; «مغازلة» في رمضان! | مجلة المجتمع

العنوان «مغازلة» في رمضان!

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2007

مشاهدات 59

نشر في العدد 1772

نشر في الصفحة 56

السبت 06-أكتوبر-2007

(*) أستاذ الأدب والنقد

تجار الدراما العربية يقدمون المسلم المتدين بصورة معادية للحياة والناس والحضارة ومعانقة للجهل والتخلف والتعصب!

الشخصية الإسلامية المتدينة في المسلسلات والأفلام: شخصية فصامية نكدة متجهمة فيها من القبح أكثر مما فيها من الحسن، وقد دأب تجار المسلسلات والأفلام منذ زمن بعيد على تقديم نمط يكاد يكون واحدًا ومتشابهًا وكريهًا أيضًا يمثل الشخصية الإسلامية المتدينة وحدها، دون أن يجرؤ هؤلاء التجار على المساس بالشخصية المتدينة غير الإسلامية!

ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ضعف المسلمين وخضوعهم للاستبداد والتسلط، فضلًا عن القهر الاستعماري الذي يمارسه الغزاة النازيون اليهود في فلسطين وما حولها، أو المتوحشون الغربيون الغزاة بجيوشهم الجرارة في بلاد الأمة. هناك سبب آخر يسهم في تصوير الشخصية الإسلامية المتدينة في هذه الصورة النكدة، وهو أن معظم العاملين في تجارة الأفلام والمسلسلات وتسويقها ينتمون إلى فكر دنيوي بكره الدين عمومًا والإسلام خصوصًا، ومرجعيتهم في ذلك ما يقدمه الغرب الاستعماري المتوحش من نماذج فنية، تنحو إلى الكسب أو الربحية على حساب البشر بأخلاقهم وقيمهم ومعتقداتهم، وهو ما نراه الآن يمثل حالة طبيعية في الغرب، تندرج تحت مسميات فضفاضة ومراوغة، مثل: حرية التعبير وحرية الفكر وحرية الأشخاص، فالشركات العربية ومؤسساتها تبيع وتشترى في الإنسان رجلًا وامرأة، وكانت تجليات ذلك واضحة في عروض الأزياء، والأفلام الإباحية ومسرحيات «البورنو»، وإضفاء الشرعية على علاقات المثليين الشاذة والدفاع عنها على مستوى العالم.

وصاية غير مقبولة

في حين أن الشخصية الإسلامية المتدينة لقيت تسفيهًا وتشويهًا وتجريحًا بلا حدود منذ بدأ الحديث عما يسمى الإرهاب والعنف المتبادل بين السلطات البوليسية الفاشية في العالم العربي وبعض الجماعات المنسوبة إلى الإسلام، وقد لا يعبر بعضها عنه أو لا يمت إليه بصلة، ولكن القوم جعلوا من المسلمين جميعًا- فضلًا عن الإسلام- صورة شريرة ينبغي استئصالها ومحوها من الوجود، وقد أخذ تجار الدراما والتسلية في عالمنا العربي فرصتهم، بدعم من السلطات البوليسية الفاشية بتصوير المسلم المتدين أو المسلمة المتدينة بصورة شاذة وقبيحة ودموية، ومعادية للحياة والناس والحضارة، ومعانقة للجهل والتخلف والتعصب، ولعل أفلام عادل إمام، كان لها قصب السبق في هذا السياق، فقد رأينا «الإرهابي» أي الشخص المسلم المتدين سفاحًا وقاتلًا ومستحلًا لأموال غيره، وشهوانيًّا يبحث عن النساء بكل وسيلة.

قد يقول قائل: إن مثل هذه الشخصيات موجودة في المجتمع، وسارد بالإيجاب، ولكن ألا يوجد مسلم متزن يمتلك البشاشة والمعرفة والوعي والفكر والقدرة على التعامل مع غيره من الناس؟ ولنفترض أن هذا المسلم غير موجود أفلا يمكن للدراما والأفلام والمسرحيات أن تصنعه بطريقة وأخرى؟ لقد خلت أفلام عادل إمام، والمسلسلات التي سارت على نهجه من هذا النموذج الطبيعي الذي يعبر عن الإسلام وروحه السمحة المحلقة في فضاء إنساني بشري رحب، يحب الحياة ويستمتع بها، ويشارك الآخرين أحزانهم ومسراتهم، ويتعامل مع غير المسلمين بالحسنى والمودة والتواصل الإنساني الحميم.

المقصود في كل الأحوال أن تناغي تجارة الدراما والأفلام جهات معينة، لتثبت ولاءها بالدرجة الأولى وتقول للناس نحن- المستنيرين- نملك وحدنا حق الإدانة والبراءة لمن هو متدين أو من هو غير متدين، وهي وصاية غير مقبولة وغير خلقية وتمثل افتئاتًا على الواقع والناس والإسلام جميعًا: وخاصة ممن يكرهون الإسلام!

جريمة كاملة!

المجتمع مليء بالأخيار والأشرار، فلماذا التركيز على النوع الأخير وتقديمه مرادفًا للإسلام والمسلمين؟

إنها جريمة كاملة بكل المقاييس يرتكبها تجار الدراما مثلما يفعل زعماء الغرب الاستعماري المتوحش كل يوم، وعلى مدار الساعة من قتل وتدمير وتخريب ضد شعوب الأمة في أفغانستان وباكستان والعراق وفلسطين والشيشان، ثم تسمع منهم أنهم يقتلون «الإرهابيين»!

هل مئات الألوف الذين يقتلونهم كلهم من الإرهابيين حقًّا؟ نفترض أن بينهم مائة أو ألف إرهابي، فلماذا يقتلون الفقراء البسطاء الآمنين الذين لا يعرفون أسماء زعماء الغرب أو الصهيونية؟! 

إنها جريمة الكذب المفضوح الذي يسعى إلى أهداف أخرى، ويضلل الناس ويخدعهم ويمكر بهم، وفي الوقت نفسه يبدو ممثلًا لدور البريء المتحضر الضحية!

«بیزنس» تشويه الإسلام!

في أوائل رمضان الحالي ١٤٢٨هـ، رأيت حلقة أصابتني بالاشمئزاز والتقزز من مسلسل بليد، مفتعل الأحداث، سمج الشخصيات، يقدم فيه ولدًا طالبًا بكلية الحقوق يطلق لحيته ويعق والديه ويضرب أخته بوصف ذلك «دينًا»، وفي الوقت نفسه يتلصص على الجيران ويسعى لإقامة علاقة مع زميلة له، دون أن يراعي أبسط قواعد الإسلام، وينتمي إلى مجموعة تكره الحياة والأحياء، في المقابل نجد شخوص المسلسل يعيشون وكأنهم لا يعلمون شيئًا عن الإسلام وأخلاقه وتعاليمه، وهؤلاء هم البديل الذي يقدمهم المسلسل «التنويري»! تمنيت أن تكون هذه «الموضة» بتصوير المسلم المتدين الفصامي في تفكيره وسلوكه، المتوحش في علاقاته وتعاملاته قد انتهت بإلقاء آلاف الشباب في السجون وقضاء زهرة شبابهم وراء القضبان، وخروج بعضهم مجرد هياكل بشرية محطمة لا حول لها ولا شأن ولا تجد قرشًا تنفقه، ويبدو أن بعض تجار المسلسلات حريص على «البزنس» من خلال مغازلة السلطات البوليسية الفاشية وقوى الإجرام الاستعماري التي حرمت الأمة كلها، حق الحياة الحرة الكريمة النبيلة، بعد أن سلبتها قوتها وثروتها وشرفها، وأملت عليها شروطها الشريرة، فإلى متى يستمر هذا «الغزل» وذلك «البيزنس»؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين