; هكذا جاء رئيس تونس - مدير المخابرات العسكرية الإيطالية: - إيطاليا دبّرت انقلاب «بن علي» لمواجهة «الأصولية الإسلامية» | مجلة المجتمع

العنوان هكذا جاء رئيس تونس - مدير المخابرات العسكرية الإيطالية: - إيطاليا دبّرت انقلاب «بن علي» لمواجهة «الأصولية الإسلامية»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 84

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

  • كتاب موثق صدر منذ أيام في باريس: نائب رئيس المخابرات المركزية الأمريكية يرفع تقريرًا للكونجرس بتزكية بن علي.

  • مسؤول فرقة أمن الدولة التونسي: الأسطول السادس كان راسيًا على السواحل التونسية ليلة الانقلاب لحمايتها من التدخل الخارجي.

  • كراكسي- رئيس الوزراء الإيطالي الذي أشرف على خطة الانقلاب- لم يجد ملجأً إلا تونس فرارًا من أحكام بالمؤبد في قضايا فساد سياسي ومالي.

  • أحمد طالب الإبراهيمي وزير خارجية الجزائر لرئيس وزراء فرنسا: الأمور على أحسن ما يرام، وأنصح بعدم التد خل.

  • الجزائر وليبيا ضالعتان في المخطط خوفًا من امتداد الصحوة الإسلامية إلى الشمال الإفريقي.

المفاجأة التي كشفت عنها مناقشات إحدى اللجان البرلمانية في البرلمان الإيطالي عن ضلوع إيطاليا بدور كبير في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، والمجيء بزين العابدين بن علي رئيسًا للبلاد.. هذه المفاجأة أحدثت ردود فعل مثيرة على الساحة السياسية الدولية... خاصة أن تفاصيلها نشرتها الصحافة الإيطالية، وقد تزامن تفجير هذه الفضيحة مع تفجر فضيحة مماثلة في باريس عن دور مماثل للمخابرات المركزية الأمريكية في إطار تنسيق مخابراتي غربي حيال تونس، وقد جاءت فضيحة باريس بين دفتي كتاب صدر في الرابع عشر من الشهر الجاري.

هذه الفضائح تتفجر في وقت حساس بالنسبة لتونس؛ حيث تُجرى الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المتعددة«!» في الرابع والعشرين من الشهر الحالي.

 ماذا دار في أروقة البرلمان الإيطالي؟ وماذا يقول الكتاب الجديد الصادر في باريس؟ وماذا يقول القريبون من الساحة التونسية الذين عايشوا هذه الأحداث؟

في إيطاليا كشفت صحيفة «لاريبوبليكا» اليومية في عددها الصادر يوم الأحد العاشر من الشهر الجاري عن شهادة الأدميرال فرانكو مارتيني- مدير المخابرات العسكرية الإيطالية السابق- يوم السادس من أكتوبر الجاري أمام اللجنة البرلمانية الإيطالية المعنية بالجرائم العامة، والتي اعترف فيها بأن إيطاليا خلال تولي الزعيم الاشتراكي السابق كراكسي رئاسة الحكومة هي التي وضعت خطة الانقلاب الأبيض الذي خلع الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، وجاء بالرئيس زين العابدين بن علي.

وقال الأدميرال مارتيني أمام تلك اللجنة: إن إيطاليا وجدت أن بورقيبة وصل إلى درجة من المرض وكبر السن لا تؤهله لمواجهة الاتجاه المتنامي للأصولية الإسلامية في بلاده، والتي بدأت تنتشر في شمال إفريقيا، فسعت الحكومة الإيطالية إلى تغييره خلال تولي كراكسي رئاستها وتولي جوليو أندريوتي وزارة خارجيتها.

وأضاف: إن الحكومة أمرتني كمدير للمخابرات العسكرية بعمل اللازم في هذا الموضوع، وفي دولة ترى إيطاليا أنها تتمتع بعلاقات ممتازة معها.

وأكد أن المخابرات العسكرية الإيطالية قامت بناء على ذلك بوضع خطة الانقلاب الأبيض ضد بورقيبة، وتحويل السلطة في تونس دون إراقة قطرة دماء واحدة، وأشار إلى أن خطة الانقلاب قضت بإقصاء بورقيبة أولاً، ثم إصدار شهادة طبية ذكرت أنه أصبح غير قادر عقليًا وصحيًا على إدارة الحكم، وبالتالي اختيار بديل له من خلال انتخاب رئيس للبلاد.

 وأشار إلى أن الخطة تمت في إحدى الليالي بين السادس والسابع من نوفمبر عام ١٩٨٧م، وقال بالنص: «في السنوات ۱۹۸۵ م - ۱۹۸۷م رتبنا نوعًا من الانقلاب في تونس بوضعنا الرئيس زين العابدين على رأس السلطة».

وذكر مدير المخابرات العسكرية الإيطالي السابق أن الانقلاب تم في هدوء ودون إراقة نقطة دماء واحدة، وأن الضحية الوحيدة كانت رئيس أحد أجهزة الاستخبارات في دولة أوروبية الذي لم تنظر حكومته بعين الرضا إلى ما قامت به إيطاليا.. وأشارت صحيفة لاريبوبليكا إلى أن الدولة المعنية بذلك هي فرنسا.

وقد أيدت وكالة الأنباء الرسمية الإيطالية «أنسا» ما قاله الأدميرال فرانكو مارتيني من خلال شهادات أعضاء في اللجنة البرلمانية التي استمعت إليها الوكالة.

وقد أثارت تلك الرواية ردود أفعال متعددة، كان من بينها رد فعل كراكسي- الذي يتخذ من تونس منفًى اختياريًا له منذ سنوات هربًا من محاكمته بتهم تتعلق بالفساد السياسي والرشا- الذي أنكر أي دور إيطالي في الانقلاب الأبيض بتونس في رسالة بعث بها عبر الفاكس إلى «وكالة أنسا الرسمية الإيطالية للأنباء»، غير أن أعضاء في اللجنة البرلمانية المعنية بالجرائم العامة أيدوا ما جاء نقلًا عن شهادة مدير المخابرات العسكرية الإيطالية السابق في هذا الصدد.

 كما أن مدير المخابرات نفسه أعادة مرة أخرى التأكيد في تصريحات لنفس الصحيفة الإيطالية على ما نقل عنه أمام اللجنة البرلمانية الإيطالية، بل وأضاف معلومات جديدة قائلًا: كل شيء بدأ عام ١٩٨٤م مع زيارة رئيس مجلس الوزراء الإيطالي كراكسي إلى الجزائر، حيث كان الجزائريون قلقين بشأن تزايد انفلات الوضع في تونس، ومستعدين للتدخل.. وفي عام ١٩٨٥م طلب مني كراكسي أن أتوجه للجزائر للقاء قائد المخابرات الجزائرية، وكان الهدف تجنب تدخل جزائري في تونس.. واعتبارًا من هذه اللحظة بدأت عملية سياسية طويلة قامت بها الخارجية الإيطالية، ولعبت فيها المخابرات الإيطالية دوراً بالغ الأهمية، وارتأينا في النهاية أن بن علي كان الرجل الذي يمكنه أن يضمن استقرار تونس أفضل من بورقيبة.. وقد عرضنا هذا الأمر على الجزائريين الذين تشاوروا مع الليبيين، وقمت أنا شخصيًا ببحث الأمر مع الفرنسيين عن طريق مسؤول المخابرات الفرنسية في حينه رينيه أبنو الذي تعامل معي بغطرسة، وقال لي: إن الإيطاليين يجب ألا يتدخلوا في الشؤون التونسية.

والجدير بالذكر أن بتينو كراكسي «٦٥ عامًا» اختار تونس ملجأً له فرارًا من ملاحقة القضاء الإيطالي له في تهم سياسية ومالية، أدانه القضاء فيها بالسجن ٣٥ عامًا، وقد أجريت له هناك أربع عمليات جراحية بسبب مضاعفات مرض السكر الذي أصيب به، ولم يعد سر اختياره تونس بالذات خافيًا.

فضيحة أخرى في فرنسا

في فرنسا.. وفي الرابع عشر من الشهر الجاري، صدر كتاب موثق يكشف عن حالة أخرى من التورط الغربي في تغيير الحكم في تونس.

الكتاب بعنوان: «صديقنا بن علي».

 والمؤلفان: جون بيار توكوا صحفي بجريدة لوموند، ونيكولابو صحفي بجريدة لوكنار أنشنيه..

وقدم للكتاب جيل بيرو الأديب الفرنسي الذي سبق له أن ألف كتاب «صديقنا الملك»، حول الملك الحسن الثاني..

أما الناشر فهو دار لا ديكوفرت، وسوف ننقل هنا ترجمة عن الفرنسية لأهم الفقرات التي نراها مناسبة من الكتاب مع التأكيد على أهميته كله.

في صفحة ٣٣ يقول المؤلفان: إثر ثورة الخبز وقيام الرئيس بورقيبة بإقالة وزير الداخلية، بدأ الفرنسيون والأمريكان يعبرون عن انشغالهم حول استقرار البلاد «تونس» ما جعل اسم بن علي يبرز من جديد، وفي مقابلة بين بورقيبة وفرانسوا دو غروسوفر مستشار الرئيس ميتيران الذي كان يهوى صيد الخنازير بالشمال التونسي، قال له بورقيبة: «أبلغ فرانسوا أن لدي ما يلزم من الرجال»، وقبل هذه المقابلة كان بورقيبة قد التقى فرنون والترز المستشار الخاص لريجان «الرئيس الأمريكي الأسبق»، ونائب رئيس المخابرات المركزية الأمريكية السابق، وقال له الكلام نفسه، ذاكرًا بن علي بالاسم، وبالفعل يوم ٢٩ يناير ١٩٨٤م عين بن علي مديرًا للأمن الوطني.

 بدءًا من سنة ١٩٨٥م تمت ترقية الجنرال بن على إلى منصب كاتب دولة للأمن ثم وزيرًا، بينما. عين صديقه الحبيب عمار قائدًا للحرس الوطني، وبدأ مسار سيفضي بعد ثلاث سنوات إلى الإطاحة برئيس الدولة.

وفي صفحة ٤٠ يقول المؤلفان:

بداية من ٥ من مايو ۱۹۸۷م عين بن علي وزير دولة من قبل بورقيبة الذي أعمته رغبته في الشعور بالأمن، وفي هذه الفترة بدأ الجنرال بن علي يتقابل باستمرار مع مدير محطة السي أي إيه «وكالة المخابرات المركزية الأمريكية» في تونس، رافضًا أي اتصال مع مخاطبه التقليدي الملحق العسكري الفرنسي بتونس، ما جعل وزارة الخارجية الفرنسية تعبر عن غضبها من علاقات الرئيس القادم مع الأجهزة الأمريكية.

 وفي مايو ۱۹۸۷م قدم تقرير سري أعده فرنون والترز نائب رئيس المخابرات المركز الأمريكية بعد قيامه بجولة في شمال إفريقيا أشار إلى بن علي باعتباره الرجل القادر على قيادة الجمهورية الثانية في تونس، والتي ينبغي- حسب التقرير- أن تجمع في صفوفها كل العائلات السياسية التونسية الموالية للغرب.. وإثر التقرير أبدى مجلس الأمن القومي الأمريكي تأييده لهذا العسكري الموالي للغرب، كما قامت بعثة من الكونجرس الأمريكي إثر زيارة لتونس بتقديم بن علي كمرشح حقيقي لخلافة بورقيبة.

 صفحة ٤٣: خلال جلسة خاصة مع ابنة أخته، وبحضور عبد الوهاب عبد الله- وزير الإعلام- الذي كانت مهمته قراءة الصحف للرئيس، صرح بورقيبة يوم الجمعة ٦ من نوفمبر ۱۹۸۷م أنه ينوي إقالة بن علي من رئاسة الوزراء، وتعيين الصياح.

والثابت اليوم أن أحدهما قد أخبر الجنرال «بن علي» بنوايا بورقيبة؛ فقرر الإسراع بتنفيذ المخطط، لم يكن مطروحًا أن يتدخل الجيش، ما يعطي انطباعًا أن إسقاط بورقيبة جاء نتيجة إنقلاب عسكري، لذلك قامت مدرعات الحرس الوطني بمحاصرة مبنى الحكومة والحزب الحاكم ومقر التلفاز، كما قام الحبيب عمار صديق بن علي الحميم والمكلف بحماية الرئيس بورقيبة باحتلال قصر قرطاج، وقطع الاتصالات الهاتفية مع الخارج، وذلك بدعوى حمايته من هجوم وشيك من الإسلاميين، في الفجر استدعى وزير الدفاع يكل الجنرالات العاملين وأدخلوا واحدًا واحدًا على الجنرال زين العابدين بعد أن أعطيت تعليمات واضحة للحراس، إذا رن الهاتف مرة واحدة يؤتى بالقهوة للضيف، وإذا رن مرتين يعتقل الضيف حالاً، وحده الجنرال بوزقرو آمر سلاح الطيران اعترض على الأمر، فألقي القبض عليه في الحال.

بعد ذلك استدعي وكيل الجمهورية الهاشمي الزمال مع سبعة من الأطباء، وطلب منهم بحضوره التوقيع على شهادة تفيد عجز الرئيس بورقيبة عن القيام بمهامه، ولما احتج أحدهم أنه لم ير بورقيبة منذ سنتين، نهره الجنرال هذا «لا يهم.. وقع»..

في المساء كان الهادي البكوش الذي سيصبح وزيرًا أولًا «رئيس وزراء» للانقلاب قد استدعى السفير الجزائري، وأعلمه بما سيحدث، وبذلك كان الجزائريون أول من علم بالانقلاب، وفي الصباح الباكر هاتف وزير الخارجية الجزائري أحمد طالب الإبراهيمي جاك شيراك- الوزير الأول الفرنسي وقتها- قائلًا: إن الأمور على أحسن ما يرام، ناصحًا إياه بعدم التدخل.

والحقيقة أن الجزائر قد علمت بالأمر قبل شهرين كاملين عبر بعض عناصر المخابرات العسكرية الجزائرية، الذين أرسلوا إلى تونس المتابعة الأحداث، فعلموا بالتحضير للانقلاب من قبل وزير الداخلية.

انتهت الترجمة من الكتاب.

ملاحظة: يذكر أحد عناصر المجموعة الأمنية التي أُلقِي القبض عليها بعد اعتلاء بن علي للسلطة، أن «المنصف بن قبيلة» مسؤول فرقة أمن الدولة قد أخبره خلال التحقيق معه أن الأسطول السادس الأمريكي كان راسيًا بالسواحل التونسية ليلة الانقلاب لحمايته من أي تدخل خارجي.

المعروف أن إيطاليا هي أقرب بلد أوروبي لتونس من الناحية الجغرافية، فبعض الجزر الإيطالية يرى ضوؤها في الليل في شمال تونس.. فإيطاليا معنية بتونس من الناحية الجغرافية، كما أنها لم تنس تاريخها مع تونس، حيث انطلق الفتح الإسلامي لجنوب إيطاليا من شمال تونس بقيادة أسد بن الفرات، وبقي الجنوب الإيطالي مسلماً أكثر من ثلاثة قرون متواصلة.. تشعر إيطاليا إذن بأن أي تحول في تونس يهمها بالدرجة الأولى.

والمعلوم أيضًا أن إيطاليا تعد البلد الأوروبي الثاني بعد فرنسا في ميدان التبادل التجاري والاستثمار الدولي مع تونس، ولهذه الأهمية الكبرى لتونس لدى إيطاليا وأوروبا، فإن إيطاليا تمول تونس بمساعدات أمنية كبيرة مجانًا، على اعتبار أن تونس تنهض بجزء من الأمن الإيطالي، فهي بهذا التمويل لا تمول الأمن التونسي وحده، وإنما تمول أمنها، كما أن الدول الأوروبية الأخرى- وخاصة فرنسا وألمانيا وبلجيكا- تتقاسم بالتضامن في تمويل ميزانية الأمن التونسي تدريبًا وتجهيزات ومعدات على اعتبار أن ذلك جزء من الأمن الأوروبي ضد ما تسميه الأصولية الإسلامية المتصاعدة.

وهكذا تكشف الأيام في لحظة نادرة كيف يجند الغرب كل قواه المخابراتية والعسكرية والسياسية لوقف أي صحوة إسلامية أو مد إسلامي.. وتكشف الأيام كذلك في لحظة نادرة كيف تحاك الخطط، وتحبك المؤامرات لصناعة الرؤساء والزعامات وفق المقاس الذي يريده الغرب، وبالطريقة التي يحددها، وفي التوقيت الذي يحدده كذلك، ثم تخدع الشعوب بعد ذلك بشعارات الانتخابات الرئاسية والحرية والديمقراطية.

كما تكشف الأيام في لحظة نادرة أيضًا كيف أن بعض الرؤساء لا يتورعون عن وضع أيديهم في أيدي المخابرات الغربية لقلب الأوضاع في بلد آخر، بما يحفظ حكمهم وكراسيهم، حتى ولو كان الثمن هو تجفيف منابع الإسلام، وسجن وقتل وتعذيب أهله. 

واللحظة النادرة هذه لا تتكرر كثيرًا في التاريخ؛ لأنها تتحدث عن فضائح على أعلى مستويات الحكم، وكل شهودها أحياء، والذي فجرها هو أحد صانعيها.. ولذلك فإنه يحق أن توصف بأنها لحظة في الصميم..

الرابط المختصر :