; أمة في خطر: قش في أحشاء أمريكا | مجلة المجتمع

العنوان أمة في خطر: قش في أحشاء أمريكا

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1148

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 02-مايو-1995

عندما أدرك الأمريكيون أنهم يحتلون «المكانة الأخيرة» عن جدارة في سلسلة اختبارات متوالية عقدت بين طلبتهم وطلبة (19) دولة صناعية أخرى، أطلقوا صرخة مدوية بأنهم أصبحوا «أمة في خطر» «A Nation at Risk» وعلى إثر ذلك شكل وزير التربية في الولايات المتحدة الأمريكية تيريل بل «Terrell Bell» لجنة من ثمانية عشر عضوًا يرأسها الرئيس دافيد جاردينر «David Gardner» ويساعده إيفون لارسن «Yvinne W, Lar».

وكان التقرير الذي وضعته اللجنة بعد 18 شهر بمثابة خطاب مفتوح إلى الشعب الأمريكي بأنه «أمة في مواجهة خطر»، وأن ذلك يتطلب حتمية التغيير بالسعي للتفوق في النظام التعليمي.

لكن على إثر انفجار أوكلاهوما سيتي في التاسع عشر من أبريل الماضي، شعر الأمريكيون بأن الخطر الحقيقي ليس هو التخلف العلمي والتكنولوجي، بل أشياء أخرى، فالأمريكيون يعيشون الآن حالة من الذهول والصدمة والإحباط؛ كون أن مجرمي الانفجار مواطنون أمريكيون بيض «صانعو التفوق الحضاري للولايات المتحدة»، حيث استهدف الانفجار مبنى «ألفرد مورا» الاتحادي الذي يحوي إدارات مراقبة تجارة الكحوليات، والسجائر، وحمل السلاح، ووكالة مكافحة المخدرات، وجهاز الخدمة السرية، ومركز رعاية الأطفال العاملين في المبنى.

ويُعد هذا الانفجار أخطر حادث عنف في تاريخ الولايات المتحدة، لقد نما «الإرهاب الأبيض» في أمريكا بشكل منظم في السنوات الأخيرة، ووفق التقديرات -غير الرسمية- فإن هناك أكثر من 14 مليشيا رئيسية وعشرات غيرها من المليشيات الوطنية الخاصة، والتي تنتشر معسكرات تدريبها ومقراتها في أكثر من عشرين ولاية أمريكية، وتشير إحصائيات غير رسمية أن عدد أفرادها من مختلف الرتب العسكرية يبلغ مائة ألف مجند معظمهم من البيض، وكثيرون منهم خدم في الجيش بمختلف فروعه، وبعضهم خاض حروبًا مثل حرب فيتنام والخليج.

وعلى سبيل المثال فإن «مليشيا ميتشجان» يربو عدد أعضائها على 12 ألف عضو «جندي» مدربين تدريبًا عاليًا، وهناك «مليشيا مونتانا»، و«مليشيا كلان ووتش»، في ولاية ألاباما وغيرها، كما أن هناك مجموعات من الجماعات المتعصبة مثل «الرؤوس الحليقة» و«منظمة الأمر» و«الكوكلوكس كلان»، وجماعة «البرانش دافيديان»، والتي زعم قائدها «ديفيد كورش» بأنه «المسيح»، وتحدى الحكومة قبل سنتين وقُتل هو و(80) من أتباعه في مدينة «واكو» بولاية تكساس.

إن الجامع المشترك بين هذه المليشيات هو التعصب والتشدد والاتجاه المغالي جدًّا في التطرف والحقد على الحكومة، والعنصرية الشديدة والكراهية ضد ما هو «أجنبي غير أبيض نقي أصيل» والمنتمون لهذه الجماعات من البيض الأوروبيين الأقحاح.

لكن المشكلة الاجتماعية التي ستواجهها الولايات المتحدة الآن هي أنه وفق تصريحات صحفية فإن غالبية هؤلاء مواطنون أفاضل وشرفاء ويعملون بصبر وإخلاص ومثقفون، أي إن الإرهاب والأفكار المتطرفة ليس ناتجًا من طبقة متدنية اجتماعيًّا، وإذا كانت السمة العامة للمجتمع الأمريكي بأنه محسوب من مجتمعات الحرية و«الرفاهية الاجتماعية»، فإن أوراق المحللين والدارسين لأسباب حادث أوكلاهوما غير قادرة على تفسير هذا الخطر الجديد بأنه مشكلة قانونية أو طبقية.

إن نزعة التفوق والعنصرية سادت أمريكا منذ منتصف هذا القرن، ومازالت هي السمة البارزة على قادة وعناصر هذه المليشيات والمنظمات، وإن الكارثة المقبلة على ما يبدو والخطر القادم على الأمة الأمريكية لا من التخلف التكنولوجي، وإنما هو من داخلها.

وقد تسارع الإدارة الأمريكية لحث الكونجرس على إصدار تشريع خاص بالإرهاب، لكن لم تكن القوانين في يوم ما تمنع استمرار الأفكار المتطرفة والإرهابية خصوصًا في مجتمع يحمي الحريات ويصونها كالمجتمع الأمريكي، وإنه قد يكون من الخطأ بمكان أن تسارع الإدارة الأمريكية لحل كارثة مقبلة ببضع مواد قانون.

إن تشكيل لجنة جديدة لدراسة «الأزمة الاجتماعية الجديدة» جديرة بالاهتمام؛ ربما ليكتشف الرجل الأبيض في أمريكا أن القيم المادية التي تبثها حضارته على مدى قرنين من الزمان أفرزت عُقدًا روحية أخلاقية واجتماعية وفكرية، أولها عقدة «التفوق» التي ما زالت تلازم شعب الولايات المتحدة وقادتها منذ أن عرف الشعب الأمريكي أنه شعب بلا تاريخ ينافس شعوبًا حضارية في العالم.

لقد كانت تلك الجماعات والمليشيات المتطرفة، وهي «الجديد القديم» لمنظمات «الكوكلوكس كلان» وغيرها نتيجة منسجمة وطبيعية لتلك النظرية، تتجدد مرة أخرى في ثوب آخر، وهي بمثابة «قش في أحشاء أمريكا» جاهز للاشتعال في أي وقت.

الرابط المختصر :