيل.
- الأنوار
السنية في الألفاظ السنية.
- وسيلة
المسلم في تهذيب صحيح مسلم.
- البارع
في قراءة نافع.
- فهرست
كبير اشتمل على ذكر كثيرين من علماء المشرق والمغرب.
تفسير التسهيل لعلوم التنزيل
يعد
كتاب "التسهيل لعلوم التنزيل" –كما يوحي عنوانه- موسوعة مُسعِفَة في
القرآن وعلومه؛ فهو ليس مجرد تفسير عادي؛ حيث ضمنه مؤلفه مقدمتين منهجيتين
رائعتين، وهي طريقة قد يكون تفرد بها؛ حيث جمع بين علوم القرآن وتفسيره في مصنف
واحد.
المقدمة
الأولى لم تتجاوز خمس عشرة صفحة؛ لكنها حوت اثني عشر بابا في علوم القرآن؛ ففيها
–كما وصفها هو- "أبواب نافعة وقواعد كلية جامعة"؛ حيث عرض فيها لأسباب
النزول، والمكي والمدني، والمعاني والعلوم التي تضمنها القرآن، وفنون العلم التي
تتعلق بالقرآن، وأسباب اختلاف المفسرين...إلخ.
أما
المقدمة الثانية فهي بعنوان "في تفسير معاني اللغات". وسنشير إليها
لاحقا في هذا الموضوع.
يقول
ابن جزي عن موضوع كتابه: "ضمنته من كل علم من علوم القرآن اللباب المرغوب
فيه، دون القشر المرغوب عنه، من غير إفراط ولا تفريط".
الملامح النظرية للتفسير اللغوي عن ابن جزي
عُرف عن المدرسة
الأندلسية دورها البارز في تيسير اللغة وتذليل صعوبتها؛ ومن مظاهر ذلك مثلا أنهم
تشددوا في إلغاء العلل الثواني والثوالث التي أثقلت النحو؛ حيث رأوا أنها لا
تزيده إلا تعقيدا وصعوبة.
والناظر في كتاب ابن جزي
يلاحظ هذا المسلك واضحا جليا؛ حيث اعتمد على اللغة اعتمادا كبيرا في التفسير لكن
بالقدر الذي يساعد في توصيل المعنى دون لبس أو تعقيد.
ويمكن تقسيم مظاهر اهتمام
ابن جزي باللغة إلى قسمين؛ قسم نظري يحوي ما ذكره في مقدماته عن اللغة وأهميتها
كأداة من الأدوات التي لا يسع المفسر تجاهلها، والقسم الآخر وهو القسم التطبيقي
الذي انعكس في أثناء تفسيره للآيات.
وسنركز هنا على الجانب
النظري، ونرجئ الجانب التطبيقي لمقال آخر إن شاء الله تعالى.
يمكن تلخيص الموقف النظري
لابن جزي من اللغة من خلال مقدماته فيما يلي:
أولا- تأكيده على أهمية
اللغة للمفسر وما ينبغي عليه معرفته منها:
وفي هذا يقول: "وأما
اللغة فلا بد للمفسر من حفظ ما ورد في القرآن منها. وهي غريب القرآن وهي من
فنون التفسير. وقد صنف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة" (التسهيل لعلوم
التنزيل: 1/18). ثم يؤكد على أهمية علم النحو بصورة خاصة قائلا: "وأما
النحو فلا بد للمفسر من معرفته؛ فإنّ القرآن نزل بلسان العرب فيحتاج إلى معرفة
اللسان" (التسهيل لعلوم التنزيل: 1/18).
ثانيا- حديثه عن النحو
بقسميه وتوضيح منهجه فيه في التفسير:
اهتم ابن جزي في مقدمته
بالنحو وتقسيمه حيث يقول: "والنحو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: عوامل الإعراب.
وهي أحكام الكلام المركب.
والآخر: التصريف وهي
أحكام الكلمات من قبل تركيبها" (السابق نفسه).
ويوضح المنهج النحوي الذي
سلكه هو في تفسيره: "وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه
من المشكل والمختلف، أو ما يفيد فهم المعنى، أو ما يختلف المعنى باختلافه، ولم
نتعرض لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلّا المبتدئ؛ فإنّ ذلك
يطول بغير فائدة كبيرة" (السابق نفسه).
ثالثا- تأكيده على أهمية
علم البيان للمفسر:
بعد حديثه عن علم النحو
أشار ابن جزي إلى فرع لغوي آخر لا يكتمل فهم النص القرآني ولا يظهر إعجازه اللغوي
بدونه وهو علم البيان؛ حيث يقول: "وأما علم البيان فهو علم شريف تظهر به
فصاحة القرآن. وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائد فائقة، ونكات مستحسنة رائقة،
وجعلنا في المقدّمات بابا في أدوات البيان ليفهم به ما يرد منها مفرّقا في مواضعه
من القرآن" (السابق نفسه).
رابعا- اعتباره للغة أحد أهم أسباب الخلاف بين المفسرين:
أفرد ابن جزي في مقدمته
بابا خاصا بأسباب الخلاف بين المفسرين ووجوه الترجيح بين الآراء، ذكر فيه اثني عشر
سببا للخلاف، والمتفحص لهذه الأسباب الاثني عشر، يجد منها تسعة أبواب على صلة
وثيقة باللغة وفروعها؛ حيث يقول في أسباب الخلاف: "الثاني: اختلاف وجوه
الإعراب وإن اتفقت القراءات. الثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة. الرابع:
اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر. الخامس: احتمال العموم والخصوص. السادس: احتمال
الإطلاق أو التقييد. السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز. الثامن: احتمال الإضمار أو
الاستقلال. التاسع: احتمال الكلمة زائدة. العاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب
وعلى التقديم والتأخير" (التسهيل لعلوم التنزيل: 1/18-19).
خامسا- اعتباره
اللغة من أهم وجوه الترجيح:
بعد أن ذكر ابن جزي أسباب
الخلاف بين المفسرين ذكر أيضا اثني عشر وجها للترجيح بين الآراء، جعل منها ثمانية
وجوه متعلقة أيضا باللغة وفنونها، وهي "الخامس: أن يدل على صحة القول كلام
العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق. السادس: أن يشهد بصحة القول سياق
الكلام ويدل عليه ما قبله أو ما بعده. السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى
الذهن فإنّ ذلك دليل على ظهوره ورجحانه. الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز. فإنّ
الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين. وقد يترجح المجاز إذا كثر
استعماله حتى يكون أغلب استعمالا من الحقيقة ويسمى مجازا راجحا والحقيقة مرجوحة.
وقد اختلف العلماء أيهما يقدم: فمذهب أبي حنيفة تقديم الحقيقة لأنها الأصل ومذهب
أبي يوسف تقديم المجاز الراجح لرجحانه. وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح.
التاسع: تقديم العمومي على الخصوصي فإنّ العمومي أولى لأنه الأصل إلّا أن يدل دليل
على التخصيص.
العاشر: تقديم الإطلاق
على التقييد، إلّا أن يدل دليل على التقييد. الحادي عشر: تقديم الاستقلال على
الإضمار إلّا أن يدل دليل على الإضمار. الثاني عشر: حمل الكلام على ترتيبه إلّا أن
يدل دليل على التقديم والتأخير" (التسهيل لعلوم التنزيل: 1/19).
سادسا- ربطه بين علم
النحو والوقف والابتداء في القرآن:
ربط ابن جزي بين أنواع
الوقف والإعراب؛ حيث يقول: "الباب التاسع في الوقف، وهو أربعة أنوع: وقف تام،
وحسن، وكاف، وقبيح، وذلك بالنظر إلى الإعراب والمعنى، فإن كان الكلام مفتقرا إلى
ما بعده في إعرابه أو معناه، وما بعده مفتقرا إليه كذلك لم يجز إليه الفصل بين كل
معمول وعامله، وبين كل ذي خبر وخبره..." وهكذا يستطرد في ذكر أبواب من النحو
وتأثيرها على الوقف حت يقول: "هذا الذي ذكرنا من رعي الإعراب والمعنى في
المواقف: استقرّ عليه العمل، وأخذ به شيوخ المقرئين، وكان الأوائل يراعون رؤوس
الآيات، فيقفون عندها لأنها في القرآن كالفقر في النثر والقوافي في الشعر..."
(التسهيل لعلوم التنزيل: 1/23-24).
سابعا- إفراده بابا
خاصا عن الفصاحة والبلاغة وأدوات البيان:
ذكر فيه شروط الفصاحة، ثم
عرف البلاغة، ثم أفرد حديثا عن البيان ومزج بينه وبين البديع؛ حيث عرف أدوات
البيان بأنها "صناعة البديع، وهو تزيين الكلام كما يزين العلم الثوب"،
وذكر من هذه الأدوات اثنتي عشرة أداة، وقف عليها –كما ذكر- في كتاب الله تعالى؛
حيث أفرد كلا منها بالتعريف (التسهيل لعلوم التنزيل: 1/25).
ثامنا- إفراده مقدمة خاصة
عن "تفسير معاني اللغات":
مما
تفرد ابن جزي أنه أفرد مقدمة في تفسيره تعد بمثابة معجم قرآني، تحت عنوان "في
تفسير معاني اللغات"؛ حيث جمع فيها الكلمات التي يكثر دورها في القرآن، أو
تقع في موضعين فأكثر من الأسماء والأفعال والحروف، ورتبها ترتيبا ألفابائيا، وقد
ذكر المعاني العامة لكل كلمة من هذه الكلمات.
وبين
سبب جمعها في هذه المقدمة في ثلاث فوائد:
أولاها-
تفسيرها للحفظ، فإنها وقعت في القرآن متفرقة فجمعها أسهل لحفظها.
ثانيتها-
ليكون هذا الباب كالأصول الجامعة لمعاني التفسير؛ لما أن تآليف القرآن جمعت فيها
الأصول المطردة والكثيرة الدور.
أما
الفائدة الثالثة فهي: "الاقتصار فسنستغني بذكرها هنا عن ذكرها في مواضعها من
القرآن خوف التطويل بتكرارها".
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً