الكسائي.. الإمام الذي طوَّع النحو لخدمة الفقه

الكسائي.. الإمام الذي طوَّع النحو لخدمة الفقه

في تاريخنا العربي رجال لم يكونوا مجرد حَملةِ علم، بل كانوا مناراتٍ تُضاء بها عتمة الجهل، ومن هؤلاء من لم يكتفِ بضبط الحرف، بل صان اللسان وأقام موازين البيان.

إنه الإمام الكسائي، الرجل الذي انطلق من بساطة الرعي ليعتلي عرش الكوفة لغويا، وقارئا، ومؤدبا لأبناء الخلفاء؛ إذ لم يكن النحو عنده مجرد قواعد جافة، بل كان روحاً تسري في فقه الأحكام، ومعياراً لا يخطئ في فهم النص الشريف.

وفي هذه السطور، نبحر في سيرة إمامٍ جمع بين هيبة العلم وخفة الروح، وأرسى دعائم الصواب اللغوي في وقتٍ كاد فيه اللحن أن يفسد منطق العرب.

للإمام الكسائي دور محوري في إرساء دعائم اللغة وتدوين قواعد النحو وتوسيع آفاقه، كما أن له فضل السبق في التنبيه على اللحن، وتصحيح الخطأ اللغوي؛ فكتابه «ما تلحن فيه العامة» من أوائل الكتب التي رصدت أخطاء العامة اللغوية، وهو ما أرسى قواعد الصواب اللغوي وسلامة النطق.

ولم يتوقف فضل الكسائي عند هذا الحد، بل ساهم في الربط بين القواعد النحوية وتوجيه الفروع الفقهية، فأظهر التكامل بين العلوم العربية والشرعية.

من رعي الغنم إلى إمامة القراء

علي بن حمزة بن عبدالله الأسدي، ويُكنى بأبي الحسن لُقب بــــ«الكسائي»؛ لأنه أحرم في «كساء»، وقيل: لأنه كان يحضر إلى شيخه حمزة الزيات ملتفاً بكساء، فقال حمزة من يقرأ، فقيل له صاحب الكساء فسماه «الكسائي».

وُلد في الكوفة عام 119هـ، وبدأ طلب العلم في سن متأخرة؛ حيث تذكر بعض الروايات أنه كان راعياً للغنم حتى سن الأربعين قبل أن يتفرغ للعلم، ثم بدأ طلب العلم وحفظ القرآن ونزل البادية لضبط اللغة، فعلت منزلته العلمية وأصبح من علماء عصره الأفذاذ وأحد أبرز علماء العربية والقراءات في التاريخ الإسلامي؛ لما تميز به من سعة علمه، ومنهجه التوفيقي بين النقل والعقل، وقوة مناظرته إذ ناظر كبار النحاة كسيبويه، وجمعه من أطراف العلوم المختلفة وأخذه من كل علم منها بطرف؛ لذلك لقب بـ«الإمام الكوفي اللغوي، المقرئ، شيخ القرّاء».

إمام الكوفيين فهو المؤسس الحقيقي للمدرسة الكوفية في النحو، وأعلم أهل عصره باللغة وغريب الكلام، ولقب بشيخ القرّاء؛ لأنه أحد القراء السبعة الذين تواترت عنهم قراءات القرآن الكريم، ولذلك نرى أساتذته بين قارئ ومحدث ونحوي ولغوي فأخذ القراءة عن حمزة الزيات، والنحو عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (بعد رحلته إلى البادية لجمع اللغة).. وهذا سمت علمائنا الأوائل رحمهم الله جميعاً.

الميراث العلمي والمكانة الرفيعة

ترك الكسائي إرثًا علميا كبيراً، إلا أن أغلب هذه المؤلفات فُقد ولم يصل إلينا، ومن أشهر كتبه: «معاني القرآن»، «المصادر»، «الحروف»، «ما يلحن فيه العوام»، «كتاب القراءات».

وحظي الكسائي بمكانة رفيعة عند الخليفة هارون الرشيد، فكان يحضر مجلس الرشيد مع أقرانه ومنافسيه وكشف هذا الحضور أدباً جماً، وسعة علم، وسرعة خاطر، وحضور بديهة، إضافة إلى ما تميز به من روح نكتة ودعابة، فكان يقنع محاوره ومناظره بحجة دامغة ويأسر سامعه ببديع لفظه وخفة روحه؛ لذلك خصه الرشيد ليكون من خواص جلسائه ومؤدباً لابنيه الأمين والمأمون. (سير أعلام النبلاء (9/ 131)، ونزهة الألباء، ص61).

