العنوان «معركة الإبعاد» وحسابات الكيان الصهيوني الخاطئة
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993
مشاهدات 71
نشر في العدد 1033
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 12-يناير-1993
فلسطين المحتلة: الحسابات الخاطئة
لـ "رابين"
مغالطات
القرار (ديسمبر
1992)
حين أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين على اتخاذ قرار إبعاد 415
فلسطينيًّا من نشطاء حركتي حماس والجهاد، كانت لديه مجموعة من الحسابات التي رجحت
لديه صحة القرار. والآن وبعد مضي قرابة شهر على عملية الإبعاد، فقد أظهرت تطورات
الأحداث أن كثيرًا من حسابات رابين تلك كانت خاطئة وغير دقيقة، وقد ظهر ذلك جليًّا
من خلال الارتباك الواضح في موقف الحكومة الإسرائيلية إزاء تلك الخطوة، والحرج
الذي سببته للموقف الإسرائيلي، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى الوقوع في
سلسلة من الأخطاء السياسية والإعلامية المتلاحقة في إدارتها لقضية المبعدين
وتطوراتها. وأهم تلك الحسابات الخاطئة:
الأخطاء
الإسرائيلية في
إدارة الأزمة
1. التسرع وتشكيك في القانونية:
تسرعت
الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ قرار الإبعاد في محاولة لتهدئة ردود الفعل الشعبية
الغاضبة، الأمر الذي دفعها إلى الإقدام على إبعاد هذا العدد الكبير من الفلسطينيين
دون محاكمة؛ مما أدى إلى التشكيك في قانونية تلك الخطوة داخل وخارج
«إسرائيل».
2. الاعتراف بالخطأ
يزيد الشكوك: أعلنت السلطات
الإسرائيلية أنها اكتشفت بعد فحص الملفات الأمنية للمبعدين أن عشرة منهم قد
تم إبعادهم عن طريق الخطأ، وأن بإمكان هؤلاء العشرة العودة من مخيمهم إلى
معتقل أنصار.. وعلى الرغم من أن السلطات الإسرائيلية كانت تهدف من وراء ذلك إلى
تخفيف الضغط الدولي عليها والإيحاء بأن عددًا آخر قد يتم إلغاء قرار الإبعاد بحقه
إذا ما تقدموا بطلبات استئناف فردية، فإن هذه الخطوة قد عززت الشكوك الموجودة
أصلًا حول صحة الاتهامات التي وجهتها سلطات الاحتلال للمبعدين وعدم تقديمهم
للمحاكمة.
3. سوء تقدير
الإدانة الدولية: لم تقدر
الحكومة الإسرائيلية بشكل دقيق حجم الإدانة والمعارضة الدولية لخطوة الإبعاد، وإن
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد صرح بأن حكومته توقعت إدانة تلك الخطوة، وأن
«إسرائيل» قد تعودت على إصدار مجلس الأمن قرارات إدانة ضدها.
4. صدمة الموقف
اللبناني: لم تتوقع الحكومة الإسرائيلية رد الفعل
اللبناني الذي فاجأ «إسرائيل» والعالم، وأدى إلى إحراج الموقف الإسرائيلي. وقد
أشهرت تصريحات رابين مدى انزعاجه من الموقف اللبناني.
5. صمود المبعدين وإدارتهم للأزمة:
فاجأ موقف
المبعدين وصمودهم ورفضهم لجميع الاقتراحات الإسرائيلية والدولية وإصرارهم على
البقاء في مخيمهم رغم قسوة الظروف حتى العودة إلى وطنهم، فاجأ الحكومة
الإسرائيلية. وقد أثبت المبعدون حتى الآن قدرة فائقة في إدارة العملية السياسية
والإعلامية بحيث تمكنوا من المحافظة على اجتذاب اهتمام وسائل الإعلام العالمية
والعربية لمتابعة قضيتهم.
6. قوة اليمين
تضاعفت: لقد كان لضغط الشارع الإسرائيلي والحركات اليمينية المتطرفة دور كبير
في دفع الحكومة الإسرائيلية نحو اتخاذ قرار الإبعاد، وعلى الرغم من أن رابين قد
تمكن من خلال خطوة الإبعاد من احتواء ضغوط اليمين الإسرائيلي، إلا إن عملية
الإبعاد تلك قد ضاعفت من قوة وتأييد اليمين في الشارع الإسرائيلي، الذي بدأ
يميل إلى طموحات الأحزاب اليمينية المتطرفة، وهو ما أثر بشكل سلبي على قوة معسكر
اليسار الإسرائيلي.
7. فشل الرهان على الشرخ
الفلسطيني: راهن رابين من خلال عملية الإبعاد على إيجاد شرخ في الصف الفلسطيني
بين حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، وذلك من خلال التركيز الإعلامي على أن
تلك الخطوة ستخدم عملية السلام، وستقوي موقف المنظمة في مواجهة حركة «حماس» جراء
ضرب البنية التنظيمية لحماس. ولكن حركة «حماس» التي كانت واعية لتلك الخطة
الإسرائيلية قطعت الطريق على رابين من خلال موافقتها على حضور اجتماعات تونس
مع قيادة المنظمة، وسعيها لدفع كافة الفصائل الفلسطينية لاتخاذ مواقف قوية تجاه
قضية المبعدين وعملية التسوية، وقد نجحت بالفعل في إحراج موقف المنظمة إزاء
العملية التفاوضية.
8. تصاعد نشاط "حماس" ضد
المزاعم الإسرائيلية: حاول رابين
والمسؤولون الإسرائيليون الزعم بأن عملية الإبعاد التي طالت البنية التنظيمية
لحركة «حماس»، ستؤدي إلى الحد بشكل كبير من قوة ونشاط الحركة، وذهبوا إلى المراهنة
على أن الأيام التي ستلي عملية الإبعاد ستظهر إيجابيات تلك الخطوة على الوضع
الأمني وعلى تراجع قوة «حماس». ولكن تصاعد الانتفاضة الفلسطينية وتصعيد
«حماس» لعملياتها الجريئة والتي كان أبرزها اغتيال ضابط المخابرات الإسرائيلي «حاييم
نحماني»، قد شككت في صحة المزاعم الإسرائيلية تلك، وهي قد تدفع الشارع
الإسرائيلي إلى التساؤل عن صدق مزاعم المسؤولين الإسرائيليين.
9. ربط خاطئ بالشارع العربي:
حاول
إسحق رابين والمسؤولون الإسرائيليون تبرير خطوة الإبعاد والتخفيف من المعارضة
العربية الرسمية لها، من خلال الربط بين حركة «حماس» وبين الحركات الإسلامية
في الدول التي تعاني أنظمتها من مشاكل مع تلك الحركات، والزعم بأن «إسرائيل» ليست
وحدها التي تعاني من آثار العنف والتطرف الإسلامي، بل إنها تشترك مع تلك الدول في
نفس المعاناة. ولكن الحكومة الإسرائيلية لم تقدر على ما يبدو رد الفعل في
الشارع العربي تجاه مثل هذا الربط؛ حيث إنه يعزز ولا شك الصورة الإيجابية لتلك
الحركات لدى الشارع العربي والإسلامي الذي يؤيد أي عمل يصب في خانة مقاومة العدو
اليهودي، الذي يجمع العرب والمسلمون على رفضه والحقد عليه. ولا شك أن تركيز
السلطات الإسرائيلية لهجومها ضد حركة «حماس» قد أدى إلى ارتفاع أسهمها في
الشارع الفلسطيني وفي الشارعين العربي والإسلامي، وأدى إلى بروزها كرأس حربة
في وجه المشروع الصهيوني في المنطقة.
قد يكون للإسرائيليين تفسيراتهم الخاصة للحسابات السابقة التي
ذكرناها، ولكننا نستطيع الزعم بأن التقديرات الإسرائيلية كانت خاطئة وغير دقيقة
هذه المرة. وعلى «إسرائيل» أن تدرك أنها لا تستطيع إدارة المعركة ضد الحركات
الإسلامية وعلى رأسها «حماس» بنفس الطريقة التي أدارت من خلالها معاركها السابقة
مع الفصائل الفلسطينية الوطنية واليسارية الأخرى، وإلى أن تدرك «إسرائيل» تلك
الحقيقة، فإن المجال سيبقى مفتوحًا أمام مزيد من الحسابات والتصرفات الإسرائيلية
الخاطئة في إدارتها لمعركة المبعدين.
قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 799 بشأن المبعدين الفلسطينيين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل