العنوان (2) A Nation at Risk أمة في خطر (۲): أزمة الأخلاق والدين
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 09-مايو-1995
لا يبالغ عضو الكونجرس «نيوت جنجرش» بقوله
واصفًا المجتمع الأمريكي: «نحن في دولة ينجب أبناؤها وهم في سن "الثانية
عشرة"، ويقتلون بعضهم البعض في سن "الخامسة عشرة"، ويصابون بالإيدز
في سن "السابعة عشرة"، وفي سن "العشرين" يحصلون على شهادة لا
يستطيعون قراءتها".
وإذا كان «جنجرش» يعرض ذلك ببلاغة، فإنه يختزل
بكلمات قليلة نتائج أزمة الأخلاق والدين التي عاشتها وتعيشها «أمريكا»، وتكمن هذه
الأزمة في أنها بالغة الإحاطة والسيطرة والتجذر كنتيجة طبيعية للتعامل مع قضية
الأخلاق والدين في النفس البشرية لا كحاجة طبيعية، وإنما كقضية هامشية ليست من
مصفوفات أولويات البناء الحضاري، ومن ثم فإن تلك الحاجة والرغبة «حاجة الدين والأخلاق»
أصبحت بحثًا ذا شأن فردي استهلاكي خاص، وأفرزت تلك الأزمة صورًا من الضياع
والانفلات ليس فقط في مقدار مساحة كم وحجم الدين في أمة الشعب الأمريكي، وإنما في
نوعية السلوك الناشئ من ذلك الضياع، وللقارئ الكريم أمثلة لا أتكلم فيها عن جرائم
المخدرات والجنس والخمور والقتل وإنما عن المعيار النوعي لتلك الجرائم وأشكالها
التي لا تألفها النفس البشرية، منها:
- آباء
ينتهكون أعراض بناتهم، وأمهات يحرقن أطفالهن الصغار (سادية مفرطة)- قطع أطراف
الأطفال كعقاب بدني- تجويع الأطفال- الربط بالسلاسل عند خروج الوالدين من
المنزل- أطفال يلفون في ملاءات ويوضعون في الثلاجات.
- أطفال
الحدود، وهم الذين يولدون من أمهات تتعاطى الحقن المخدرة ويقدر عددهم فقط في
نيويورك بـ(300) طفل شهريًّا.
- الشذوذ:
كنيسة «المتروبولتين» المجتمعية أقرت وسمحت بالزواج بين الرجال، أما الكنيسة
«الأمريكية» فقد وافقت على الزواج بين الإناث، وعقد مؤتمر بولاية بنسلفانيا
«للسحاقيات الكاثوليك» في نوفمبر (1982م)، وقد اجتمعت النساء فيه على قرار
واحد "نحن سحاقيات ونحن أيضًا كاثوليك، ولن يوجد هناك انفصال بيننا بعد
الآن".
- عباد
الشيطان: توجد جماعات عباد الشيطان في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكتابها
يسمى الكتاب المقدس الذي وضعه زعيم هذه الحركة أنطون لافي، وأفضل ما يقومون
به هو تقديم القرابين للشيطان بقتل أحد أفرادها أو الانتحار مقدمين أرواحهم
للشيطان خلال ممارستهم للطقوس.
- أتباع
هاري كرشنا: حيث يعتقد أتباعه بأنه مبعوث من الله من قبل (5) آلاف سنة ولديه
كتاب مقدس وأن «برامو بود» هو الآن يبشر بدعوته في الولايات المتحدة ويقوم
اتباعه بعبادته ويحرمون على أنفسهم أكل اللحوم، والامتناع عن معاشرة الزوجات.
- جماعات
مختلفة ومتباينة كلها تؤمن بعودة المسيح وقرب انتهاء العالم
"الميللريين" نسبة إلى قائدهم ويليام ميلر، حيث حرموا على أنفسهم
أكل اللحوم واخترعوا طعام «الكورن فليكس»، وجماعة العالم «الإنجيلي»، و«أبناء
الله».
- جماعة
معبد الشمس والتي أسسها جيم جونز عام (1978م) وهي غامضة التعاليم.
- «جماعة
الداوديين» والتي أسسها ديفيد كورش وادعى أنه المسيح المنتظر.
- جماعات
القتل وهم الذين يؤمنون بالقتل كوسيلة لإفساح المجال للذين يولدون فيجدون
مكانًا يعيشون فيه، لا يرون إلا أفلام القتل، حديثهم عن القتل لا يقرأون إلا
قصص الجرائم والقتل، يقتلون القطط والكلاب والحيوانات والبشر وهكذا...
هذا «غيض من فيض» لأزمة الأخلاق والدين
وبالرغم من ذلك السوء البالغ، فإن الكنيسة والتي يفترض أن تكون المؤسسة ذات
الأهمية بمكان لإصلاح التردي الديني والأخلاقي نجدها غارقة في صراعها العنصري، فقد
انفجر قسيس أسود ثائرًا على الأوضاع الكنسية وهو «جورج ستولنجز» من خلال برنامج
«أوبرا» والذي أذاعته شبكات التلفزيون في شيكاجو في يوليو (1989م)، حيث انفجر ذلك
القسيس غاضبًا ضد التمييز العنصري الذي يمارسه عتاة القساوسة البيض في الكنيسة
الكاثوليكية، وهو يؤكد بأنه لم يسمح للسود بدراسة علوم الدين إلا في العقدين
الأولين من هذا القرن ومضى القس الثائر وهو يقول: لقد طالبنا بحقوقنا في الكنيسة
طوال السنوات الماضية، ولم نكن نحظى منكم- أيها البيض- إلا بالمماطلة والتسويف،
وكنا نعيش معكم في كنيسة واحدة، ولكننا كنا نشعر بعزلتنا عنكم وبانفصالكم عنا
ومعاملتنا بعيدًا عن روح الدين.
إن حادث «أوكلاهوما سيتي» المروع ما هو إلا نتاج طبيعي لتطرف الدين الناشئ من إهمال المجتمع الأمريكي لقضية تنظيم الدين والأخلاق كحاجة طبيعية ذات أولوية ضرورية لحياة الإنسان في المجتمع الأمريكي.