النحو في خدمة الشريعة

حرص الكسائي في مجالسه على إظهار أهمية النحو وفقه العربية في كل نواحي العلوم الشرعية كعلوم القرآن والفقه وكان من العلماء الذين أكدوا أهمية اللغة وقواعدها في بناء الفقه على أسس عربية صحيحة، تعمل على تأصيل أحكامه، وبيان دلالاته من أجل ذلك قال مقولته المشهورة: «لا أسأل عن مسألة في الفقه إلا أجبت عنها من قواعد النحو»؛ إذ يرجع إليه الفضل في بيان أثر القواعد النحوية في توجيه الفروع الفقهية ومسائلها، لا سيما في الأبواب التي تفتقر الى توضيح القاعدة النحوية في توجيهها، وذلك مثل: الطلاق، والنذر، واليمين، وغيرها في كتب الفقه بشكل عام.

ودليل ذلك المناظرة التي جرت بينه وبين أبي يوسف الفقيه الحنفي؛ إذ أقبل الكسائي على أبي يوسف، فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ قال: نحو أم فقه؟ قال: بل فقه، فضحك الرشيد ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهاً! قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار؟  فأجاب أبو يوسف: إن دخلت الدار طُلقت، قال الكسائي: أخطأت يا أبا يوسف، فضحك الرشيد، وقال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال «أن» فقد وجب الفعل ووقع الطلاق، وإن قال «إن» فلم يجب ولم يقع الطلاق؛ فقد قام الكسائي بتخريج المسألة الفقهية على القاعدة النحوية، واستئناس أبي يوسف بما فعل، والتزام مجلسه بعد ذلك إشارة إلى صحة التكامل الذي يجمع بين الفقه والنحو، (طبقات النحويين، ص127).

من أبياته الشعرية التي نظمها في فضل النحو:

إِنَّمـا النَّحْـوُ قِياسٌ يُـتَّـبَـعْ وبِه فـي كُلِّ عِلمٍ ينتـــــفع

فَإِذا مَا أَبصَرَ النَّحوَ الفَتَى مَرَّ في المنطقِ مَـرًّا واتسع

وَاتَّــقاهُ كُلُّ مَــن جالَــسَه مِن جَليسٍ نَاطِقٍ أَوْ مستمع

وَكَذا لِلْعِلْمِ والـجَـهْلِ فَـخُذ مِـنْـهُما مَا شِئْتَ مِن أَمرٍ ودع

أَهُـمَـا فِيهِ سَـــواءٌ عِندَكُم لَيْسَتِ السُّـنَّـةُ فِيـنا كَالبِدَعْ

كَمْ رَفيعٍ وَضَعَ النَّحْوُ وكَم مِن وَضيعٍ قَــد رَأَيـناهُ رفــــع

وفاته

توفي الإمام الكسائي في مدينة «الري» (بإيران الحالية) عام 189هـ/ 805 م فقال هارون الرشيد حينها: «دفنت الفقه والنحو في يوم واحد».

هكذا كان الكسائي مدرسة متنقلة وعقلاً جباراً استطاع أن يربط بين علوم اللسان وعلوم الشريعة برباطٍ لا ينفصم، مؤكداً أن اللغة هي الوعاء الذي لا يستقيم الفقه إلا باستقامته.

وبوفاته، لم يخسر العلم مجرد نحويٍّ بارع، بل فَقَدَ ميزان الصواب الذي رثاه الرشيد بحرقة حين قال: «دفنتُ الفقه والنحو في يوم واحد».

رحم الله صاحب الكساء، الذي ترك لنا من الأثر ما يجعلنا ندرك أن النحو ليس قيداً للسان، بل هو اتساعٌ في الفكر، ونورٌ في البصيرة، وجمالٌ يكسو البيان.

 


اقرأ أيضاً:

حكاية أبناء الخليفة مع حذاء الكسائي وموقف هارون الرشيد

عبدالصبور شاهين.. العالِم الذي جعل اللغة حصناً والمنبر جامعة

في حضرة النحو حين يتجسد علماً وبياناً.. أ.د. أحمد عبدالعظيم عبدالغني

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة