العنوان إن من البيان لسحرًا
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 52
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
لما ولي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الخلافة وفدت الوفود من كل بلد، فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام منهم للكلام، وكان حديث السن، فقال له عمر: لينطق من هو أسن منك، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبدًا لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا، فقد استحق الكلام، وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك. فقال عمر: صدقت قل ما بدا لك، فقال الغلام: أصلح الله الأمير، نحن وفد تهنئة لا وفد مرزأة «مصائب أو شكاوى»، وقد أتيناك لمن الله الذي منّ علينا بك، ولم يقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة: فقد أتيناك من بلادنا، وأما الرهبة: فقد أمنا جورك بعدلك. قال عمر: عظني يا غلام، فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين، إن ناسا من الناس غرهم حلم الله عنهم، وطول أملهم، وكثرة ثناء الناس عليهم، فزلت بهم الأقدام؛ فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك، وطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل بك قدمك، فتلحق بالقوم، فلا يجعلك الله منهم، وألحقك بصالحي هذه الأمة، ثم سكت. فسأل عمر الغلام عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عنه، فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، فتمثل عمر عند ذلك قول القائل:
تعلم فليس المرء يولد عالما *** وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده *** صغير إذا التفت عليه الجحافل
وإن صغير القوم إن كان عالمًا *** كبير إذا ردت إليه المحافل
إن الذي يقف متصديا للإصلاح ينبغي أن يكون بليغًا فصيحًا، ذلك أن قوة التعبير وفصاحة اللسان وحسن البيان من أركان المناقشة الجيدة والحوار الناجح، فكم من حق ضاع لسوء التعبير عنه، وكم من باطل ظهر؛ لأن الذي يدعو إليه فصيح بليغ.
لذلك ينبغي للمحاور الجيد أن يضبط كلامه، ويتقن لغته - ما أمكن -؛ لأن الكلام المحكم الجميل الذي يخلو من الخطأ، والذي تتضح فيه مخارج الحروف، والذي يتوالى بانتظام واسترسال وترتيب، يترك أحسن الأثر في السامع الذي يفهمه، ويجعله يحترم قائله؛ لأنه يراه رجلًا محيطًا بما يقول، قادرًا على الإفصاح والإيضاح.
يضاف إلى هذا المعنى أن اصطياد المناسبة الملائمة لقول طرفة، أو إزجاء دعابة أو رواية نادرة، أو استحضار شاهد مناسب أو واقعة مستملحة، فضلا عن حضور البديهة وسرعة الجواب من أهم ما يتسلح به المحدث الناجح والمحاور البارع.
إن الحق يحتاج إلى من يحسن حمله وإيصاله للآخرين، وإلا فلربما ضاع بسبب سوء تدبير حامليه أو قلة كفاءتهم وإمكاناتهم.
إن مثل الأسلوب الذي يتم به تقديم الحق كمثل الماء البارد الذي لو وضع في كأس زجاجي جميل نقي، فإنه يتقبل أحسن قبول، ولكن لو وضع هذا الماء البارد النقي في إناء أو حذاء قذر فإنه يرد على صاحبه ولا يقبل منه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل