بناء العالم الرباني.. القرآن أصل التلقي ومنبع الهداية

أبو العالية الرياحي.. القرآن بوابة العلم وصناعة حملة الرسالة

عالم يجلس الى طلابه الثلاثة ويحدثهم وفي يده القرآن الكريم وهو يشير اليه

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبراً عن أبي العالية الرياحي رفيع بن مهران(1)؛ حيث قال ابن عيينة: سمعت عاصمًا الأحول يحدث عن أبي العالية، قال: «تعلموا القرآن؛ فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وإياكم وهذه الأهواء؛ فإنها توقع العداوة والبغضاء بينكم، فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يُقتل -يعني عثمان- بخمس عشرة سنة».

قال: فحدثت به الحسن، فقال: «قد نصحك والله، وصدقك»(2).

تكشف هذه الوصية عن جانب محوري في شخصية أبي العالية الرياحي؛ فهو لا يتحدث هنا عن جزئية فقهية، ولا عن فضيلة فردية، بل يضع قاعدة في بناء الإنسان العالم؛ أن سلامة العلم تبدأ من سلامة المصدر، وأن فساد التلقي قد يفسد الثمرة ولو كثرت المعلومات وكثرت العبادة.

فالعالم الرباني عند أبي العالية ليس فقط من يعرف القرآن، بل من يعرف من أين يأخذ القرآن، وكيف يحافظ على نقاء المعنى الذي حمله الجيل الأول.

ولهذا بدأ وصيته بالأصل: «تعلموا القرآن»، ثم حذر من الخطر الذي يهدد هذا الأصل: «وإياكم وهذه الأهواء».

فالمشكلة ليست في قلة المعرفة فقط، بل في أن يتلقى الإنسان معرفته من مصادر تحمل معها نزاعاتها وانحيازاتها حتى يصبح العلم سببًا للفرقة بدل أن يكون طريقًا للهداية.

لماذا اشترط السلف الفحص عن شيوخ الحديث؟

كان أبو العالية الرياحي من جيلٍ تلقى العلم قريباً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش مرحلة الانتقال من عصر التلقي الأول إلى ظهور الاختلافات والاتجاهات المتعددة، ولهذا كان يدرك بحسه التربوي أن أخطر سؤال يسبق طلب المعرفة وتحصيل المسائل هو: ممن آخذ؟

فالمعلومة ليست مستقلة عن مصدرها، والبيئة التي يتربى فيها طالب العلم تؤثر مباشرة في فهمه للدين واستقامة مساره، وهذا المعنى يطابق تماماً المنهج الذي أصله أئمة السلف في حراسة أبواب المعرفة؛ إذ لم يكن أبو العالية يبتغي طالباً يجمع الأقوال حاطبَ ليل، بل طالباً يملك معياراً صارماً في الانتقاء؛ لأن الخطأ في اختيار المصدر يجر حتماً إلى الانحراف في الفهم والعمل.

ويرسخ التابعي الإمام أبو قلابة الجرمي هذه الحقيقة مبيناً خطر التلقي عن أرباب الأهواء والشُّبَه واختيار المنبع المغشوش الذي يفسد العقل والفهم، موصياً تلميذه أيوب السختياني: «لا تُجَالِسُوا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَلا تُجَادِلُوهُمْ؛ فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ»(3).

ويؤكد التابعي الجليل يحيى بن أبي كثير ضرورة تمييز أصل التلقي والتحري فيمن يحمل العلم والأحكام حماية للشرع والدين، بقوله المأثور: «تَعَلَّمُوا النِّيَّةَ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ مِنَ العَمَلِ، وَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ هَذَا العِلْمَ»(4)؛ ليبقى انتقاء المصدر النقي والمنبع الصافي هو الحصن الأول الذي يحمي فكر العبد ويصون دينه من شائبات الانحراف.

كيف يضبط النص القرآني بقية العلوم الشرعية؟

قال أبو العالية الرياحي: «تَعَلَّمُوا القُرْآنَ؛ فَإِذَا تَعَلَّمْتُمُوهُ فَلَا تَرْغَبُوا عَنْهُ»، وهذه العبارة تحمل منهجاً كاملاً في ترتيب المعرفة وتأسيس العقول؛ فالقرآن ليس مجرد مادةٍ من مواد التعلم، بل هو الأصل الحاكم الذي تُوزن به الأفكار والمناهج، فكل علم صحيح يخدم هذا الأصل، وكل فكرة تنحرف عنه أو تجعل الهوى حاكماً عليه تصبح خطراً على المتعلم؛ وهو ما ينسجم تماماً مع قوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9)، فالقرآن عند أبي العالية ليس نقطة بدايةٍ مؤقتة، بل مرجع مستمر يحفظ للعلم اتجاهه وصوابه.

ويتجلى هذا التعظيم لمرجعية كتاب الله في منهج التابعي الجليل محمد بن كعب القرظي؛ إذ كان يرى أن الغاية العظمى من القرآن هي التدبر والتفقه الذي يضبط الفكر والسلوك، قائلاً: «لأن أقرأ: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) (الزلزلة: 1)، و(الْقَارِعَةُ) (القارعة: 1)، لا أزيد عليهما وأردد فيهما وأتفكر أحب إليَّ من أن أهذ القرآن ليلتي، أو قال: أنثره نثرًا»(5).

ويرسخ الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه تقديم المرجعية القرآنية وجعلها الحصن والأساس الحاكم لجميع شؤون العبد، في وصيته الجامعة: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَةُ الإِسْلاَمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ رُوْحُكَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي أَهْلِ الأَرْضِ، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلاَّ فِي حَقٍّ، فَإِنَّكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ»(6).

وتظهر هذه المرجعية الحاكمة في مسلك أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصارية(7) رضي الله عنها؛ إذ كانت قد جمعت القرآن الكريم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلت نصيبه وعلومه مرجعاً قائماً لحياتها، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يسميها «الشَّهِيدَةَ»، وأمرها أن تؤم أهل دارها بكتاب الله؛ ليبقى القرآن العظيم هو الميزان الأسبق والمرجع الأوحد الذي يُرجع إليه في كل الفتن والنوازل.

خطورة تحول المعرفة الشرعية إلى وقود للنزاع

لم يقتصر أبو العالية الرياحي على النهي عن الجهل الفكري، بل قال معذّراً ومحذراً: «وإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الأَهْوَاءَ؛ فَإِنَّهَا تُوقِعُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ بَيْنَكُمْ»، وها هنا يتجلى عمق نظره وبصيرته المنهجية؛ فهو لا يقيس صحة المسار بكثرة الجدل ولا بشدة الانتصار في المناظرات، بل ينظر إلى أثره في النفوس والمجتمعات، فالمنهج الذي يورث التباغض والتعصب المذهبي يحتاج إلى مراجعة صادقة؛ لأن العلم الذي جاء لهداية القلوب لا ينبغي أن يغدو وقوداً للخصومات؛ امتثالاً لقوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46).

ويحذر الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه القراء وحملة الشريعة من مفارقة السمت الأول والانسياق وراء النوازع الفكرية والخصومات، قائلاً: «يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقاً بَعِيداً، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِيناً وَشِمَالاً لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً»(8).

ويرسخ التابعي الإمام أيوب السختياني هذه الحقيقة مبيناً خطر التعصب والأهواء الجدلية التي تحول الدين إلى نزاع وشقاق: «إِنَّ الخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الاسْمِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ»(9).

لماذا اتخذ أبو العالية مقتل عثمان حدًا؟

تحمل عبارة أبي العالية الرياحي: «فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَا القُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً» معياراً منهجياً وتاريخياً بالغة الأهمية، فهو يشير إلى زمنٍ كان فيه التلقي للقرآن والسنة صافياً مرتبطاً بصفوة الصحابة، قبل أن تتسع الفتن وتتداخل الاتجاهات الفكرية والسياسية على مساحات الفهم والتفسير، فالأسبقية هنا معيار للاتصال بالنبع الأول، وليست مجرد مفاضلة بين الأعصار.

ويتجلى هذا المعيار المنهجي في مسلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ جعل سلامة العهد الأول ونقاء الصحبة هما الميزان الأصيل للتلقي والفهم، قائلاً: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبَادِ؛ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ»(10).

ويرسخ التابعي الإمام إبراهيم النخعي هذا الاتصال بالهدي الأول والتحذير من محدثات الفهم بعد الفتن، بقوله المأثور: «لَوْ بَلَغَنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَضَّؤُوا إِلاَّ إِلَى الأَظْفَارِ لَمْ أَتَوَضَّأْ إِلاَّ إِلَيْهَا، وكفى على قوم إزراءً(11) أن تخالف أعمالُهم أعمالَ أصحاب نبيهم صلى الله عليه وسلم»(12).

دور الشيخ الرباني في حراسة منافذ الفهم

تكشف وصية أبي العالية أنه لم يكن يلتفت إلى ما يتلقاه الطالب فحسب، بل كان يعنى بكيفية التلقي ومدخل المعرفة، فالطالب قد يبدأ بالقرآن، لكنه إن فتح بوابات التلقي بلا ضوابط صار عرضة لتداخل الأصول بالفروع واسترسال الهوى؛ ولهذا كان الإمام الرباني حارساً لمدخل المعرفة قبل أن يكون شارحاً لمضمونها.

ويتأكد هذا المعنى في منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ كان يراقب عملية التعليم والتلقي في الأقاليم بصرامة، ولما بلغت هيبته الكوفة والشرق حذر من المداخل والمصادر غير الموثوقة، وأمر بضبط العلم وتقييده على الأصول الصحيحة، متقدماً بحراسة بوابات الفقه بعبارته: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا»(13).

ويجسد التابعي الإمام مجاهد بن جبر هذه الحراسة العالية للعملية التعليمية بالتدقيق الشديد في أخذ التفسير والقرآن، قائلاً: «عَرَضْتُ المُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا»(14)؛ صيانةً لطريقة الأخذ وحمايةً للنص.

سبب تأييد الحسن البصري لوصية أبا العالية

لما بلغت وصية أبي العالية وميزانه التربوي الإمام الحسن البصري قال موثقاً ومقراً: «قَدْ نَصَحَكَ وَاللَّهِ، وَصَدَقَكَ»، وتلك الشهادة ليست مجرد ثناءٍ عابر، بل هي إقرار وتثبيت لمنهج تربوي كامل من إمام البصرة؛ فقد كان الحسن يدرك أن أخطر ما يهدد السالكين ليس قلة المعلومات، بل فساد الطرق والأدوات التي تُستقى منها.

ويعبر الإمام الحسن البصري نفسه عن ميزان الاعتدال وحماية المنبع العلمي من شطحات الغلو والجفاء، قائلاً لأهل زمانه: «سُنَّتُكُمْ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ بَيْنَهُمَا: بَيْنَ الْغَالِي وَالْجَافِي، فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا أَقَلَّ النَّاسِ فِيمَا مَضَى، وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ فِيمَا بَقِيَ: الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَ أَهْلِ الْإِتْرَافِ فِي إِتْرَافِهِمْ، وَلَا مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي بِدَعِهِمْ، وَصَبَرُوا عَلَى سُنَّتِهِمْ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ فكذاكمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَكُونُوا»(15).

ويرسخ أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز اعتماد منهج السلف والتابعين في التحري وحراسة التلقي بقوله المأثور: «قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسر»(16).

الفرق بين الاجتهاد الشرعي والتعصب للرأي الشخصي

قد يظن ظانٌّ أن تحذير أبي العالية يتضمن إغلاقاً لباب النظر أو رفضاً للاجتهاد، غير أن سيرة حياته وفقهه تنفي ذلك تماماً؛ فقد كان إماماً مجتهداً يرجع إليه الناس، وإنما كان تحذيره موجهاً لمسلكٍ آخر؛ وهو أن تحكم الأهواء والمسبقات على النصوص، فيقرأ المرء القرآن والسنن بلسان الانتماء لا بلسان التلقي والهداية.

ويظهر هذا التمييز الدقيق عند ترجمان القرآن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما؛ إذ جمع بين الفهم والاستنباط العميق وبين الحجر الصارم على اتباع الهوى، حتى رفع مقام أصحاب العلم والفهم وقرب أبا العالية وأجلسه معه على السرير تقدماً لفقهه ورسوخ اجتهاده المنضبط بالنص.

ويؤكد الإمام الشافعي هذا المعيار بوضوح، حيث جعل الاجتهاد الصحيح دائرًا في فلك الدليل، مستعيذاً من اتباع الهوى والرأي المجرد: «إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي»(17).

تطبيقات وصية التابعين في زمن انفجار المعلومات

تقدم وصية أبي العالية حلولاً منهجية لشواغل عصرنا المعاصر؛ إذ ليست المعضلة اليوم في ندرة البيانات، بل في تزاحم المصادر وتداخلها، ولذا ينبغي للمتعلم أن يمحص بوابات المعرفة قبل الولوج، متسائلاً عن تزكية المصدر وهدفه وأثره في نفسه.

ويرسخ الإمام الأوزاعي هذا التحذير من انضباط بوابات المعرفة عند تحولها من التلقي المباشر والمتثبت إلى المصادر المفتوحة بلا ضابط: «كَانَ هَذَا العِلْمُ كَرِيماً يَتَلاَقَاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ»(18).

ويبين إمام أهل السُّنة سفيان الثوري الغاية العظمى التي تُحفظ بها جودة المعرفة وسلامة المصدر بقوله: «إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ العِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ، فَمِنْ ثَمَّ فُضِّلَ العِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ كَانَ كَسَائِرِ الأَشْيَاءِ»(19).

لماذا يعد حفظ النبع أولى واجبات العالِم؟

تتجلى عظمة أبي العالية الرياحي في كونه لم يكتفِ بنشر المادة المعرفية، بل قام على حراسة المنافذ التي تنفذ منها إلى القلوب والعقول؛ فالعلم رسالة سامية تحتاج نقاء المنبع، والنقاء يحتاج طالباً يعرف كيف يختار ويرجح.

وكذلك كانت سيرة الإمام سعيد بن المسيب؛ إذ عكف على القرآن والتثبت العالي من الشيوخ، وحماية المعرفة من كل دخيل أو هوى، حتى صار «عالم المدينة»(20) وعمدة الفتيا للأمة؛ ليبقى العالم الرباني هو من يحمل الحق، ويحرس شروط حمله.

يتلخص النهج الأصيل في بناء أجيال المعرفة في تقديم كتاب الله تعالى كأصلٍ حاكم ومرجعٍ مستمر تصحّ به المفاهيم وتُوزن به المناهج، فلا ينبغي لطالب العلم أن يبتغي عنه بدلاً أو يحيد عن هداه، ويتلازم مع هذا التأسيس القرآني واجبُ حراسة بوابات التلقي والتحري الشديد في اختيار الشيوخ والمصادر؛ إذ إن صيانة العقل من الدخل وتخليص الفهم من شوائب الأهواء والنزاعات تقدمان على مجرد استكثار المسائل وجمع الروايات، فالعلم النقي إنما يُستقى من منابعه الصافية التي تحفظ على العبد دينه واستقامة مساره.

وقد تجسد هذا المنهج الرباني في سيرة أبي العالية الرياحي، الذي رسخ قاعدة أن سلامة الطريق وأهليّة المصدر هما الميزان الحقيقي لصناعة العالم، محذراً من تحول المعرفة إلى وقود للخصومة والفرقة، ومؤكداً أن السلامة إنما تكمل بالاستمساك بالهدي الأول والنقاء التاريخي لعهد الصحابة الكرام، وهو ما أيده أئمة البصرة كالحسن البصري، ليؤكدوا جميعاً أن التحرر الحقيقي والسيادة الإيمانية لا يُنالان بالجاه أو كثرة المعلومات، بل بحراسة المنبع، ورسوخ النية، والبدء بالقرآن العظيم هدايةً وعملاً.

الهوامش
  • 1 أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي: مولى لامرأة من بني رياح، ولد في الجاهلية وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، كبار التابعين، ومن أئمة القراء والمفسرين والمحدثين بالبصرة، اشتهر بالطلب والعلم، والعناية بالقرآن تفسيراً وإقراءً، ووفور الحديث والفقه، سكن البصرة وتوفي بها سنة 90هـ (وقيل: 93هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 208).
  • 3 سنن الدارمي (1/ 120) (391).
  • 4 كتاب جامع العلوم والحكم (1/ 70).
  • 5 كتاب موسوعة الأخلاق (205).
  • 6 ابن عساكر (7/ 95 ب)، من طريق ابن المبارك، و«تاريخ الإسلام» (3/ 220).
  • 7 كتاب صفة الصفوة (1/ 341).
  • 8 وسنن الدارمي، المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي (1/ 69).
  • 9 كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة والجماعة (1/ 162) (290).
  • 10 كتاب مسند أحمد (6/ 84) (3600).
  • 11 في المطبوع و«ك»: «وزراً».
  • 12 كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين (6/ 27).
  • 13 كتاب صحيح البخاري (1/ 39) (72).
  • 14 كتاب المصنف، ابن أبي شيبة (6/ 154) (287).
  • 15 كتاب مسند الدارمي (1/ 296) (222).
  • 16 كتاب التعليقات على متن لمعة الاعتقاد لابن جبرين، ص55.
  • 17 كتاب القواعد للحصني (3/ 360)، وحلية الأولياء (9/ 106)، وانظر: الرسالة للإمام الشافعي، فقرة (1309).
  • 18 الكامل (1/ 101)، وسير أعلام النبلاء (7/ 114).
  • 19 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 362).
  • 20 كتاب سير أعلام النبلاء (7/ 155).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة