بناء العالم الرباني.. التحري والارتحال في طلب العلم

أبو العالية الرياحي.. تجربةُ طالبٍ أسست منهج التلقي العلمي

رجل في أوائل عمره وهو يراقب عالما يصلي في مسجد من المساجد القديمة.

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي عالية الرياحي رفيع بن مهران-أبو العالية الرياحي- (1)، وروى جرير عن مغيرة قال: كان أشبه أهل البصرة علمًا بإبراهيم النخعي أبو العالية.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فأتفقد صلاته، فإن وجدته يحسنها، أقمت عليه، وإن أجده يضيعها، رحلت ولم أسمع منه، وقلت: هو لما سواها أضيع(2).

تكشف هذه الروايات عن قاعدة مركزية في بناء شخصية أبي العالية الرياحي؛ فهو لم يكن طالب علم يبحث عن كثرة المرويات فقط، ولم يكن يرى العالم مجرد خزانة للمعلومات، بل كان ينظر إلى العلم باعتباره أمانة لا يحملها إلا من ظهر أثرها في حياته، فالمعيار عنده لم يكن: كم يحفظ الرجل؟ ولا كم يروي؟ وإنما هل العلم الذي يحمله صنع فيه عبودية وخشية وانضباطاً؟

ومن هنا نفهم كيف وصل أبو العالية الرياحي إلى تلك المنزلة التي جعلت مغيرة يقول: «كان أشبه أهل البصرة علماً بإبراهيم النخعي»؛ فقد كانت عظمته ثمرة منهج بدأ من حسن اختيار مصادر العلم، وانتهى إلى صناعة عالم يجمع بين المعرفة والعمل.

كيف أصبحت الرحلة جزءاً من تكوين العالم؟

يقول أبو العالية الرياحي رحمه الله: «كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه»، هذه العبارة تكشف عن معنى عظيم في منهج السلف؛ فالعلم عندهم لم يكن سلعة قريبة المنال يُكتفى فيها بالظنون، بل كان أمانة ثقيلة تستحق بذل الوقت والجهد والسفر، وهذا ينسجم مع التوجيه القرآني في قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: 122)؛ فالرحلة في طلب العلم ليست مجرد انتقال بالأقدام عبر الفيافي، وإنما هي انتقال في الوعي والمنهج؛ يترك الإنسان بيئته مستشعراً الأمانة، ليبحث عمن يحمل علم النبوة بدقة، ثم يعود به مصلحاً وموجهاً، وقد كان أبو العالية الرياحي يطبق هذا المعنى بأعلى درجات الجدية؛ فلم يكن يسافر من أجل مجرد اللقاء، بل من أجل الوصول إلى عالم يستحق أن يحمل عنه الدين.

وهذا المسلك في تكبد المشاق والسفر للأيام والليالي لأجل النص الشرعي الصافي هو المنهج الذي تربى عليه خيار هذه الأمة؛ كما تجلى في رحلة الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنهما؛ إذ يروي عن نفسه قوله: «بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، فَسِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ الشَّامَ؛ فَإِذَا عَبْدُاللهِ بْنُ أُنَيْسٍ..»(3)، فسمع منه الحديث الشريف ورجع، متحملاً سفر شهر كامل لضبط أثر واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

تقديم خشية العالم على كثرة محفوظاته وحديثه

من أعمق ما جاء في منهج أبي العالية الرياحي قوله المأثور: «فأتفقد صلاته»، فهو لم يكن يبدأ فور وصوله بسماع الحديث الشريف وروايته، بل كان يبدأ أولاً بالنظر إلى حال الرجل مع الله عز وجل ومدى استقامته في خلوته وجوارحه، وهذا يكشف عن فهمه المنهجي الثاقب لطبيعة «العالِم الرباني»؛ فالعالِم في نظر السلف ليس مجرد أداة صماء تُردد المعلومات والنصوص، بل هو شاهد على أثر هذه المعرفة في نفسه وخلقه.

وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل العظيم في تحذير المسلم من انفصال القول عن العمل، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ {2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:1-2)؛ فالعلم الذي لا يظهر أثره الصالح على صاحبه يفقد بركته وهيمنته، ولهذا كان أبو العالية يبحث عن العلم الذي يحمله رجل صدقٍ بينه وبين ربه.

وهذا المعنى الدقيق هو الركن الأصيل الذي قام عليه نقد الرجال وتلقي العلم عند أئمة التابعين؛ كما ينقل الإمام التابعي إبراهيم النخعي عن منهجية معاصريه بقوله: «كَانُوا إِذَا أَتَوُا الرَّجُلَ يَأْخُذُونَ عَنْهُ الْعِلْمَ، نَظَرُوا إِلَى صَلَاتِهِ، وَإِلَى سَمْتِهِ، وَإِلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ عَنْهُ»(4)؛ فلم تكن صحة السند كافية وحدها دون التحقق من صلاح حامل السند وصحة عبادته.

ويرسخ هذا المعنى الإمام التابعي محمد بن سيرين في قاعدته النقدية الخالدة: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»(5)؛ موضحاً أن العلم أمانة إيمانية لا تُتلقى إلا عمن ظهرت استقامته على السنة وتجرده للحق.

لماذا اتخذ أبو العالية الرياحي الصلاة ميزاناً للضبط؟

لم يختر أبو العالية الرياحي أمراً عابراً أو مظهراً شكلياً ليختبر به أمانة العالم وصلاحه قبل أن يثني ركبتيه في حلقة درسه، بل اختار أعظم شعائر الإسلام وأثبتها: وهي الصلاة، فالصلاة هي العبادة الراتبة التي تتكرر كل يوم وليلة، وهي الميدان الحقيقي الذي تظهر فيه دقة الصلة بالله، ومدى خضوع الجوارح لأوامره؛ ولذلك قال الله تعالى يبيّن أثرها التزكوي في سلوك العبد: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت: 45)، فمن كانت صلاته قائمة على الوجه الشرعي الصحيح من الخشوع والاتباع، كان أقرب إلى أن يكون علمه وفقهه قد أثمر خشيةً في قلبه واستقامةً في سلوكه.

ولهذا وضع أبو العالية الرياحي قاعدته الصارمة في اختيار الشيوخ والتلقي عنهم قائلاً: «فإن وجدته يحسنها أقمت عليه وسمعت منه، وإن أجده يضيعها رحلت ولم أسمع منه، وقلت: هو لغيرها أضيع»، فلم يكن أبو العالية الرياحي يطلب عالماً معصوماً من الخطأ والزلل، بل كان يبحث عن أصل إيماني متين يدل على صدق البناء الداخلي للعالم؛ لأن من ضيع أعظم صلة بينه وبين ربه، خشي أن يكون تفريطه في أمانة العلم وأثر النبوة أعظم وأشد.

وهذا الميزان الذي اعتمده أبو العالية الرياحي هو عين الهدي الذي أدار به الصحابة الكرام شؤون الدين والدولة؛ كما يتجلى في التعميم الخالد لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ولاته وحملة الشريعة في الأمصار، إذ كتب إليهم ينص على المقياس الأول للتقديم والأمانة: «إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ»(6).

ويرسخ أئمة التابعين هذا الميزان في نقد الرجال والوثوق بأهليتهم؛ كما يقرره الإمام الحسن البصري بقوله الجامعة: «إذا رأيت الرجل يضيع صلاته فهو لما سواها أضيع، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً»؛ مؤكداً أن الاستهانة بالصلاة كاشفة لضعف الديانة وتهاوي الأمانة العلمية.

كيف تجنب أبو العالية مغالطة كلفة السفر؟

من أكثر ما يجلّي صلابة التكوين الإيماني عند أبي العالية الرياحي أنه لم يكن يوماً أسيراً لما بذله من جهد، أو استثماراً لما أنفقه في الطريق، فقد يقطع العبد المسافر أياماً وليالي في مشقة السفر ووعثاء الطريق حتى يصل إلى ديار الشيخ، فيتسلل إليه الشعور الإنساني بالاضطرار إلى الأخذ عنه لئلا تذهب مشقة السفر وعناء الطريق سدى، أما أبو العالية الرياحي فكان يرى أن خسارة أيام من السفر والمال أهون بألف مرة من خسارة صفاء الدين ودقة الشريعة، فإذا وصل ورأى الشيخ مضيعاً للصلاة أو مستهيناً بأمانتها، انصرف فوراً ورجع من حيث جاء، ولم يقل لنفسه: «لقد وصلت، أو قد بذلت الوقت والمال، أو سأنتفع ببعض ما عنده وأترك ما سوى ذلك»، لقد كان معيار الحق وانضباط السُّنة عنده أصلب وأعلى من ضغط الكلفة والمشقة السابقة، وهذا التجرد هو العرض الأبرز لطالب العلم الصادق؛ أن يكون تابعاً حميماً للدليل، لا أسيراً لما بذله من كلفة للوصول.

وهذا التجرد النبيل من ضغط «المشقة السابقة» السمة الشائعة بين أعيان التابعين وأئمة الأثر؛ كما يروى في ترجمة الإمام التابعي طاووس بن كيسان رحمه الله؛ إذ كان يرحل الأقاليم إلى بعض الرواة ليتعلم منهم، فإذا رآهم يتساهلون في المرويات، أو يقعون في التخفيف والتقصير من قدر العبادة والورع، تركهم ورجع فوراً دون أن يثنيه تعب الطريق أو يمنعه عناء السفر عن موازنة نصوصهم والتخلي عن الأخذ عنهم.

وعلى هذا الأصل الصلب تأسست المدارس النقدية عند محدثي الأمة؛ كما تجلى في سيرة إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين(7)؛ إذ كان يطوف الأمصار ويرحل الأقاليم الشاسعة إلى الشيوخ، فإذا وصل وجلس إليهم ووجد في أحوالهم الدينية أو مروياتهم نكارة وخللاً، ترك الحديث عنهم وأطرح مروياتهم، غير مبالٍ بما كابده من عناء السفر ولا ما أنفقه من كلفة الوصول؛ إعلاءً لمعيار الحق وتنزهاً للشريعة النبوية عن الدخل والضعف.

كيف تحول الفقه الشرعي إلى خشية وسلوك؟

تكشف هذه المنهجية المتميزة أن أبا العالية الرياحي رحمه الله لم يكن يبحث عن استكثار الروايات أو جمع كثرة المعلومات وتسويد الصحف، بل كان يبحث عن العلم الذي يزكي صاحبه ويصنع خشيته، وهذا يوافق تماماً التقرير القرآني الخالد في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)؛ فالعلم الشرعي الحقيقي ليس مجرد تراكم للمحفوظات وسرد للأسانيد، وإنما هو خشية باطنة تظهر آثارها الجلية في السلوك والجوارح، ولهذا كان أبو العالية يربط ربطاً وثيقاً بين العلم والصلاة، وبين الرواية والعمل، وبين مكانة العالم وأثره في الأمة؛ فالعلم الذي لا يصلح صاحبه ولا يقيمه في محراب الخشية لم يحقق الغاية الكبرى التي لأجلها أنزلت الشريعة.

وهذا المعنى هو الركن المكين الذي قام عليه الفهم الفقهي لدى الصحابة الكرام؛ كما يعبر عنه حَبْر الأمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقاعدته الكلية: «ليس العلمُ بكثرةِ التحديث، ولكنّ العلمَ الخشيةُ»(8)؛ موضحاً أن المعرفة الشريفة ليست استكثاراً من الشواهد، وإنما هي هداية تورث الخشية وتقيم البناء الداخلي للإنسان.

ويرسخ أئمة التابعين هذا الميزان في تجريد الغاية من طلب الآثار؛ كما يقرره الإمام التابعي مسروق بن الأجدع رحمه الله بقوله الناجز: «كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللهَ تَعَالَى، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ»(9)؛ فجعل الخشية هي الحد الفاصل بين العلم النافع والجهل المغلف بالحفظ.

كيف أثمر التدقيق في اختيار الشيوخ إمامة العلم؟

لم يكن منهج أبي العالية الرياحي في اختيار شيوخه وتفقد صلاتهم مجرد قاعدة نظرية تُردد في المجالس، بل كان هو السبب الجوهري في صناعة شخصيته العلمية الشامخة وصياغة أثره في التاريخ، فهو الذي دقق في مصادره، ورحل مسيرة أيام إلى أهل الأثر، ورفض السماع ممن ضيع أمانة الصلاة والعبادة، وطلب المعرفة النبوية من رجال يجمعون بين العلم، والعمل، والخشية، ثم لما اكتملت محصلته واستقام بناؤه، أصبح هو نفسه من أئمة الهدى الذين تجلس إليها القلوب، وتُشد إليها الرحال، ويُرجع إليها في أوقات النازلات؛ حتى قال فيه الإمام مغيرة بن مقسم الضبي رحمه الله شهادته الخالدة: «كان أبو العالية أشبهَ أهل البصرة علماً بإبراهيم النخعي»؛ فمن أحسن اختيار من يتعلم منهم، ودقق في شيوخه، صار أهلاً لأن يُختار علمه، وتُحفظ آثاره من بعده.

وهذا الناموس الشرعي هو الذي أثمر كبار أئمة الإسلام؛ كما يظهر في سيرة التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح رحمه الله؛ إذ أخذ العلم بالتدقيق والتحري الصارم عن أكابر الصحابة كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فلما دقق في شيوخه واختار أثبتهم، انتهت إليه سيادة الفتيا والعلم بمكة المكرمة حتى كان ينادي المنادي في الحرم: «لا يُفتي للناس إلا عطاء»(10)، وصار مقصداً لجميع الناس حتى الملوك والأمراء لما رأوا من متانة أصوله وصحة مأخذه.

وعلى هذه القاعدة قام مجد إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله؛ إذ لم يكن يأخذ العلم إلا عن أهل الصلاح والضبط كابن شهاب الزهري ونافع مولى ابن عمر، ودقق في رجاله تدقيقاً شديداً، فما كانت النتيجة إلا أن صار مالكٌ هو النجم الذي تُضرب إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها، ليغدو هو نفسه العالم الذي يختاره الناس وينقادون لفقهه عبر القرون.

القواعد التربوية الحاكمة لرحلة السلف في التحصيل

إن مجرد الوصول إلى الشيخ لا يعني دائماً الأخذ عنه إذا تبيّنت ناظرة الخلل في ديانته، كما تعلّمنا أن الصلاة ليست عبادة منفصلة عن مجريات العلم والطلب، بل هي الميزان الأول والأهم الذي يكشف مدى صدق صلة العبد بربه، وتعلّمنا أخيراً أن العالم الحقيقي لا يصنعه مجرد الحفظ الساكن أو كثرة المرويات، وإنما يصنعه مقدار ما يحمله من خشية الله والاستقامة على شرعه.

وهذا الدرس الأول في تقديم الرجال على الكتب هو ما نبه عليه إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي رحمه الله بقوله الخالد: «كان هذا العلمُ شريفاً يتلاقاه الرجالُ بينهم، فلما دخل في الكتبِ دخل فيه غيرُ أهله»(11)؛ مؤكداً أن الأساس هو اختيار المعلم الرباني الذي يستقى منه السمت والخشية قبل المسائل.

أما الميزان الحاكم في بقاء العلم وذهاب بركته، فيصوغه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كلمته الجامعة: «هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ»(12)؛ مبيناً أن العلم إذا لم يترجم إلى خشية وصلاة وصلاح باطن، ارتحلت بركته وبقي حجة على صاحبه.

خلاصة منهج أبي العالية في بناء شخصية العالم

تكشف سيرة أبي العالية الرياحي رحمه الله عن سر عميق من أسرار العظمة الإيمانية والعلمية؛ فلم يكن طريق أبو العالية الرياحي إلى سيادة الفن وتصدر المجالس قائماً على الجمع السريع للمرويات أو التكاثر بالشيوخ، بل كان يقوم على التدقيق الشديد والاختيار المعياري الصارم، كان يرحل مسيرة أيام، ثم يتفقد صلاح صاحب العلم وخبيئة أمره مع الله، وكان يطلب المأثرة والمروية النبوية، لكنه لا يأخذها إلا من رجل يرى الصلاة عنوان الصدق وميزان الخشية، ولهذا لم يكن غريباً أو بدعاً أن يصبح هو نفسه عالماً ربانياً تشهد له الأمة وتنيلُه سيادة العلم؛ لأنه بنى أصوله على أساس متين؛ وهو أن العلم الذي لا يغيّر سلوك صاحبه لا يكفي أن يُنقل للناس، وأن العالم الذي لا يظهر أثر العبادة والخشوع عليه لا يكون أهلاً لحمل أمانة الهداية ورعاية الشريعة.

وهذه المحصلة المباركة لرحلة البحث والتحري هي السمة الجامعة التي صنعت أئمة التابعين؛ كما تجلت في سيرة الإمام التابعي مجاهد بن جبر رحمه الله؛ إذ لم يكتفِ بمجرد السماع، بل رحل وعرض القرآن الكريم على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، يوقفه عند كل آية ويسأله عن مأخذها ويتحرى علمه وسمته، حتى صار مجاهدٌ الإمامَ المقدم في التفسير والحديث، والذي تلقت الأمة قوله واستنتاجه بالقبول التام.

وعلى هذا المنهج التأسيسي المتين تخرجت الطبقات المتعاقبة من جهابذة الأثر؛ كما يظهر في سيرة واحدٍ من أهم تلاميذه وهو الإمام الثبت أيوب السختياني(13)؛ إذ اتسم بالتدقيق البالغ والبحث الشديد عن الشيوخ وأهل الصدق والمحافظة على الصلاة، فما زال يتحرى في أخذ الدين حتى غدا هو نفسه رأس التثبت، وميزان النقد، وسيد شباب أهل زمانه؛ ليظل التفتيش عن العالم الصادق هو الطريق الوحيد لصناعة العالم الذي تقتدي به الأمة.

الهوامش
  • 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولي لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
  • 3 أخرجه أحمد (16042) واللفظ له، والبخاري في «الأدب المفرد» (970)، والطبراني (14/27 5) (14914).
  • 4 أخرجه الدارمي في «مسنده» (1/ 397) (435)، (1/ 398) (436).
  • 5 أخرجه مسلم في «مقدمة الصحيح» (1/ 16)، والدارمي (424) عن محمد بن سيرين.
  • 6 أخرجه عبدالرزاق (2038) واللفظ له، وأخرجه مالك (1/ 6)، والبيهقي (2184) مطولاً باختلاف يسير
  • 7 سير أعلام النبلاء (11/ 72).
  • 8 كتاب إبطال الحيل لابن بطة، ص34.
  • 9 أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (734)، والدارامي (322)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (6/ 80) واللفظ لهم جميعاً.
  • 10 كتاب صفة الصفوة (1/ 415).
  • 11 سير أعلام النبلاء (7/ 108).
  • 12 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/ 7070) (1274).
  • 13 سير أعلام النبلاء (6/ 16).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة