العنوان مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد
الكاتب عبد المحسن السريع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1984
مشاهدات 71
نشر في العدد 673
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 29-مايو-1984
مشروع قانون الأحوال الشخصية الكويتي الذي وافق عليه مجلس الأمة بثوبه الجديد، تميز بكثرة مواده حيث بلغت ما يقارب (400) مادة، وحوى كذلك بعض المواد الجديدة التي أدخلت لأول مرة في قانون الأحوال الشخصية، ويعتبر كذلك من أرقى القوانين للأحوال الشخصية في البلدان العربية، وقد أشرفت على وضعه لجنة مختصة تتكون من أربعة عشر مستشارًا، ثم تم عرضه على مجلس الأمة الذي ناقشه بدوره وأقره بصيغته النهائية بعد أن أدخل عليه بعض التعديلات، وقد اختارت المجلة أن تحاور الدكتور أحمد الغندور وهو أحد رجال الفقه المتخصصين بشؤون هذا القانون، والدكتور أحمد الغندور أستاذ في كلية الشريعة بجامعة الكويت.
وإليك أخي القارئ نص الحوار:
□ ما السبب الذي دعا إلى إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية القادم على مذهب الإمام مالك رحمه الله؟
• من المعروف أن محاكم الكويت منذ إنشائها تطبق أحكام مذهب الإمام مالك على قضايا الأحوال الشخصية، وهذه الأحكام يتطلب البحث عنها في مراجعها وقتًا طويلًا، وجهدًا شاقًا، وقد يوجد في المسألة الواحدة آراء متعددة في الفقه المالكي من غير ترجيح بين هذه الآراء، مما يوقع القاضي في حيرة، فأيها يطبق على موضوع النزاع وأيها يترك؟
وقد يكون في الأخذ من آراء المجتهدين الآخرين غير المالكيين ما يتفق وعادات المتقاضين، وفي مصلحتهم، ولكن القاضي لا يستطيع الأخذ من غير مذهب مالك الذي أوجب القانون تطبيقه.
والشريعة الإسلامية لم تأمرنا بالتزام مذهب معين، وإنما أمرتنا أن نأخذ الأحكام من المذهب الإسلامي الكبير على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية، وآراء فقهاء السلف والخلف من الصحابة والتابعين، وأئمة المذاهب الفقهية، وغيرهم من المجتهدين.
هذا وقد كثرت الشكوى مما يجري عليه العمل اليوم في محاكم الكويت، حتى من القضاة أنفسهم، حيث يلزمون بالقضاء بآراء فقهية، أصبحت غير ملائمة، ولا محققة للعدل والمصلحة في محيط الجماعة، فكان لا بد من عدم التقيد بمذهب معين، لمواكبة التطور الاجتماعي، بغية إصلاح حال الأسرة التي هي أساس المجتمع الصالح.
وإيمانًا بالرسالة التي تحملها دولة الكويت، وما أخذته على عاتقها من الحفاظ على العمل بما جاء في الشريعة الإسلامية من أحكام لإنارة دروب الحياة، وقيادة المجتمع الكويتي إلى معالم الخير، والهدى والاستقرار - أصدر مجلس الوزراء الموقر في الأول من ربيع الأول 1397هـ الذي يوافقه 19 من فبراير 1977م قرارًا بشأن تنقيح وتطوير التشريعات الكويتية، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.
وتنفيذًا لهذا القرار- أصدر سعادة الشيخ سلمان الدعيج الصباح وزير الدولة للشؤون القانونية والإدارية قرارًا رقم (2) في 21/1/1978م بإنشاء لجنة متفرغة لوضع مشروع قانون للأحوال الشخصية، يشتمل على الزواج وأحكامه، والطلاق وآثاره، وحقوق الأولاد، والوصية، والميراث، كما تضع هذه اللجنة مشروع قانون الموقف.
□ ما الأسس التي اعتمد عليها المشروع في وضع مواد القانون الجديد؟
• الأسس التي اعتمد عليها المشروع أن تكون أحكام مواده كلها مستنبطة من الشريعة الإسلامية، على أن يكون الأساس فيه مذهب الإمام مالك الذي يجري عليه العمل في محاكم الكويت حاليًا، ما دامت أحكامه تتفق وعادات الناس وأحوالهم بما يحقق استقرار الأسرة الكويتية وسعادتها.
وقد قامت اللجنة المتفرغة بوضع مواد المشروع في أربعمائة مادة تقريبًا، بعد أن اطلعت على قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها في كل من مصر، والعراق، وسوريا، والأردن، والمغرب، وتونس، والصومال، واليمن الديمقراطية.
كما قامت اللجنة باستقصاء أحكام الأحوال الشخصية في فقه المذاهب الإسلامية على اختلافها، وذلك في ضوء ما جاء في مراجعها الأصلية، وأمهات الكتب الفقهية، للأخذ بكل رأي صالح، ومفيد للفرد والأسرة.
وقد ألقت اللجنة نظرة فاحصة على مواطن الشكوى مما يجري عليه العمل اليوم في محاكم الكويت، ولمست شكوى القضاة أنفسهم من التزامهم بمذهب معين، واتضح للجنة ما هو أولى وأجدر بالاتباع، لمواكبة التطور الاجتماعي، لتصلح حال الأسرة وتبرئة الشريعة مما قد تتهم به من جمود أو وقوف.
وقد نوقشت مواد هذا المشروع في لجنة عامة مكونة من أربعة عشر مستشارًا وأدخلت عليه بعض التعديلات في بعض المواد.
وبعد ذلك عرض هذا المشروع على لجنة مراجعة مكونة من تسعة مستشارين من أبناء الكويت المتخصصين في الفقه، والقضاء، والأحوال الشخصية، وأقرت هذا المشروع بعد إدخال بعض التعديلات عليه، واطمئنانهم على أنه مستمد من أحكام المذاهب الفقهية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية.
كما وافق عليه مجلس الوزراء الموقر في مايو 1981م.
وقد عرض هذا المشروع أيضًا على وزارة العدل، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وكلية الشريعة والدراسات الإسلامية لإبداء الرأي فيما جاء فيه من أحكام شرعية.
كما نوقش في الجمعيات العامة، وفي الإذاعة، وفي التلفاز، واهتمت به الصحف والمجلات الكويتية، وطرح في الجمعيات الثقافية النسائية لمناقشته وإبداء الرأي فيه.
وأخيرًا أحالته الحكومة إلى مجلس الأمة، وقد قامت اللجنة التشريعية والقانونية مشكورة بمناقشته مناقشة دقيقة، ودراسته دراسة متأنية في أكثر من خمس عشرة جلسة بحضور مستشارين متخصصين.
وقامت ببعض التعديلات التي ارتأتها ملائمة.
ثم عرض على السادة المحترمين أعضاء مجلس الأمة، لمناقشته مادة مادة، وعمل الإجراءات اللازمة لإصدار مرسوم أميري به، ليكون قانونًا يعمل به للقضاء في الكويت ابتداء من 6 محرم 1405ه الذي يوافقه أول أكتوبر 1984م.
□ هل تعتقد أن هناك جوانب نقص لم يتطرق إليها القانون؟
• مما لا شك فيه أن الكمال لله وحده، وأن أي قانون لا بد وأن تكون فيه ثغرات، تختلف فيها وجهات النظر، مما يعده بعض الناس نقصًا، كما لا يمكن لأي قانون أن يتعرض لجميع المسائل الجزئية التي تقع في الأسرة وإنما يقنن الأحكام التي تهم الفرد والأسرة، ويعنى بالمسائل التي تكثر شكوى الناس منها، مما يجعل المشرع لا يتقيد بمذهب معين، بل يأخذ الأحكام من المذاهب الفقهية بما يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة، وييسر على الناس أمورهم، ويقضي على مواطن الشكوى، ويتفق مع تقاليد أهل الكويت وكل ذلك في فلك الشريعة الإسلامية، ففي قواعدها العامة، واجتهاداتها الضمان الكافي لكل صلاح.
□ بعض من اطلع على المشروع من العلماء الفقهاء علق عليه قائلًا: «إن المشروع تأثر ببعض قوانين البلاد العربية وعلى الأخص بقانون الأحوال الشخصية المصري» فما السبب في ذلك؟ وهل يناسب هذا القانون واقع المسلمين في الكويت؟
• نعم تأثر هذا المشروع ببعض قوانين الأحوال الشخصية في البلاد العربية، وخاصة بقانوني الوصية والميراث في مصر، لأننا جميعًا ننهل من مورد واحد وهو الفقه الإسلامي، مع مراعاة أن مصر ليس فيها قانون أحوال شخصية متكامل إنما توجد بالنسبة للزواج والطلاق، وحقوق الأولاد مواد متناثرة.
أما مشروع قانون الأحوال الشخصية الكويتي فقد انفرد بمواد ليس لها نظير في أغلب قوانين الدول العربية، وعالج كثيرًا من المشكلات الأسرية، وجاءت مذكرته الإيضاحية تضيء الطريق أمام الباحثين، وبأسلوب سهل ميسر، وأشارت إلى مستند كل مادة من المراجع الأصلية والمذاهب الفقهية بدون تأثر بأي قانون آخر، واشترك فيه مستشاران جليلان هما الأستاذ الأزرق ومكاوي ولهما خبرة في القضاء فوق الأربعين عامًا.
هذا، وأغلب قوانين الأحوال الشخصية في كل الدول العربية متقاربة في طرح المواد، ومختلفة في المذكرات الإيضاحية- هذا، وأرى أن هذا القانون يناسب واقع المسلمين في الكويت، أتمنى أن يعم نفعه دول الخليج العربي لأنه لا يوجد في هذا المشروع مادة تجافي روح الشريعة الإسلامية.
□ وردت في المشروع مواد تخالف الأدلة الشرعية الصحيحة والتي لا تتفق مع آراء الفقهاء الذين يعتمد على فهمهم وفقههم لكتاب الله، ومثال ذلك ما ورد في المادة (103) ونصه «لا يقع الطلاق على الزوجة إلا إذا كانت في زواج صحيح وغير معتدة»، وهذا مخالف لما قرره أئمة المذاهب.
• إن ادعاء بعض الناس بأن القانون فيه مواد تخالف الأدلة الشرعية الصحيحة مستدلين بالمادة (103) التي تنص: «لا يقع الطلاق على الزوجة إلا إذا كانت في زواج صحيح وغير معتدة»، فهذه المادة سندها الاجتهادات التي قررت أن المعتدة لا يلحقها طلاق، لأن تطليق المعتدة عبث، والعبث مردود شرعًا، والمقصود من الطلاق حاصل بدون التطليقة الجديدة، وما دامت المرأة في العدة ستنتهي إلى بينونة فلا فائدة من الطلقة الثانية وهي في العدة وأن الله تعالى أعطى الرجل بعد الدخول بالزوجة حق تطليق يملك فيه الرجعة، ويكون مخيرًا بين الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان.
ولا شك في أن صلاح الأسرة يكون في أن الطلاق المقترن بعدد لا يقع إلا طلقة واحدة، والأصل في الطلاق أن يكون رجعيًا إلا ما استثنى -وفي عدم وقوع طلقة ثانية على المعتدة علاج لأحوال كثيرة ضج منها الناس بالشكوى.
وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه إذا أراد أن يطلق الرجل زوجته طلقة ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة، وليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة والعقد، وقال بذلك ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن القيم: «فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شيء غير هذا فأوجدونا إياه».
لذلك اختار المشروع قول من لا يجيزون إرداف الطلاق على المعتدة في أي عدة كانت.
وهناك آراء للفقهاء يرون وقوع الطلاق الثاني والثالث ما دامت الزوجة في العدة، ولم يأخذ بها المشرع، نظرًا لمصلحة الأسرة.
□ عندما نوقشت بعض مواد المشروع في مجلس الأمة، اختلف النواب حول مسألة «طلاق السكران» وثارت زوبعة حول هذه المادة ... كيف أقر المجلس هذه المادة بينما معظم الفقهاء يوقعون طلاق السكران؟
• اختلف الفقهاء في طلاق السكران هل يقع أم لا، قال عثمان بن عفان: «ليس لمجنون ولا لسكران طلاق»، وقال ابن عباس: «طلاق السكران والمستكره ليس بجائز» ... وذهب إلى عدم وقوع طلاق السكران عطاء، وطاووس، وعكرمة، والقاسم، وبه قال ربيعة، والليث، وإسحاق، والمزني، واختاره الطحاوي.
وقال بوقوعه طائفة من التابعين، والأوزاعي ومالك، وأبو حنيفة، وعن الشافعي قولان: الصحيح منهما وقوعه.
من هذه النصوص نعلم أنه لم يرد نص من القرآن الكريم أو السنة النبوية على وقوع طلاق السكران، والمسألة خلافية، وليس للصحابة رأي فيها إلا ما روي عن عثمان، وعن ابن عباس بعدم الوقوع، وفي كل مذهب من المذاهب الأربعة يوجد رأيان، بالوقوع وبعدمه.
يقول ابن القيم: والصحيح أنه لا عبرة بأقواله من طلاق، ولا عتاق، ولا بيع، ولا هبة، ولا وقف، ولا إسلام، ولا ردة، ولا إقرار.
والحق مع الأئمة القائلين بعدم وقوع لا يجوز أن تكون لها عقوبتان، وأيضًا يجب ألا تصيب العقوبة غير الجاني وتصرفات السكران لو جعلناها صحيحة لتعدت آثارها لغيره بالضرر إلى حد كبير، فليس لنا أن نجيز تصرفات السكران ما دام في الاستطاعة توقيع العقوبة عليه.
وحسنًا فعل المشرع الكويتي حيث قال بعدم وقوع طلاق السكران، وذلك بناء على رأي راجح لأحمد، وقول في المذاهب الثلاثة ورأي كثير من التابعين.
وقد أقر مجلس الأمة الموقر هذه المادة بعد اقتناع بأن عقل السكران زائل، والعقل شرط من شرائط الأهلية للتصرف فتكون عبارته ملغاة لا قيمة لها.
وإذا أراد طلاقها فليطلقها عاقلًا، وإذا أرادت الزوجة التطليق منه لأنه دائمًا سكران فلها طلب ذلك من القاضي لتطليقها لإدمان زوجها على الخمر، وتكون الطلقة بائنة للضرر.
□ هل كانت مواد القانون كافية لتغطية جميع حوائج الأسرة المسلمة؟
• لا يوجد قانون من قوانين الدول العربية غطى ما تحتاجه الأسرة كقانون الأحوال الشخصية الكويتية، فقد جاءت مواده في 347 مادة عدا مواد الوقف التي لم تعرض بعد على مجلس الأمة وعددها خمس وخمسون مادة.
• اللا مذهبية واضحة في القانون، لكن مشرع القانون اعتمد على مدارس ومذاهب فقهية عديدة ... لماذا لا يعتمد المشرع على الاستنباط من الحديث النبوي مباشرة؟
• لا يمكن للمشرعين الذين يقننون أحكام الأحوال الشخصية في مواد أن يستنبطوا حكمًا من أقوال الأئمة المجتهدين إذا كان له سند من القرآن الكريم أو السنة النبوية، فهما أولًا ثم الاجتهاد ثانيًا.
وكان سيدنا أبو بكر إذا ورد عليه حكم نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، وإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله جمع رؤساء الناس، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك.
فاجتماع أهل الرأي للتشاور في حكم مسألة لم ترد في الكتاب أو السنة نوع من أنواع الاجتهاد الجماعي، واتباع رأي الجماعة حينئذ مقدم على رأي الفرد.
وليس في هذا القانون مادة مستمدة من حكم شرعي إلا وذكر سندها في المذكرة الإيضاحية.
□ عندما ناقش أعضاء المجلس المشروع، كانت تعليقات بعضهم تدل على بعدهم عن الفقه، ألا تعتقد أنه من الأصوب لمجلس الأمة أن ينتدب لجنة مختصة يكون رأيه من خلالها؟
• مجلس الأمة طرح هذا المشروع على اللجنة التشريعية والقانونية وانتدب مستشارين متخصصين وتدارسوا هذا المشروع دراسة وافية، قبل عرضه على الأعضاء.
وأسأل الله أن ينفع القانون الفرد والأسرة، ويجنبنا العثار في أقوالنا وأفعالنا، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل، وفي الختام نشكر الدكتور أحمد الغندور على إجاباته القيمة وعلى تفضله بالإجابة على الأسئلة وشكرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل