بناء العالم الرباني.. الاتباع قبل الاجتهاد
أبو العالية الرياحي.. لم يخفف عن نفسه حتى خففت السُّنة عنه
يسوق الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية رفيع بن مهران(1)،
قال أبو خلدة خالد بن دينار: سمعت أبا العالية يقول: كنا عبيدًا مملوكين، منا من
يؤدي الضرائب، ومنا من يخدم أهله، فكنا نختم كل ليلة، فشق علينا حتى شكا بعضنا إلى
بعض، فلقينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمونا أن نختم كل جمعة، فصلينا
ونمنا ولم يشق علينا(2).
تكشف هذه
الرواية جانبًا عميقًا من بناء شخصية أبي العالية الرياحي؛ فالقصة في ظاهرها تتحدث
عن عبادة شاقة ثم تخفيف منها، لكن جوهرها الحقيقي ليس في عدد الختمات، وإنما في
المنهج الذي حكم سلوك هؤلاء العباد.
يخبر ابو العالية الرياحي لقد كانوا
عبيدًا يعملون في النهار، ويتحملون أعباء الخدمة والضرائب، ثم يقومون الليل بأقصى
ما يستطيعون، حتى بلغ بهم الجهد مبلغ المشقة، ومع ذلك لم يكن أول خيار لهم أن
يغيروا عبادتهم بناءً على التعب، ولم يروا لأنفسهم حق تعديل الطريق الذي ظنوه قربة
إلى الله بمجرد الإحساس بالعناء.
لقد كان السؤال
عندهم مختلفًا: ليس ما الذي يريحنا؟ وإنما ما الذي جاءت به السُّنة؟
وهنا تظهر إحدى
أهم سمات أبي العالية ومن معه؛ تعظيم الاتباع، وتقديم العلم على الرغبة، حتى في
باب العبادة الذي تميل فيه النفوس أحيانًا إلى الزيادة والحماس.
ابو العالية الرياحي بين إرهاق الرق وشغف قيام الليل بالقرآن
لم تكن العبادة
عند السلف الصالح نشاطاً ثانوياً يضاف إلى أوقات الفراغ، بل كانت المنسك والمركز
الذي تدور حوله حياتهم كُلها، حتى في أشد ظروف العمل وضغوط الحياة اليومية.
ويتجلى هذا
المعنى بوضوح في موقف الصحابة الكرام؛ كعمار بن ياسر، وبلال بن رباح، وسعد بن أبي
وقاص، رضي الله عنهم؛ فقد كان نظام حياتهم اليومي شاقاً للغاية، حيث كانوا يحتطبون
ويجهدون بالنهار لتأمين قوتهم ومعيشتهم، فإذا أقبل الليل لم يركنوا إلى الراحة
والكسل، بل كانوا يلزمون العبادة والصلاة وقراءة القرآن بالليل، مما يبرهن على قوة
الدافع الإيماني لديهم وأن المشقة لم تكن عائقاً يوماً عن أداء الحقوق والتزود
للآخرة.
ولكن الأهم من
تحمل المشقة نفسها هو الفهم العميق لمفهوم «الاتباع»؛ فالعبد الصادق لا يبحث فقط
عن كثرة العمل أو إرهاق الجسد بالضغط، بل يبحث عن موافقة العمل لما يحبه الله
ورسوله صلى الله عليه وسلم، دون أن يجعل التعب وحده معياراً للحكم أو يشرّع لنفسه
التخفيف والزيادة بغير هدى.
وهذا الاتباع
والدقة في طلب الكمال الشرعي يظهر جلياً في موقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حين اجتهد في كثرة الصيام وقراءة القرآن، فعن ابن جريج
قال: حدثنا ابن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبدالله بن عمرو قال: جمعتُ
القرآنَ، فقرأتُه كله في ليلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأه في شهر»،
قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأه في عشرين»، قلت: دعني
أستمتع، قال: «اقرأه في سبع ليالٍ»، قلت: دعني يا رسول الله أستمتع، قال: فأبى(3).
فقد حرص النبي صلى
الله عليه وسلم على ضبط همته وإرجاعه إلى هدي السُّنة والاعتدال، ليتعلم المؤمن أن
العبادة الصحيحة هي ما وافقت الشرع ولم تخرج عن حدود التيسير والاتباع النبوي
المعتدل.
كيف تحولت المشقة الجسدية إلى سؤال علمي؟
تأتي في الآثار والروايات
عبارات تكشف عن جانب إنسانيّ راقٍ في حياة السلف الصالح، كقول بعضهم: «فشق علينا
حتى شكا بعضنا إلى بعض»، فهذه الكلمات تعكس بوضوح أنهم لم يكونوا أصحاب أجساد
خارقة، ولم ينكروا طبيعة الإنسان وحاجته إلى الراحة، بل وصلوا إلى حد المشقة
وتحدثوا فيما بينهم عن ذلك، لكن الملمح الأعظم أنهم لم يحولوا هذه الشكوى إلى قرار
شخصي مستقل أو ابتداع مسلك جديد، بل كانت الشكوى تدفعهم دائماً إلى البحث والرجوع
للمصدر الذي يملك بيان السُّنة والهدي النبوي.
ويظهر هذا
المعنى ببراعة في موقف فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها علي بن أبي
طالب رضي الله عنهما؛ فعن علي بن أبي طالب قال: إن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى
في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها،
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما
جاء النبي صلى الله عليه وسلم ودخل عليهما قال: «ألا أدلكما على خير مما سألتماني؟
إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً
وثلاثين، فهو خير لكما من خادم»(4)، فقد شكت ألم الجسد ومشقته، ولجأت
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتلقّت التوجيه النبوي بالاستعانة بالذكر والعبادة.
ولأن الشرع لا
يطلب إرهاق الأجساد بما لا تطيق، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف الذي
يؤدي إلى العجز، كما يتضح في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى
الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟»،
قالوا: هذا حبل لزينب، إذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلّوه،
لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فتر فليقعد»(5)، ليؤكد صلى الله عليه
وسلم أن العبادة مبناها على النشاط وطاقة الجسد، لا على مغالبة العجز بالوسائل
المخترعة.
وحين يشتد الضغط
والجهد البدني، تبقى القلوب ثابتة على الميزان الشرعي، كما يظهر في موقف الصحابي
الجليل خباب بن الأرت رضي الله عنه؛ حين شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة
ما يلقون من المشركين وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا
تدعو الله لنا؟(6)؛ فقد شكا ألم الجسد ومشقته، لكنه ثبت ولم يغير ميزان
قلبه ولا أصل اتباعه، واستمع للتوجيه النبوي بالصبر والتمسك بهذا الدين، فلم يزده
ذلك إلا ثباتاً ويقيناً.
الانتقال من الختم اليومي إلى الأسبوعي بالسنة
كانت نقطة
التحول الحقيقية حين التقى هؤلاء العُبّاد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
فلم يأتِ الفرج والراحة لأنهم بحثوا عن أسهل الطرق وأهواها، وإنما لأنهم عرفوا
الطريق الصحيح والمرجعية العلمية التي تحرر الإنسان من الغلو والتكلف.
ويتجلى أصل
القصة في أثر التابعي الجليل أبي العالية رفيع بن مهران؛ فعن خالد بن دينار قال:
سمعت أبا العالية يقول: «كنا عبيداً مملوكين، منا من يؤدي الضرائب، ومنا من يخدم
أهله، فكنا نختم كل ليلة، فشق علينا حتى شكا بعضنا إلى بعض، فلقينا أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم فعلمونا أن نختم كل جمعة، فصلينا ونمنا ولم يشق علينا»، وتختصر
عبارة «فصلينا ونمنا ولم يشق علينا» المعنى كله؛ فقد ارتاح البدن، وتحققت الراحة
الأكبر وهي راحة الضمير؛ لأنهم لم يتركوا الختم اليومي تعباً أو تساهلاً، بل تركوه
لأن السنة دعتهم إلى الأفضل والمستحب.
وهذا الفهم
الموزون هو ما حرص الصحابة الكرام على بثه ونشره؛ كما يتضح في موقف سلمان الفارسي
مع أبي الدرداء رضي الله عنهما؛ فعن أبي قلابة، عن أبي الدرداء حين زاره سلمان
الفارسي فرآه متبذلاً وزوجته تشتكي فرط عبادته وصومه وتفرغه، فقال له سلمان: إن
لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه، فأتيا
النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق
سلمان»(7)، فقد كان الصحابة يصححون المفاهيم، ويردون إخوانهم إلى
اعتدال الشريعة وتوازنها.
وقد رسّخ النبي صلى
الله عليه وسلم هذا المبدأ ليقطع دابر التكلف الذي أرهق الأمم من قبلنا، كما في
حديث النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن يحيى بن جعدة: أن نفراً من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نتمثّل أصحاب الميثاق؛ لا نأكل اللحم، ولا
نأتي النساء، ولا ننام على الفُرُش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لكنّي
أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»(8).
وكذلك في موقفه صلى
الله عليه وسلم مع الحولاء بنت تويت؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن الحولاء مرت بها
وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذه؟»، فقالت: هذه الحولاء تزعم
أنها لا تنام الليل (من شدة العبادة)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا
تنام الليل؟ خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا»(9)،
ليظل الاتباع المبني على العلم والنص هو المعيار الأسمى للتعبد، لا مجرد كثرة
العمل وإرهاق الجسد.
كيف يضبط الدليل الشرعي عاطفة التعبد؟
تظهر في موقف
أبي العالية قاعدة تربوية عظيمة؛ وهي أن الإنسان -مهما صدقت نيته وعظم حماسه- يظل
بحاجة ماسّة إلى العلم الشرعي الذي يضبط خُطاه، فقد تكون الزيادة في العبادة
محمودة إذا كانت مشروعة وعلى هدي نبوي، وقد تكون غير ذلك إذا تجاوزت حدود الاتباع
وركبت مركب الاجتهاد الشخصي، ولهذا كان السلف يربطون العبادة بالعلم حذر أن يدفع
الحماس العبد إلى تحميل نفسه ما لم يكلفه الله به، متناسين أن العبادة التي يحبها
الله ليست الأكثر مشقة بالضرورة، وإنما الأوفق بالسُّنة والأخلص نية.
ويتجلى هذا
المعنى بوضوح في موقف الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه مع أهل
الحلقات في المسجد؛ حين رآهم يسبحون ويكبرون بأعداد محددة وبحصى، فتحقق عندهم
الحماس والاجتهاد لكن دون ضابط من العلم والاتباع، فقال لهم ابن مسعود ناهياً
ومحذراً قال: فعُدُّوا سيئاتِكم فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيءٌ ويحكم يا
أمَّةَ محمدٍ ما أسرعَ هلَكَتِكم هؤلاءِ صحابةُ نبيِّكم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
مُتوافرون وهذه ثيابُه لم تَبلَ وآنيتُه لم تُكسَرْ والذي نفسي بيده إنكم لعلى
مِلَّةٍ هي أهدى من ملةِ محمدٍ أو مُفتتِحو بابَ ضلالةٍ! ثم أرسى قاعدته العظيمة:
«الاقتصاد في سُنة خير من الاجتهاد في بدعة».
وهذا الصنيع
نفسه هو ما ترسمه التابعون من بعدهم في رد العبادات إلى ميزان الاتباع لا العاطفة
والحماس؛ كما يظهر في موقف الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله؛ فعن سعيد بن المسيب
أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيها الركوع والسجود،
فنهاه سعيد، فقال الرجل متعجباً: «يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة؟»، فقال له
سعيد عبارته الخالدة: «لا، ولكن يعذبك على خلاف السُّنة»(10).
فليست العبرة
بظاهر العمل وكثرته، بل بمدى موافقته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالاتباع
دائماً هو الحاكم والمهيمن على الاجتهاد الشخصي والحماس المجرد.
لماذا امتنع التابعون عن التخفيف باجتهادهم الشخصي؟
قد يرد هنا سؤال
منهجي: لماذا لم يكتفِ هؤلاء العُبّاد بأن يخففوا عن أنفسهم تلقائياً، وهم أهل عذر
ومشقة ظاهرين؟ والجواب عن هذا السؤال هو ما يكشف عمق تكوينهم الإيماني؛ فهم لم
يكونوا يظنون أن كل اجتهاد شخصي في العبادة أو التخفيف منها صحيح، بل كانوا يوقنون
أن طريق التعبد يحتاج إلى معرفة وضابط، ويخافون أشَد الخوف أن يكون ما يرونه
اجتهاداً وتخفيفاً مجرد اتباع للهوى أو تقصير مخفي، ولهذا كان طلب العلم واستفتائه
عندهم سابقاً دائماً على تعديل العمل أو الأخذ بالرخص.
وهذا المعنى
يجلّي حقيقة في غاية الأهمية: إن من أهم عوامل بناء «العالم الرباني» والشخصية
الإيمانية الراسخة هو تقديم «الاتباع» والانقياد للنص الشرعي على مجرد «الاجتهاد
الشخصي» والرأي المجرد، فالربانية الحقيقية لا تتأسس على كثرة الرؤى أو استحسان
العقول، بل تبنى على شدة التمسك بآثار النبوة وملازمة هدي السلف الصالح.
وهذه القاعدة
الجليلة يرسخها الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في كلمته الجامعة:
«كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوا بها، فإن
الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان
قبلكم»(11)؛ مؤكداً أن عصمة العابد وبناءه الرباني لا تكون بالاستقلال
بالرأي أو إحداث ما لم يسبق إليه الأولون، بل بلزوم غرس الاتباع والسير على قدم
الصحابة الكرام.
وكان هذا المسلك
تطبيقاً حياً في حياة أعيان التابعين؛ كما يُنقل عن التابعي الجليل الأسود بن يزيد
النخعي رحمه الله؛ إذ كان يجتهد في العبادة اجتهاداً بالغاً ويمكث الليالي طويلاً
في الصلاة والصيام حتى يجهد بدنه، وكان يمتنع شديداً عن التخفيف من تلقاء نفسه
خيفة أن يكون تركه للعمل تقصيراً أو اتباعاً للهوى، حتى يسأل العلماء ويستثبت من
دلالة السنة وهديها.
بل إن هذا الخوف
من التصرف الفردي والتأكد من أصل الحكم قبل الأخذ بالتخفيف كان منهج الصحابة
الكرام أنفسهم؛ كما ظهر في موقف سعد بن معاذ والأنصار رضي الله عنهم في غزوة
الخندق؛ حين عرض النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة
لتخفيف الشدة والمشقة البدنية والدفاعية عنهم، فلم يعمدوا للتخفيف أو قبول الرأي
بمجرد طروء المشقة أو الاجتهاد العائدي، بل سألوا واستثبتوا أولاً: يا رسول الله،
أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه
لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بل شيء أصنعه لكم»(12)، ليتبين أن
تقديم طلب الشرع والعلم والالتزام بالاتباع على الاجتهاد والتخفيف المجرد هو
العصمة والكمال، وهو السبيل الوحيد لتنشئة العالم الرباني والعبد الصادق.
سر ترك أشكال العبادة الشاقة عند معرفة الدليل
تكشف هذه
الحادثة عن مبدأ راسخ سيبقى ظاهراً في سيرة أبي العالية كلها؛ وهو أن السنة ليست
قيداً يضيق على الإنسان، بل هي الطريق الهادي الذي يوصل العبد إلى التوازن
والطمأنينة، فقد بدأ أولئك العُبّاد بعبادة شديدة وشاقة لأنهم ظنوا أنها الأقرب
إلى الله، فلما عرفوا الهدي النبوي انتقلوا إليه بسهولة؛ فلم يكن تعلقهم بـ«صورة
العمل» وإجهاد الجسد، بل كان بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، وهذه هي العلامة
الفارقة للإخلاص والربانية؛ إذ يتشبث البعض بالعمل لذاته، أما أهل الاتباع فيقدمون
مراد الله ورسوله على أذواقهم واجتهاداتهم النفسية.
ويتجلى أصل هذا
المعنى في أثر أبي العالية رفيع بن مهران رحمه الله حين تعلم هو وإخوانه السُّنة
في ختم القرآن كل جمعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبارته المليئة
بالسكينة: «فصلينا ونمنا ولم يشق علينا»؛ حيث وجدوا بالطمأنينة ولزوم السنة ما لم
يجدوه في كثرة الإجهاد والمشقة البدنية.
وهذا الانتقال
السريع وسلاسة الانقياد لأمر الشرع دون تعلق بصورة العبادة القديمة هو منهج
الصحابة الكرام؛ كما ظهر في موقفهم عند تحويل القبلة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
السَّمَاءِ) (البقرة: 144)، فمر رجل من بني سلمة وهم راكعون في صلاة الفجر
نحو بيت المقدس، فنادى: ألا إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة(13)!
فاستداروا كما هم ركوعاً نحو الكعبة، فلم يمنعهم تعلقهم بصلاتهم السابقة أو هيئتهم
من التحول الفوري؛ لأن غايتهم هي موافقة أصل الأمر لا صورة الفعل.
ولذا كان أئمة
التابعين يرون أن راحة الضمير وطمأنينة القلب تكمن في الاقتصاد المقرون بالسنة، لا
في القيام المكلف الذي يورث العجب؛ كما كان يقول التابعي الجليل مطرّف بن عبدالله
بن الشِّخّير: «عقول الناس على قدر زمانهم، ولأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب
إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً»(14).
ويؤكد هذا الأمان الممتد في لزوم هدي السلف الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال للقرّاء والعُبّاد: «يا معشر القراء استقيموا فقد سُبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً»(15)؛ مبيناً أن الطمأنينة والسلامة الحقيقية إنما هي في لزوم غرز السُّنة وحسن الاتباع.
الهوامش
- 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولي لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
- 3 أخرجه ابن ماجه (1346) واللفظ له، وأحمد (6873)، والنسائي في «السنن الكبرى» (8064).
- 4 أخرجه البخاري (3113)، ومسلم (2727)، وابن حبان (5524) باختلاف يسير.
- 5 أخرجه البخاري (1150) بلفظه، ومسلم (784)، والنسائي (1643) كلاهما باختلاف يسير.
- 6 التخريج: من أفراد البخاري على مسلم (6943).
- 7 أخرجه البخاري (1968).
- 8 أخرجه مسلم (1401)، والنسائي (3217)، وابن حبان (14) واللفظ لهم، والبخاري (5063) بنحوه.
- 9 أخرجه مسلم في كتاب المسافرين، باب «أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر، بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عن ذلك» من طريق يونس (2/ 189 – 190)، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسندة عن عثمان بن عمر (6/ 247).
- 10 أثر حسن، أخرجه الدارمي في «مسنده» (1/ 404/ 450 - حسين سليم أسد) والبيهقي (2/ 466) وعبدالرزاق في «مصنفه» (4755).
- 11 انظر: الأمر بالاتباع، ص62، وأخرج البخاري نحوه (13/ 250/ 7282).
- 12 رواه الطبري في «التاريخ» (11/ 350)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 430) واللفظ له.
- 13 أخرجه أحمد (14034) بلفظه، وأبو داود (1045)، وابن خزيمة (430) باختلاف يسير.
- 14 سير أعلام النبلاء (4/ 188).
- 15 أخرجه ابن أبي شيبة (35947)، والبزار (2956)، وأبو داود في «الزهد» (267) باختلاف يسير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً