; إلى الشيخ محرم العارفي | مجلة المجتمع

العنوان إلى الشيخ محرم العارفي

الكاتب صلاح الدين أرقة دان

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984

مشاهدات 66

نشر في العدد 652

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 03-يناير-1984

الشيخ محرم العارفي، إمام جامع البطاح في صيدا، كان في طليعة العلماء الذين تصدوا للغزو الإسرائيلي وواجهوه، وعندما تكثفت عمليات المجاهدين ضد القوات الغازية، وبعد سقوط الشهداء الثلاثة يوم 27/ 12/ 1983م، أقدمت القوات الغازية في صيدا على اعتقال الأخ الشيخ محرم العارفي وعدد كبير من الشباب المؤمن في الجنوب. وقد نشرت جريدة السفير اللبنانية الكلمة التالية كرسالة مفتوحة إلى الشيخ محرم وهو في سجنه من أحد إخوانه.

السلام عليك حيث أنت، وحسبك أن السجن مدرسة يوسف، وجنة ابن تيمية، ومعهد سيد، ودار أبي طير...

البحر الذي يغسل شواطئ صيدا هل يغسل ذنب العميل الذي أخرجك من دارك وأنت في محرابك تتهجد لله عز وجل وترتل القرآن الذي عشقته وجعلته وردك الدائم، فحمله غيرك في المصاحف، وحملته أنت في قلبك تردده آناء الليل وأطراف النهار؟!

رأى غيرك فيه باب رزقه، ورأيت فيه باب الجنة، وما أعظم كلمة حق تخرج من قلب خاشع تصفع بجرأة المؤمن وثبات المخلص وجوه كل السفلة من محتكري مواقف الخزي والعار، وتذل العتاة الذين حسبوا أن السلطة بارود ونار.

إنه ليس موقفك الأول، ولن يكون الأخير بإذن الله، وإن كانت المواقف لا تظهر إلا بحسب الحاجة والزمان... فجبشيت التي اكتشفت «راغبا» في حرب عدوها تسلم اليوم على صيدا التي تلمست رجلًا يحمل كلمة الحق، ويعرف ما حرم الله على عباده في تعاملهم مع بني إسرائيل...

كنت في صيدا أول من أقام الجمعة بعد الاجتياح البربري الإسرائيلي، وأول من صاح في مئذنته «الله أكبر» فأقمت المدينة من غفلتها لتذكر أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن وجه صيدا الحقيقي هنا في كنف الله... وتحت مشافر السيوف... وأن الهزيمة العسكرية لم تكن في يوم من الأيام نهاية المطاف... فأحد وحنين كانتا درسًا يتلى حتى اليوم، وأن الخطر كامن في الاستسلام وفي التسليم للعدو بما يريد وما يخطط.

وأنت أول من رد على الحاكم العسكري الإسرائيلي يوم اتهم أمامك رجال المقاومة بالتخريب، فأجبت إجابة العز: المخرب من يقتلع الأشجار ويهدم البيوت، ويقتحم الخدور، ويحجز الحريات.. المخرب من يغتصب الأرض، ولا يعرف حرمة العرض، ولا يقيم وزنًا للقيم.

وأنت أول من رفض مصافحة تلك اليد الخبيثة الملوثة بدماء الأبرياء.. وكيف تصافح والمصافحة اعتراف.. وكيف تعترف وهم قتلة الأنبياء ومثيرو الفتن ومشعلو الحروب وآكلو الحرام؟!

وأنت ممن اتخذ من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم منبرًا للحق، وصوتًا للحرية، ونداء للحياة الكريمة... كم نصحك الناصحون أن أخفت من صوتك واغضض من طرفك، وآثر السلامة... وكم ضربوا لك الأمثال على من فر وآثر الأضواء والراحة والهناء على البقاء في آتون المعركة وفي خط المواجهة الأول، وكل ذلك كان عندك صغيرًا لا يستحق الالتفات ولا الإجابة، وأنت الذي يعلم الناس قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: 24) ولا حياة بلا حرية، ولا حرية بلا تضحية، ولا تضحية بلا قدوة.

آثرت البقاء وقد خرج الآخرون... وقررت المجابهة وقد هادن الكثيرون... وحرمت مصافحة الأعداء والعملاء، وقد أحلها المنبطحون.. وفضحت كل ممارسة شاذة تستر عليها الزاحفون.

كل ذلك بهدوء وسكون وعمل دؤوب.. فلا تغيير لمكان النوم ولا تبديل لمواعيد الدروس في المسجد.. وبلا تمييز بين منابر الحق.. فمن مساجد «بطاح» في زواريب صيدا القديمة التي ما زالت تذكر هزيمة الصليبيين وانسحاق التتار وانسحاب الفرنسيين ورعب الإسرائيليين... إلى المنبر الحسني، وذكرى سيد الشهداء؛ لأنك آمنت بما آمن به إخوانك من المجاهدين: إنه لمن العار تفرق أهل الحق عن حقهم مع اجتماع أهل الباطل على باطلهم.

قالوا: تنح، إنك لا تملك سلاحًا.

فقلت: حسبي الله.

قالوا: سافر.. اعتمر.. حج.

قلت: حجي وعمرتي تحرير بلدي.

قالوا: لن تفلح في تصحيح المسير.

قلت: حسبي جهد الاستطاعة. 

قالوا: ستخطئ الدرب.

قلت: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ (النور: 40).

قالوا... وقلت... ربما الآن ولفترة من الوقت أراحك الله من أقوالهم.

أخي.. عملت حتى أرهقت نفسك.. ستفتقدك هذه الأيام لقاءات الأفراح.. وذكريات الشهداء، وسيقف في محرابك سواك؛ إلا أنك تلميذ محمد الذي ذكر يهود خيبر بأن الحق لهم بالمرصاد، وأن الفشل والهزيمة هما نتيجة كل مخططاتهم؛ لأن «الله أكبر»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 587

85

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

فاس نمبر ٢

نشر في العدد 592

81

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

رسائل العدد 592